بين «ولّى زَمَنُ التردّد» الذي رَفَعَتْه الولايات المتحدة شعاراً برسْم رئيس الجمهورية جوزاف عون، حَضّاً له على لقاءِ بنيامين نتنياهو، على طريقةِ «الآن وليس غداً»، وبين «زَمَنِ الارتداداتِ» المتعدّدة البُعد على الداخل اللبناني التي يولّدها مَسارُ التفاوض المباشر مع إسرائيل في «مبدئه»، دَخَلَتْ بيروت مُنْعَطَفاً يَشي بأنه الأكثر حساسيةً حيث تتسابق الحرب والسلم فوق ميدانيْن تتكرّس فيهما ازدواجيةُ قرارٍ، فعليّ لـ «حزب الله» ومن خَلْفِه إيران على الزناد ونظريّ للدولة على «اليوم التالي» ومخرجاته، بما يَعْكس واقعياً عمقَ الأزمة وربما عقم الحلول الآمنة الممكنة على المدى المنظور.

ورغم الدخان الكثيف الذي لفّ بيروت، بعد عاصفة «angry birds»، اللعبة الشهيرة التي تحوّلت فيديو كرتونياً عن الصراع بين إسرائيل و«حزب الله» جسّد في أحد مشاهده الشيخ نعيم قاسم، بمقاتليه يحاربون بـ«المقلاع»، فإن إعصار الردود من مناصريه على ما اعتبروه إساءة مزدوجة لرمز ديني و«تضحيات المقاومين» واندفاعهم لحملة شعواء غير مسبوقة في التعرض للبطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي، وتخوينه، لم تحجب الموقفَ الصعب الذي زُجّ فيه عون، الذي يتقدّم صفَّ إعلاء مصلحة «لبنان أولا» ووقْف الحرب المميتة عبر ممرٍّ وحيد متاحٍ هو التفاوض المباشر آخِذاً بصدره لملمةَ أشلاء وطن وشعب اقتيد إلى حيث «يريد الآخرون».

وهذه الصورة التي عبّرتْ عنها أوساطٌ واسعة الاطلاع تَبَلْورت في الساعات الماضية من خلال «سباق الأولويات» بين الولايات المتحدة ولبنان حول أيهما أولاً «البيضة أو الدجاجة»، في ما خصّ لقاء عون ونتنياهو، في البيت الأبيض الذي تريده واشنطن فاتحة مسار التفاوض المباشر الرسمي ومدخلاً لتحقيق أهداف بيروت في الأرض والأمن بضمانة أميركية مباشرة، في الوقت الذي يعتبر الرئيس اللبناني أن مثل هذه الصورة إذا كان لابد من أن تُلتقط فأقله أن تكون تتويجاً لاتفاقٍ على حلّ مستدام، لم تكتمل بعد حدوده النهائية سياسياً رغم الاقتناع بأنه ربما يرسو على ما هو أكثر من اتفاق هدنة (1949) وأقلّ من اتفاق سلام، أي ما يُشْبِه اتفاقَ لا حرب أو عدم اعتداء.

ولم يكن عابراً أن يثبّت عون، ترتيب المسار التفاوضي مع إسرائيل وخطواته أمام السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى، الذي زار قصر بعبدا الجمعة غداة البيان الليلي غير المألوف للسفارة عبر منصة «أكس» والذي بدا بمثابة «برقية عاجلة» رَبطت ضمناً استرداد لبنان أراضيه المحتلة وتحقيق مصالحه بإزاء إسرائيل بحصول اللقاء المباشر بين عون ونتنياهو، على قاعدة أن حصول هذا الاجتماع بتيسيرٍ من ترامب، من شأنه «أن يمنح لبنان الفرصة لتأمين ضمانات ملموسة بشأن السيادة الكاملة، والسلامة الإقليمية، والحدود الآمنة، والدعم الإنساني ودعم إعادة الإعمار، فضلاً عن استعادة سلطة الدولة اللبنانية بشكل كامل على كل شبر من أراضيها - وهي ضمانات تكفلها الولايات المتحدة».

فقد جاء في بيان المكتب الإعلامي لعون، أنه بحث مع عيسى «التطورات الراهنة ولاسيما ملف تثبيت وقف النار ووقف استهداف المدنيين والمنشآت المدنية»، معتبراً ذلك «تمهيداً لاستكمال الاجتماعات في واشنطن»، بعد جلستيْ التفاوض التمهيديتين على مستوى السفراء، «ما يؤدي الى تحقيق إنجازِ السلم والاستقرار على الحدود والإعلان عن ذلك في واشنطن» وهي الإشارة التي غمزتْ من أن أي قمة في العاصمة الأميركية مع نتنياهو، تبقى مرهونة بحصول اتفاق كامل.

وكان عيسى، الذي التقى في اليوم نفسه رئيس الحكومة نواف سلام، استهلّ بيان السفارة ليل الخميس بأن لبنان «يقف عند مفترق طرق؛ إذ يحظى شعبه بفرصة تاريخية لاستعادة بلادهم وصوغ مستقبلهم كأمة ذات سيادة واستقلال حقيقيين»، معتبراً «أن الانخراط المباشر بين لبنان وإسرائيل - وهما بلدان جاران ما كان ينبغي لهما قط أن يكونا في حالة حرب - يمكن أن يمثل بداية لنهضة وطنية». وأضاف: «لقد أتاح» وقف الأعمال العدائية «الممدَّد - الذي تحقق بناءً على طلب شخصي من الرئيس ترامب - للبنان المساحة والفرصة لطرح كافة مطالبه المشروعة على طاولة البحث، في ظل اهتمام كامل ومباشر من جانب حكومة الولايات المتحدة. ومن شأن عقد اجتماع مباشر بين الرئيس عون ورئيس الوزراء نتنياهو، بتسهيل من الرئيس ترامب، أن يمنح لبنان الفرصة لتأمين ضمانات ملموسة بشأن السيادة الكاملة، والسلامة الإقليمية، والحدود الآمنة، والدعم الإنساني ودعم إعادة الإعمار (...)».

وختم: «هذه لحظة لبنان ليقرر مصيره بنفسه؛ وهو مصير يخص جميع أبنائه. والولايات المتحدة مستعدة للوقوف إلى جانب لبنان وهو يغتنم هذه الفرصة بكل ثقة وحكمة. لقد ولى زمن التردد».

وساد بيروت، ترَقُّبٌ لردِّ فعل الولايات المتحدة وتحديداً ترامب، على ثبات عون، على موقفه من لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي على وقع الخروق الكبيرة من تل أبيب لاتفاق وقف النار الممدّد لثلاثة أسابيع (حتى 17 مايو) وقبل حصوله على ما يشكّل «بوليصة تأمين» له وللبنان توازي خوض غمار التفاوض المباشر والقمة الثلاثية المحتملة.

"اولوبة قصوى

ومردّ الترقب إلى أن ترامب، بات يولي الملف اللبناني أولوية قصوى منذ أن شارك شخصياً في جولة التفاوض التيسيرية الثانية وأعلن في ختامها تمديد وقف النار بعدما كان رعى إعلان «الهدنة 1» (من 17 الى 27 ابريل) عقب اتصالين بكلّ من عون ونتنياهو، اللذين فشلت محاولة جمْعهما تحت «ألو» واحدة، وسط خشيةٍ من أن يكون عدم «إدارة رفض» ملاقاة رغبة الرئيس الأميركي في لقاء نتنياهو، في المكان والزمان اللذين يحبّذهما باباً لانسحاب أميركي من رعاية الوضع اللبناني وكبْح جموح إسرائيل نحو حرب أكثر شراسة ضد «حزب الله» كانت أكثر تعبيراتها خطورة في الأربعاء الأسود في قلب بيروت في 8 أبريل الماضي.

وإذ يتمّ التعاطي مع تحبيذ ترامب، حصولَ اللقاء بين عون ونتنياهو، خلال فترة «الهدنة 2» على أنه بمثابة محاولةٍ لمنْح رئيس الوزراء الاسرائيلي ما يعينه على احتواء الضغوط الداخلية المتصاعدة عليه بفعل خفض التصعيد على جبهة لبنان حيث لم يعد واقعياً قادراً على التراجع ولا التقدم، وذلك بعدما كان الرئيس الأميركي فَرَضَ بضغطٍ كبير على تل أبيب الهدنةَ تزامناً مع التهدئة على جبهة إيران ومع فصل المسار اللبناني عن طاولة إسلام أباد، يبرز رهان على أن تنجح اتصالاتُ بيروت مع العواصم العربية والغربية الصديقة، من الرياض والقاهرة الى باريس، في تهدئة اندفاعة ترامب، على خط القمة الثلاثية في البيت الأبيض ومراعاة الاعتبارات الدقيقة التي تحوط بمقاربة الرئيس اللبناني لمثل هذه القمة.

خيار «الموت البطيء»

وفي السياق، تُبْدي الأوساط واسعة الاطلاع عبر «الراي» قلقاً من أن يؤدي تأخُّر الحسم على الجبهة الإيرانية واحتمال رجحان خيار «الموت البطيء» - عبر ما يشي بأنه بات بمثابة «الدجاحة التي تبيض ذهباً» لترامب، أي إستراتيجية «حاصِر حصارَك» التي تلحق بطهران أشدّ ألم بأقل تكلفة – إلى مزيد من تعقيد الملف اللبناني واحتجازه رهينة مقتضيات «الجبهة الأم»، خصوصاً في ظل استمرار إصرار «حزب الله» ومن خلفه الجمهورية الإسلامية على أن تكون جبهة لبنان في جيب الأخيرة على طاولة إسلام أباد أي برسم «أخْذ وردّ» مع الولايات المتحدة عوض أن تمسك بيروت بيدها قضيّتها في كنف مسار لبناني - أميركي ثالثه إسرائيليّ ويأخذ فيه لبنان لنفسه وعن نفسه.

تعمُّق الفجوة!

وفي غمرة مضيّ حزب الله في تخوين عون، ورفض مبدأ التفاوض المباشر وتأكيد أن أي مخرجات له لن تكون قابلة للتسييل وتَمَسُّكه بإطارٍ ناظم لبتّ سلاحه هو واقعياً ناسِفٌ لكل المسار الذي راكمته الدولة، إذ يصرّ على أن يكون عبر حوار داخلي بعد أن تتراجع الحكومة عن قراراتها - وآخِرها حظر جناحه العسكري - وأن توقف إسرائيل إطلاق النار بالكامل وتنسحب وتعيد الأسرى ويبدأ الإعمار، لم يقلّ دلالةً تعمُّق الفجوة بين رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان نبيه بري، على خلفية موضوع المفاوضات ومرتكزات خروق تل أبيب لوقف النار وهي الفجوة التي كانت «ابتلعت» لقاء رئاسياً ثلاثياً (مع الرئيس نواف سلام) «طار» في القصر الجمهوري وتبعه ردّ علني من بري على مواقف لعون، بلغةٍ قاربت التكذيب.

وقد نُقل عن بري، تعليقاً على البيان الصادر عن السفارة الأميركية في بيروت حول اللقاء المباشر بين عون، ورئيس الوزراء الإسرائيلي «إن البيان يُعبّر عن نفسه، وليس عندي ما أضيفه عليه»، مؤكداً أنه «أوقف تشغيل محركاته، وأن جوابه على رئيس الجمهورية جاء رداً على ما قاله أثناء استقباله للهيئات الاقتصادية»، معتبراً أن «الهدنة المزعومة أتاحت لإسرائيل التمادي في عدوانها وارتكاب المجازر على نحو غير مسبوق، من دون تدخّل الولايات المتحدة لإلزامها بوقف الأعمال العدائية وتثبيت وقف النار، خصوصاً أنها كانت وراء التوصل لتمديد الهدنة، ما يدعوها لاحترام تعهّدها أمام اللبنانيين والمجتمع الدولي، وإلا ما الجدوى من المفاوضات تحت ضغط إسرائيل بالنار؟».

الميدان على اشتعاله

في موازاة ذلك، ومع توسيع إسرائيل استهدافاتها في جنوب لبنان وجعْلها التصدي لمسيّرات «حزب الله» المزودة بألياف ضوئية أولوية قصوى، برز ما أوردته القناة 12 عن أن سلاح الجو بدأ بنشر رادارات ومكونات من منظومة «القبة الحديدية» داخل الأراضي اللبنانية، بهدف زيادة وقت الإنذار المبكر، فيما أفادت هيئة البث الإسرائيلية أن القوات الجوية نقلت رادارات لرصد الطائرات المزوّدة بألياف بصرية بالإضافة إلى منصات إطلاق القبة الحديدية إلى الحدود اللبنانية لمواجهة هذا التهديد.

وفي تطور لافت، أُعلن السبت عن لقاء استثنائي جمع قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل، ورئيس لجنة الإشراف على اتفاق وقف الأعمال العدائية - الميكانيزم الجنرال الأميركي جوزف كليرفيلد، في قاعدة بيروت الجوية، خلال زيارة سريعة قام بها الأخير للبنان.

وتناول البحث «الوضع الأمني والتطورات على صعيد المنطقة، وسبل الاستفادة القصوى من الميكانيزم وتطوير عملها» (مولجة الإشراف على تطبيق اتفاق وقف النار 27 نوفمبر 2024)، وتم التأكيد خلال الاجتماع على «أهمية دور الجيش وضرورة دعمه في ظل المرحلة الحالية».

angry birds

وعلى وقع هذا المشهد المعقّد، تفاعلت قضية فيديو «بين الغضب والمكر، يشتعل الصراع» المستوحى من أسلوب لعبة «Angry Birds» في ضوء الحملة المخيفة من بيئة «حزب الله» ضد البطريرك الماروني والتي قوبلت بحملة استنكار واسعة وتضامن كبير معه، وصولاً لمطالبات بملاحقة جزائية للمسيئين للراعي بصور وكلمات.

وفي الوقت الذي اتصل مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ عبداللطيف دريان، بالبطريرك الماروني مطمئناً إلى صحته، ومستنكراً بشدّة ما صدر من إساءة طالته، صدر موقف من رئيس الجمهورية اعتبر «أن التعرض لرؤساء الطوائف المسيحية والإسلامية والمقامات الروحية في لبنان، عمل مدان ومرفوض نظراً لما يمثله القادة الروحيون من قيم تتجاوز البعد الديني لتلامس البعد الوطني. ولذلك يفترض بالجميع عدم المساس بهذه القيم التي تجسد وحدة لبنان وشعبه، فضلاً عن أن القوانين المرعية الاجراء تمنع مثل هذه الإساءات وتعاقب مرتكبيها».

ودعا عون الجميع إلى ابقاء الخلافات في وجهات النظر في إطارها السياسي والترفع عن الإساءات الشخصية، نظرا للانعكاسات السلبية لمثل هذه الممارسات خصوصاً في الظروف الراهنة التي تمر بها البلاد والتي تتطلب تضامناً وطنياً واسعاً.

كما صدرت بيان عن الرئيس نبيه بري، الذي دان «حملات الإساءة والتطاول على الرموز الدينية والوطنية من أي جهة أتى، ومن أي وسيلة كانت، سواء في الأعلام أو في الفضاء الافتراضي»، معلناً «حذار الإمعان في فتنة لعن الله مَن ايقظها»، فيما قال الرئيس سلام «مهما كان الخلاف السياسي عميقاً، ومع تمسكي بحرية الرأي، لطالما حذرت من الانزلاق إلى أي من أشكال التعبير التي تتضمن الإساءة الشخصية والتجريح والتنمر والتخوين المدانة كلّها، والتي تساهم في شحن النفوس وتأجيج العصبيات»، مضيفاً: «أناشد اخوتي واخواتي المواطنين التحلي بأعلى درجات الوعي ونبذ خطاب الكراهية منعاً لجر البلاد إلى اجواء من الفتنة التي لا تحمد عقباها».