فرضت تطورات الحرب الأميركية – الإيرانية تحولاً لافتاً في توجهات مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، بعدما كانت التوقعات بداية 2026 تميل إلى بدء دورة خفض تدريجي لأسعار الفائدة، إلا أن تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط في نهاية فبراير الماضي، وما تبعها من تداعيات اقتصادية، دفع الفيدرالي إلى تبني نهج أكثر تحفظاً، مرجحاً استمرار هذا التوجه خلال معظم الأشهر المتبقية من العام.
وقرّر «الفيدرالي» تثبيت أسعار الفائدة ضمن نطاق 3.5 في المئة إلى 3.75 في المئة خلال اجتماعه الأخير في أبريل، وذلك في خطوة عكست استمرار حالة الترقب الحذر، مع تركيزه على تقييم تأثير التطورات الاقتصادية والجيوسياسية، خصوصاً في ظل استمرار الحرب وتداعياتها غير الواضحة.
ويأتي هذا القرار مخالفاً للتوقعات التي سادت نهاية 2025 وبداية 2026، والتي كانت تشير إلى إمكانية تنفيذ أكثر من خفض للفائدة خلال العام الجاري، مدفوعة بتباطؤ نسبي في معدلات التضخم واستقرار نسبي في الاقتصاد الأميركي آنذاك.
غير أن اندلاع الحرب الأميركية – الإيرانية، وما رافقها من توترات إقليمية، أسهم في إعادة إشعال الضغوط التضخمية، خصوصاً عبر قناة أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد، ما دفع «الفيدرالي» إلى إعادة ترتيب أولوياته، وتقديم مكافحة التضخم على دعم النمو.
التوترات الجيوسياسية
وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن ارتفاع أسعار النفط والغاز نتيجة التوترات الجيوسياسية قد يؤدي إلى موجة تضخم موقتة، لكنها كافية لتعطيل خطط التيسير النقدي في المدى القريب، وهو ما يفسر تمسك الفيدرالي بسياسة التثبيت في الوقت الحالي.
وحسب تقارير حديثة، تراجعت احتمالات خفض أسعار الفائدة الأميركية خلال 2026 بشكل كبير، في ظل استمرار الحرب وما تفرضه من حالة عدم يقين اقتصادي عالمي.
وباتت التوقعات تميل إلى أن «الفيدرالي» سيتجنب أي خفض للفائدة مع إمكانية تأجيل الخطوة إلى وقت لاحق، وربما إلى الأشهر الأخيرة من 2026، في حال تراجعت الضغوط التضخمية واستقرت الأوضاع الجيوسياسية.
إلى جانب العوامل الجيوسياسية، يواصل سوق العمل الأميركي إظهار قوة ملحوظة، مع استمرار ارتفاع معدلات التوظيف وانخفاض البطالة، ما يمنح «الفيدرالي» مساحة إضافية للتريث وعدم التعجل في خفض الفائدة.
ويرى محللون أن استمرار قوة سوق العمل قد يطيل أمد السياسة النقدية المتشددة نسبياً، خصوصاً في ظل غياب مؤشرات واضحة على تباطؤ اقتصادي حاد يستدعي التدخل.
التخفيض التدريجي
وفي المقابل، لا يزال بعض التوقعات يشير إلى إمكانية تنفيذ خفض تدريجي للفائدة خلال الربع الأخير 2026، لكن ذلك يبقى مشروطاً بعوامل عدة، أبرزها: انحسار التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، تراجع أسعار الطاقة، ظهور مؤشرات على تباطؤ سوق العمل، استقرار معدلات التضخم ضمن النطاق المستهدف، وفي حال تحقق هذه الشروط، قد يلجأ «الفيدرالي» إلى خفض حذر وتدريجي للفائدة، بدلاً من دورة تيسير واسعة كما كان متوقعاً سابقاً.
ولم تقتصر تداعيات هذا التحول على الاقتصاد الأميركي فقط، بل امتدت إلى الأسواق العالمية، حيث ساهمت حالة عدم اليقين في زيادة تقلبات الأسواق المالية، وارتفاع تكاليف التمويل، وتراجع شهية المخاطرة لدى المستثمرين.
ومن المتوقع أن يفرض استمرار الفائدة عند مستويات مرتفعة نسبياً لفترة أطول ضغوطاً إضافية على اقتصادات الأسواق الناشئة، التي تعتمد بشكل كبير على تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية.
ويعكس مسار «الفيدرالي» خلال الأشهر الأربعة الأولى 2026 تحولاً واضحاً من التيسير المتوقع إلى الحذر المدروس، في ظل بيئة اقتصادية وجيوسياسية معقدة.
ومع استمرار الحرب وتداعياتها، يبدو أن هذا النهج سيظل مهيمناً على قرارات السياسة النقدية الفترة المقبلة، ما لم تطرأ تغيرات جوهرية تعيد فتح الباب أمام خفض الفائدة، ولو بشكل تدريجي ومحدود في نهاية العام.