«تكاد تكون معجزة أن يبقى الفلسطينيون غير مبالين بالإرهاب اليهودي. هذا لن يستمر إلى الأبد.» هذه العبارة ليست شعاراً لمتظاهر، ولا تصريحاً لدبلوماسي، إنها تحذير عسكري إسرائيلي رفيع المستوى، وجّه خلف أبواب مغلقة، من قائد المنطقة الوسطى اللواء آفي بلوط، إلى رئيس حكومته بنيامين نتنياهو، ومجلس وزرائه.

ما قاله بلوط، في تلك الجلسة السرية، وكشفت تفاصيله صحيفة «هآرتس» في أول مايو، يفضح حقيقة لم يعد ممكناً التغاضي عنها: دولة الاحتلال لم تعد تدير احتلالاً موقتاً في الضفة الغربية، بل تضمها بحكم الأمر الواقع، وبوتيرة متسارعة، وبغطاء عسكري وحكومي وأميركي.

والمستوطنون ليسوا مجرد «متطرفين»، بل أصبحوا - وفق اعتراف القائد العسكري نفسه - ذراعاً ضاربة في منظومة تهجير ممنهجة، يرتكبون «إرهاباً يهودياً» بإفلات شبه كامل من العقاب، بينما يقف الجيش متفرجاً أو متواطئاً، وتتغاضى الحكومة، وينشغل العالم بحرب إيران.

التقرير، يكشف بألسنة صنّاع القرار الإسرائيلي أنفسهم عن:

- ميزانية استيطانية غير مسبوقة تتجاوز 129 مليون دولار.

- ارتفاع البؤر «غير القانونية» بنسبة 50 في المئة خلال ثلاث سنوات فقط.

- اعتراف عسكري صريح بوجود 150 بؤرة أقيمت «بتنسيق كامل مع الجيش».

- دعم أميركي علني من الإدارة الحالية للتوسع الاستيطاني.

- إفلات مطلق من العقاب يجعل المستوطنين فوق القانون.

- انهيار كارثي للسلطة الفلسطينية بفعل سياسة تجويع مالي وعسكري ممنهجة.

والخلاصة، بلسان قائد عسكري إسرائيلي، مرعبة في وضوحها «المعجزة» التي تحفظ السكاكين الفلسطينية لن تدوم. والانفجار قادم ما لم يتحرك العالم.

ميزانية استيطانية غير مسبوقة

ليس سراً أن الاستيطان يتوسع. لكن ما كشفته وثائق الميزانية الإسرائيلية لعام 2026 يتجاوز كل التقديرات السابقة. فالكنيست لم تكتفِ بالدعم المعنوي أو السياسي للمستوطنين، بل خصصت 129.5 مليون دولار (400 مليون شيكل) بشكل مباشر لوزارة «الاستيطان والمهام الوطنية» التي يديرها وزير المالية المتطرف بتسلئيل سموتريتش.

هذا الرقم، بحسب تقرير الأمم المتحدة نصف الشهري، لا يشمل الإنفاق الأمني وغير المباشر على المستوطنات الذي يضاعف المبلغ مرات عدة. والنتيجة مفهومة: وفقاً للأمم المتحدة واللجنة المناهضة للاستيطان التابعة لمنظمة التحرير، ارتفع عدد البؤر الاستيطانية «غير القانونية» (حتى حسب القانون الإسرائيلي نفسه) من 141 إلى 210 بين 2022 و2025 - أي زيادة بنسبة 50 في المئة في ثلاث سنوات فقط.

ويُتوقع أن يصل عدد المستوطنين في الضفة الغربية (باستثناء القدس الشرقية) المحتلة إلى مليون مستوطن قريباً، إذ يعيش اليوم ما يقرب من 700 ألف مستوطن، يشكلون 10 في المئة من مجتمع المستوطنين اليهود، مع وتيرة نمو سكاني تتجاوز 4 في المئة سنوياً - أي ضعف المعدل داخل الخط الأخضر.

«إرهاب يهودي»

لم يستخدم بلوط، لغة دبلوماسية. في اجتماعه المغلق، وصف الهجمات التي يشنها المستوطنون ضد الفلسطينيين بوضوح بأنها «إرهاب يهودي» و«عار على الشعب اليهودي».

وأضاف العبارة الأكثر خطورة «هؤلاء الأشخاص لا يعتبرون العرب بشراً. يعتقدون أنه يمكن إحراق الناس وإحراق البيوت بسكانها، وهم يفعلون ذلك، للأسف، صباح مساء. لقد قرروا أنهم يمحون عار أوسلو».

وأشار بلوط إلى أن قرار وزير الدفاع يسرائيل كاتس، بالتوقف عن استخدام «الأوامر الإدارية» (الاعتقال من دون محاكمة لفترات محدودة) ضد اليهود في الضفة.

وقال «هم متوحشون. لم يعد وزير الدفاع يصدر أوامر اعتقال إداري، لكني أبذل كل جهدي لأني أدرك الأخطار».

ورغم أن بلوط، حمل المحاكم والشرطة المسؤولية، تشير الشهادات والوثائق إلى أن الجيش نفسه يمتنع عن حماية الفلسطينيين، بل يقف أحياناً إلى جانب المهاجمين.