يمثّل شباب البلاد أحد أعمدة التنمية الوطنية، بحضورٍ يتجاوز الإطارين التعليمي والمهني إلى فضاءات الفعل المجتمعي الواسع، حيث يتقدمون مشهد العمل التطوعي باعتبارهم طاقة متجددة تُغذّي المجتمع بروح المبادرة وتعزّز تماسكه الداخلي.

وكشفت تجارب السنوات الماضية عن جيل يمتلك وعياً عالياً بالمسؤولية، وقدرة لافتة على تحويل التحديات إلى فرص للعطاء والبناء.

وفي مختلف لحظات الأزمات والظروف الاستثنائية، يبرز شباب البلاد في طليعة الصفوف، من خلال تنظيم الحملات التطوعية، والمشاركة في الجهود الإغاثية، ودعم المبادرات الحكومية والمجتمعية. غير أن حضورهم لا يتوقف عند حدود الطوارئ، بل يمتد إلى مبادرات مستدامة تشمل مجالات العمل الخيري، وحماية البيئة، والصحة، والتعليم، وتنظيم الفعاليات المجتمعية، في انعكاس واضح لمرونتهم وقدرتهم على مواكبة احتياجات المجتمع المتغيرة.

وتتجلى قيمة العمل التطوعي في اعتباره فضاءً عملياً لتشكيل الشخصية، حيث يكتسب الشباب من خلاله مهارات القيادة والعمل الجماعي، وتترسخ لديهم قيم التعاون والانتماء، إلى جانب ما يوفّره من خبرات تطبيقية تتجاوز الإطار الأكاديمي. وقد نجحت فرق تطوعية كويتية عديدة في تقديم نماذج مشرّفة، عبر حملات توعوية، ومبادرات لدعم الأسر المتعففة، وأنشطة بيئية تسهم في صون الموارد الطبيعية.

وفي ظل التوجه نحو تعزيز دور الشباب في تحقيق رؤية الكويت المستقبلية، فإن دعم العمل التطوعي وتطويره يمثل استثماراً حقيقياً في رأس المال البشري، فكل مبادرة تطوعية هي لبنة في بناء مجتمع أكثر تماسكاً، وكل شاب متطوع هو سفير لقيم الخير والعطاء.

توجيه الطاقات

رئيسة فريق المها التطوعي مها القلاف، شددت على أهمية توجيه طاقات شباب الوطن نحو العمل التطوعي المنظم، بما يسهم في خدمة المجتمع وتعزيز تماسكه في ظل الظروف الراهنة.

وقالت القلاف لـ«الراي» إن استثمار طاقات الشباب يبدأ من توجيههم إلى مجالات تلبي احتياجات المجتمع الفعلية، مثل المبادرات الصحية والتعليمية والبيئية والإغاثية، باعتبارها بيئة خصبة لإبراز قدراتهم وتسخير جهودهم بشكل إيجابي وفعّال.

وقالت إن تعزيز ثقافة العمل التطوعي ينطلق من المؤسسات التعليمية، عبر إدماج البرامج والأنشطة التطوعية ضمن المناهج الدراسية، لترسيخ هذه القيم لدى الأجيال منذ مراحل مبكرة، فضلاً عن دعم الجهات الرسمية والأهلية للمبادرات الشبابية وتوفير منصات منظمة تتيح لهم المشاركة بفعالية.

وأوضحت أن التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي تلعب دوراً محورياً في تنظيم الحملات التطوعية والوصول إلى أكبر شريحة من الشباب، فضلاً عن دورها في تسليط الضوء على النماذج الناجحة من المتطوعين، الأمر الذي يسهم في تحفيز الآخرين على الانخراط في العمل التطوعي.

تكاتف الجهود

وأكدت القلاف، أن شباب البلاد يمثلون ركيزة أساسية في تعزيز التكافل الاجتماعي، لاسيما في الأزمات، لما يمتلكونه من حيوية وقدرة على الاستجابة السريعة، مشددة على أن المرحلة الحالية تتطلب تكاتف الجهود واستثمار الطاقات الوطنية بما يخدم الصالح العام.

ولفتت الى ان العمل التطوعي يواجه عدداً من التحديات، أبرزها ضعف الوعي بأهمية التطوع لدى بعض فئات الشباب، وقلة التنظيم أو التنسيق بين الجهات التطوعية، ومحدودية الوقت لدى الشباب بسبب الالتزامات الدراسية أو الوظيفية.

كما أن غياب الحوافز المعنوية أو عدم تقدير الجهود قد يؤثر على استمرارية البعض.

وتابعت أما الرسالة الواجب إيصالها للشباب، فهي أن العمل التطوعي ليس مجرد نشاط جانبي، بل هو مسؤولية وطنية وفرصة حقيقية لصناعة الفرق وبناء المجتمع، مبينة أن كل جهد وإن كان بسيطا له أثر كبير.

تنمية القدرات

من جهته، أكد القائد الكشفي والمعلم في وزارة التربية محمد خضر المطيري، أن العمل التطوعي يحظى بدعم واسع من جهات رسمية ومجتمعية متعددة في البلاد، ما يعزز فرص مشاركة الشباب في خدمة المجتمع وتنمية قدراتهم.

وأوضح المطيري لـ«الراي» أن هناك العديد من الجهات التطوعية الرسمية الفاعلة، مثل الدفاع المدني والهلال الأحمر، إضافة إلى الفرق التطوعية التابعة لوزارة الشؤون، مبيناً أن الحركة الكشفية تمثل نموذجاً بارزاً في العمل الميداني المنظم.

وأضاف أن الكشافة شاركوا أخيراً في استلام كتب طلبة وزارة التربية، حيث تم توزيعها وفرزها وفق احتياجات كل مدرسة، من خلال توزيع الأدوار على التوجيهات الكشفية في مختلف المحافظات.

وأشار إلى أن العمل التطوعي، من واقع خبرته، يسهم بشكل كبير في تنمية مهارات الأفراد، سواء على مستوى القيادة أو اكتساب الخبرات العملية، إضافة إلى تعزيز القدرة على التعامل مع مختلف فئات المجتمع ومواجهة الجمهور بثقة.

التحديات

وفي ما يتعلق بالتحديات، لفت المطيري إلى أن العمل التطوعي لا يخلو من الصعوبات، أبرزها ضعف التخطيط في المراحل الأولى، ما قد يؤدي إلى ارتباك في سير العمل وتنسيق الجهود داخل الفريق، مشيراً إلى تحديات تتعلق ببعض المسؤولين الذين يسعون إلى نسب الإنجازات لأنفسهم، ومؤكداً أن خبرة المتطوع وإصراره كفيلان بإبراز جهوده والوصول إلى التقدير المستحق.

وأضاف أن من التحديات أيضاً ما يتعلق بضرورة التحلي بالصبر وقوة التحمل، حيث يعمل المتطوعون في كثير من الأحيان دون انتظار مقابل أو إشادة، إلى جانب احتمالية حدوث اختلافات في الآراء داخل الفريق، وهو ما قد يسبب تشتتاً إذا لم يتم التعامل معه بحكمة.

وأكد المطيري، أن العمل التطوعي يمثل تجربة ثرية ومهمة، تسهم في توسيع دائرة العلاقات الاجتماعية وتنمية الفكر، كما تفتح آفاقاً جديدة للإبداع وابتكار أفكار خارج الصندوق، قد تتحول مستقبلاً إلى مشاريع تنموية أو حتى تجارية تنطلق من روح المبادرة والعمل المجتمعي.