أكد رئيس اتحاد الجمعيات والمبرات الخيرية الدكتور سعد العتيبي، أن التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، وما فرضته من تحديات متجددة على مختلف المستويات، أبرزت الدور الحيوي للقطاع الخيري، كأحد الأعمدة الأساسية الداعمة للاستقرار المجتمعي، وكشريك فاعل في منظومة العمل الوطني.

وشدد العتيبي، في تصريحات لـ«الراي»، على أهمية وحدة الصف الوطني كركيزة أساسية لمواجهة التحديات، والدور الذي يمكن أن تلعبه مؤسسات العمل الخيري في دعم هذه الوحدة وترسيخ قيم التكافل والتضامن بين أفراد المجتمع، بما يعزز من قدرة الدولة على تجاوز الأزمات بثبات واقتدار.

الجبهة الداخلية

وأكد العتيبي أن ما شهدته البلاد من اعتداءات إيرانية آثمة، عمل مدان ومرفوض، ويُعد انتهاكاً صارخاً لكل القوانين والأعراف الدولية، واستهدافاً مباشراً لأمن دولة مستقلة وشعبها الآمن، وأن هذه الظروف تعزز من تماسك الجبهة الداخلية، وتجسد وحدة الشعب الكويتي قيادة وشعباً، حيث يبقى الوطن قوياً بأبنائه، متماسكاً في وجه كل التحديات، ومتمسكاً بقيمه الوطنية الراسخة.

وقال إن «القطاع الخيري في دولة الكويت ليس قطاعاً مكمّلاً أو ثانوياً، بل هو ركيزة إستراتيجية أصيلة في منظومة العمل الوطني، وشريك مباشر في دعم الدولة وتعزيز قدرتها على مواجهة التحديات المختلفة، سواء كانت اجتماعية أو اقتصادية أو إنسانية. مبيناً الدور الحيوي لهذا القطاع لا يقتصر على تقديم المساعدات فقط، بل يمتد ليكون عنصراً فاعلاً في تعزيز التماسك المجتمعي، وبناء حالة من الاستقرار الداخلي، وترسيخ قيم التكافل بين أبناء المجتمع».

وتابع: «من هذا المنطلق جاءت المنصة الوطنية الخيرية كخطوة متقدمة في تنظيم العمل الخيري، حيث لا تقتصر على كونها أداة تقنية، بل هي منظومة متكاملة تهدف إلى توحيد الجهود، وربط الجهات الحكومية بالجمعيات الخيرية، بما يضمن أعلى درجات الكفاءة والشفافية في إيصال الدعم لمستحقيه».

وأشار إلى أنه «منذ اللحظات الأولى للأحداث، كان هناك إدراك واضح لحجم المسؤولية الملقاة على عاتق الاتحاد، ليس فقط كمؤسسة تنظيمية، بل كجزء لا يتجزأ من النسيج الوطني والمجتمعي. وانطلق العمل بشكل فوري في إطار من التنسيق المباشر مع الجهات الحكومية، وعلى رأسها وزارة الشؤون الاجتماعية، بهدف الوقوف على الاحتياجات الفعلية على أرض الواقع. وقد تم توجيه الجمعيات والمبرات الخيرية بشكل مباشر نحو الأولويات الملحّة، مثل دعم مراكز الإيواء، وتوفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، والمساهمة في الجوانب اللوجستية التي تضمن استمرار الخدمات الحيوية».

المنصة الوطنية

وبيّن العتيبي أن «فكرة المنصة الوطنية الخيرية جاءت من حاجة حقيقية وملحة فرضتها طبيعة المرحلة، حيث كانت هناك ضرورة لوجود أداة مركزية تنظم عملية الربط بين الجهات الحكومية والجمعيات الخيرية بشكل سريع ودقيق وشفاف. فالمنصة ليست مجرد مشروع تقني أو وسيلة إلكترونية، بل هي إطار وطني متكامل لإدارة العمل الخيري، يقوم على مبدأ توحيد الجهود وتوجيهها نحو الأولويات الفعلية على أرض الواقع. وقد جاءت لتسد فجوة كانت قائمة في سرعة التنسيق وتوزيع المهام، ولتضمن أن كل احتياج يتم التعامل معه بشكل مباشر وواضح، دون تأخير أو ازدواجية، كما أنها تعكس رؤية متقدمة في إدارة العمل الخيري، تقوم على التحول من العمل الفردي أو المجزأ إلى العمل المؤسسي الجماعي المنظم».

وتابع «تقوم آلية العمل في المنصة على سلسلة مترابطة من الخطوات، تبدأ بالتنسيق المباشر بين وزارة الشؤون والاتحاد، حيث تتولى الوزارة رصد الاحتياجات الفعلية للجهات الحكومية المختلفة، ثم يتم نقل هذه البيانات بشكل دقيق ومحدث إلى الاتحاد، بعد ذلك يقوم الاتحاد بتحويل هذه الاحتياجات إلى فرص عمل واضحة ومحددة داخل المنصة، بحيث يتم عرض كل احتياج بشكل تفصيلي يشمل طبيعته وحجمه والجهة المستفيدة وأولوية تنفيذه».

وأضاف «وفي المرحلة التالية، تتولى الجمعيات والمبرات الخيرية التفاعل مع هذه الاحتياجات وفق قدراتها وإمكاناتها، سواء من خلال التمويل أو التنفيذ المباشر أو الدعم اللوجستي، ولا يتوقف العمل عند هذه المرحلة، بل هناك منظومة متابعة دقيقة تشمل جميع مراحل التنفيذ حتى التأكد من وصول الدعم إلى الجهة المستفيدة بالشكل المطلوب، كما توفر المنصة لوحة بيانات متكاملة تعرض صورة لحظية لحجم الإنجاز ونسب التغطية والاحتياجات المتبقية، ما يساعد على اتخاذ قرارات سريعة ودقيقة مبنية على بيانات حقيقية».

الاتحاد و«الشؤون» ... علاقة ممتدة

أفاد سعد العتيبي بأن «العلاقة بين اتحاد الجمعيات والمبرات الخيرية وبين وزارة الشؤون الاجتماعية ليست علاقة طارئة أو مرتبطة بظرف معين، بل هي علاقة إستراتيجية ممتدة تقوم على التعاون والتكامل في العمل، إلا أنها في هذه المرحلة تحديداً وصلت إلى مستوى متقدم من النضج والفاعلية، وهناك تواصل مستمر مع قياداتها ومتابعة تفصيلية للمستجدات، وتحديد دقيق للأولويات، وتنسيق لحظي في التنفيذ. وقد أسهم هذا المستوى من التنسيق في خلق بيئة عمل متكاملة، تعمل فيها الجهات الحكومية والقطاع الخيري كجسد واحد، يتحرك بروح الفريق، ما أدى إلى رفع كفاءة الاستجابة وتقليل الوقت المستغرق في إيصال المساعدات إلى مستحقيها».

المنصة... ثقة عالية

لفت العتيبي إلى أن «نتائج المنصة الوطنية الخيرية التي تحققت خلال فترة زمنية قصيرة كانت لافتة بكل المقاييس، حيث تجاوز حجم المساهمات المالية حاجز 1.8 مليون دينار، وهو ما يعكس مستوى الثقة العالي في هذه المنظومة. كما شهدنا مشاركة واسعة من آلاف المتطوعين، الذين أسهموا في دعم الجهود بشكل مباشر وغير مباشر، والأهم من ذلك أن هذه النتائج لم تكن مجرد أرقام إحصائية، بل كانت آثاراً ملموسة انعكست بشكل مباشر على تحسين الخدمات وتلبية الاحتياجات في وقت قياسي».

توطين العمل الخيري

أكد العتيبي، أنه «يمكن اعتبار مبادرة المنصة خطوة متقدمة نحو توطين العمل الخيري داخل الكويت، من خلال إعادة توجيه الجهود نحو الداخل وتعزيز الاستجابة للاحتياجات المحلية، وهذا التوجه لا يعني بأي حال من الأحوال إلغاء أو تقليص الدور الإنساني الخارجي للكويت، الذي يمثل إرثاً مشرفاً، لكنه يعكس في الوقت ذاته ضرورة التركيز على الأولويات الوطنية في مثل هذه الظروف».

تفاعل مُجتمعي مُشرّف

أكد العتيبي أن «التفاعل المجتمعي كان مشرفاً إلى أبعد الحدود، ويعكس عمق القيم الإنسانية الراسخة في المجتمع الكويتي، حيث شهدنا إقبالاً كبيراً من الجمعيات والأفراد والمتطوعين، وهذا التفاعل ليس وليد اللحظة، بل هو امتداد لثقافة وطنية أصيلة جعلت من العمل الخيري جزءاً من الهوية الاجتماعية في الكويت».