مع دخول الحرب الإسرائيلية - الأميركية - الإيرانية شهرها الثالث، تكشف وثائق وتحليلات أمنية إسرائيلية حسّاسة، حصلت «الراي» على نسخ منها، عن حالة غير مسبوقة من القلق والتشكيك داخل أركان المؤسسة العسكرية والأمنية في تل أبيب، تصل إلى حد الإقرار العلني، للمرة الأولى، بأن إسرائيل «قد تفشل» في تحقيق أهدافها الإستراتيجية من الحرب، وسط انقسام حاد في الرؤى بين واشنطن وتل أبيب حول كيفية إنهاء المواجهة مع طهران، وتقديرات بوجود «مخطط زمني إيراني» لإعادة بناء القدرات الصاروخية والنووية خلال سنوات قليلة.

ويكشف تقرير استقصائي أعدته وحدة الدراسات الأمنية استناداً إلى تحليلات أمنية لمعهد دراسات الأمن القومي (INSS)، عن اعترافات لضباط كبار في الجيش الإسرائيلي بأن «وقف إطلاق النار» في لبنان تحول إلى «فخ استراتيجي» أتاح لحزب الله فرصة ذهبية لإدارة حرب استنزاف يومية بالمسيرات والصواريخ، بينما تقف إسرائيل «مكتوفة الأيدي» بفعل القيود الأميركية التي تمنعها من ضرب عُمق بيروت والقيادات.

وكشف المحلل العسكري آفي أشكنازي، في المعهد وفي تقرير نشرته صحيفة «معاريف» تحت عنوان «على شفا الفشل» (On the Brink of Failure)، عن تصريحات خطيرة أدلى بها «ضابط رفيع المستوى ومهم للغاية في الجيش الإسرائيلي»، السبت، قال فيها حرفياً:

«إذا لم يسقط النظام الإيراني في نهاية الأمر، ويخرج اليورانيوم المخصب - فإننا نكون قد فشلنا في المعركة. فالنظام سينقض على النووي وبالتالي لن نكون قد حققنا أي شيء».

وحسب التقرير، فإن «الضابط رفيع المستوى» الذي لم يُكشف عن هويته لاعتبارات أمنية، يُعد أحد كبار مخططي الحرب ضمن هيئة الأركان، ويُعرف بقربه من صُنع القرار الإستراتيجي.

ترامب يتباطأ

يشير أشكنازي إلى أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يصر، حتى اللحظة، على إخراج اليورانيوم المخصب بالكامل من الأراضي الإيرانية ومنع استكمال المشروع النووي، لكنه، في الوقت نفسه، «يتصرف ببطء، وكأنه لا توجد خطوات تنفذها إيران على أراضيها وفي منطقة الشرق الأوسط وربما مناطق أخرى من العالم».

ويضيف المحلل أن هذا البطء يتناقض مع النشاط الإيراني المتسارع في جبهات عدة، بما فيها اليمن (عبر الحوثيين) وسوريا والعراق، مما يثير «قلقاً متزايداً في تل أبيب» من أن واشنطن قد تكتفي بعقوبات بحرية وضغوط اقتصادية بدلاً من توجيه ضربة قاضية للمنشآت النووية.

«الصقور» و«الحمائم»

بالتوازي، كشفت مصادر دبلوماسية غربية في واشنطن، تحدثت في الأيام الأخيرة، أن إدارة ترامب تواجه خلافات حادة بين «الصقور» الداعمين لضرب المنشآت النووية الإيرانية و«الحمائم» الذين يحذرون من جر الولايات المتحدة إلى حرب برية طويلة.

ووفقاً للتقرير، فقد تلقى ترامب تحذيراً من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في مكالمة مطولة من مغبة الدخول في عملية برية، وهو ما جعل الرئيس الأميركي يتردد في توسيع نطاق العمليات العسكرية.

من جانبه، يذهب المحلل العسكري عاموس هرئيل في صحيفة «هآرتس» اليسارية، إلى عمق المشكلة التكتيكية مع «حزب الله».

ويقول: «تقر مصادر عسكرية بأنه لا يوجد حل تقني فوري يسمح بإسقاط المسيرات بشكل منهجي، في ظل غياب القدرة على تعطيل نشاطها إلكترونياً، كما هو الحال مع الطائرات من دون طيار التي تعمل لاسلكياً. تخترق بعض المسيرات الأراضي الإسرائيلية متجاوزة انتشار الجيش في عمق 10 كلم جنوب لبنان. هذا واقع لا يحتمل».

ويضيف: «يتصرف السياسيون الحريديون بتجاهل شبه كامل لاستمرار الحرب».

وفقاً لتقديرات استخبارية داخلية، لم تُنشر رسمياً، فإن «حزب الله» كثف خلال الأسابيع الثلاثة الماضية استخدام طائرات انتحارية من طراز «شاهد» 101 و«الحساس» الموجهة بالألياف البصرية، والتي يصعب كشفها وتشويشها، مما أسفر خلال الأسبوع الماضي وحده عن مقتل جنديين وموظف مدني في وزارة الدفاع، وإصابة عشرات الجنود.

كما كشفت مصادر مطلعة أن هناك تقديرات بأن «حزب الله» يمتلك حالياً ما لا يقل عن 800 مسيّرة هجومية متطورة، بعضها مزود بأنظمة ملاحة بالقصور الذاتي لا تعتمد على GPS، مما يجعلها بمنأى عن الحرب الإلكترونية الإسرائيلية «مصادر إستراتيجية - معهد INSS».

سوريا وتحدي الجيش الجديد

في تفاصيل حصرية من تقرير «معاريف»، يشير الضابط رفيع المستوى إلى أنه «بهدوء تام يبني (الرئيس) أحمد الشرع من جديد جيش سوريا».

ويشير إلى أن إسرائيل لا يمكنها أن تقف جانباً حيال محاولة هذا النظام التعاظم عسكرياً، خصوصاً «برعاية تركية»، معتبراً أن هذه التطورات تنذر بمرحلة جديدة من التهديد على الحدود الشمالية الشرقية لإسرائيل.

الأسلحة النووية

في تحليل معمق نشره معهد دراسات الأمن القومي (INSS)، الأحد، تحت عنوان «في المأزق»، يكتب مدير برنامج إيران والمحور الشيعي في المعهد، الدكتور راز تسيمت، تحليلاً استراتيجياً استثنائياً، يقول فيه «يبدو أن الحرب قد عزّزت المنطق الإستراتيجي لامتلاك أسلحة نووية، سواءً كضمانة لبقاء النظام أو كرادع ضد الهجمات المستقبلية. لذا، إذا لم يُتوصل إلى حل يُفضي إلى إزالة المكونات النووية من إيران أو تدميرها، فقد يُحاول النظام، الذي لم يعد ملتزماً مفهوم الدولة التي على عتبة امتلاك الأسلحة النووية، الوصول إلى هذه المرحلة رغم المخاطر».

وينقل تسيمت عن المعلق الإيراني المقرب من دوائر النظام، مصطفى نجفي، ان «الردع النووي الحقيقي يتطلب امتلاك هذه الأسلحة فعلياً»، وهو تصريح يُعد من أخطر المؤشرات على تحول الخطاب الإيراني نحو «نزع التابو» عن السلاح النووي الصريح.

ويختتم تسيمت تحذيره بأن إيران تقترب من «لحظة حاسمة شبيهة بلحظة كأس السم عام 1988»، لكن القدرة على اتخاذ قرار مماثل اليوم «غير واضحة» بسبب التغيير في القيادة.

انهيار التحالف اليهودي – المسيحي

وفي مقال تحليلي لافت، تقول الكاتبة نوعا لنداو في «هآرتس» إن الحرب كشفت عن «صدع عميق» في التحالف المصطنع بين اليمين اليهودي والإنجيليين المسيحيين في أميركا، والذي ظل رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يبنيه لعقود.

وتشير إلى أن اليمين المسيحي بدأ في التشكيك بصوت مرتفع في الحرب، بينما في الجانب الإسرائيلي، تطلق الفصائل الدينية القومية «عنفاً تجاه المسيحيين والمقدسات المسيحية»، في إشارة إلى حوادث تحطيم تمثال السيد المسيح في جنوب لبنان والاعتداء على راهبة في القدس المحتلة.

انتخابات مبكرة

في تحليل سياسي موازٍ، تشير تقارير إعلامية إسرائيلية غير معلنة رسمياً، إلى أن رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو يواجه انتقادات غير مسبوقة من رؤساء المستوطنات الشمالية ومن قيادات عسكرية متقاعدة، تتهمه بالانصياع للضغوط الأميركية «على حساب أمن الشمال».

وتوقعت مصادر سياسية أن يؤدي إدراك «فشل الحرب» إلى ضغط كبير قد يفضي إلى انتخابات مبكرة في غضون أشهر.

سيناريوهات تتربص بالأيام المقبلة

السيناريو الأول

استئناف العمليات العسكرية الأميركية – الإسرائيلية (احتمال 45 في المئة)

وفقاً لتقديرات معهد INSS والمصادر الأميركية، قد يلجأ ترامب خلال الأسابيع المقبلة إلى «خطوة عسكرية استكمالية محدودة» تستهدف البنية التحتية للنفط والغاز والمنشآت النووية الإيرانية، محاولاً «دفع إيران نحو كأس السم».

السيناريو الثاني

استمرار «الجمود المسلح» وحرب الاستنزاف (احتمال 40 في المئة)

تستمر إسرائيل في «المواجهة المحدودة» مع حزب الله في جنوب لبنان، وسط محاولات أميركية لتهدئة الوضع وتجميد الملف النووي. لكن هذا السيناريو - وفقاً لتحذيرات إيال زيسر وآفي أشكنازي – هو «أسوأ السيناريوهات» لإسرائيل على المدى البعيد، لأنه يسمح للحزب وإيران بإعادة بناء قدراتهما والتخطيط للجولة التالية مع ميزان قوى متغير.

السيناريو الثالث

انهيار المفاوضات وانفجار الجبهة الداخلية الإسرائيلية (احتمال 15 في المئة)

في حال استمرار إطلاق الصواريخ والمسيرات على الشمال مع عجز الجيش الإسرائيلي عن توفير الردع، قد يتحوّل الغضب الشعبي في المستوطنات الشمالية إلى أزمة سياسية داخلية حادة، تطيح حكومة نتنياهو وتجبر إسرائيل على قبول شروط سياسية أكثر تلطيفاً مع «حزب الله» وإيران - وهو ما يُعد في الأدبيات الإسرائيلية «هزيمة إستراتيجية».

إذا صحت تحذيرات كبار الضباط الإسرائيليين، فإن الأيام المقبلة قد تحمل إما «خطوة أميركية حاسمة» أو «اعترافاً إسرائيلياً بالفشل» مع كل ما يترتب على ذلك من تداعيات على ميزان القوى في الشرق الأوسط برمته.