رصدت صور عالية الدقة التقطها المسبار المداري «مارس ريكونيسانس أوربيتر» (MRO) – الذي يدور حول المريخ منذ العام 2006 – شكلاً غريباً شبه مربع تماماً تقريباً على سطح الكوكب الأحمر بالقرب من منطقة «إيوس منسا» (Eos Mensa) داخل فوهة كانيون غربية كبيرة.

وانتشرت تلك الصورة بسرعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، خصوصاً على منصة «إكس» (تويتر سابقاً) وموقع «ريديت»، حيث أثارت موجة من التكهنات بين هواة الفضاء والمتحمسين لعلوم الكواكب، وذهب بعضهم إلى القول إنها دليل على وجود هياكل أو مدينة أو كائنات فضائية ذكية، أو حتى أطلال حضارة مريخية قديمة.

لكن فريقاً من العلماء الجيولوجيين في «ناسا» وجامعة أريزونا وباحثين من المعهد الألماني لعلوم الكواكب قدموا تفسيراً علمياً واضحاً مدعوماً بالأدلة لظهور هذا الشكل المربع، دون حاجة إلى الاستعانة بفرضيات خارج الأرض.

ووفقاً لبيان رسمي مشترك نشرته «ناسا» عبر مركز «سبيس دوت كوم» بالتعاون مع مختبر الدفع النفاث (JPL)، فإن الشكل المربع ليس بناءً من صنع كائنات ذكية، بل هو نتاج تفاعل مجموعة من العوامل الجيولوجية الطبيعية والبصرية التي تعمل معاً بطرق تخدع العين والكاميرا، وفقال لما يأتي:

• شبكة تشققات طبيعية متعددة الأضلاع، تشبه إلى حد كبير تلك التي تظهر على الطين الجاف في الصحاري الأرضية أو الحمم البازلتية المتشققة أثناء تبريدها. تُعرف هذه الظاهرة بـ«التشققات المضلعية» (polygonal cracking)، والتي تتشكل نتيجة دورة تمدد وانكماش التربة الصقيعية أو الحمم. وتُكون في بعض الحالات زوايا قائمة شبه كاملة نتيجة التبريد المنتظم على مدى ملايين السنين.

• انجراف الرياح الموسمية التي تهب على المريخ بسرعة تصل إلى 100 كيلومتر في الساعة، والتي كشفت هذه التشققات وأزالت طبقات من الغبار والثرى (مادة سطحية شبيهة بالرمل الناعم) على مدى آلاف السنين، ما جعل الحواف أكثر وضوحاً وحدّة في الصورة المحددة.

• زاوية الإضاءة وموقع الشمس (يُعرف بزاوية السمت) لحظة التقاط الصورة، والتي أوجدت تبايناً بصرياً وهمياً في الظلال، بحيث ظهرت الحواف وكأنها أكثر استقامة وتعامداً مما هي عليه في الواقع (ظاهرة تعرف بـ«التباين البصري الهندسي»).

• دقة الكاميرا وجودة الصورة بعد المعالجة الخوارزمية والأرضية التي تقوم بها مراكز معالجة بيانات المريخ، قد تسبب «تراص» أو تجميع أي هيكل طبيعي متعدد الأضلاع إلى مضلعات تبدو أكثر انتظاماً مما هي عليه عند الفحص الميداني المباشر.

وقال الدكتور إليوت فينكل، الجيولوجي الكوكبي البارز في جامعة براون ومدير برنامج تحليل الصور المدارية: «المريخ مليء بالأشكال الهندسية المدهشة التي تظهر في الصور المجهرية والمدارية، من أهرامات طبيعية إلى وجوه محفورة إلى سداسيات منتظمة ظهرت في منطقة «كايد» وغيرها. لكن في كل مرة كنا نكتشف فيها التفسير الجيولوجي الطبيعي المقنع، وهذه الحالة ليست استثناء بالتأكيد. البشر يميلون غريزياً إلى التعرف على الأنماط المنتظمة حتى حيث لا توجد (ظاهرة الباريدوليا)».

وأضاف أن العلماء يستخدمون الآن نماذج تضاريسية ثلاثية الأبعاد (مشتقة من أزواج الصور المجسمة) لدراسة تكرار وتوزيع هذه التشققات المضلعية في مناطق أخرى من المريخ (مثل القطب الجنوبي والشمالي)، ما يساعد في فهم التاريخ الحراري والمائي للكوكب الأحمر، وطبيعة دورات التجميد والذوبان التي قد تكون حدثت قبل ملايين السنين.

وتُعد هذه الظاهرة مهمة أيضاً لاختيار مواقع هبوط المركبات المستقبلية، مثل المركبة «روبين» (RooBin) ذات الأرجل الأربعة، لأن الأرض المتشققة بشدة قد تكون غير مستقرة لمنصات الهبوط.