في ظل الظروف الاستثنائية التي تعيشها البلاد، ومع الإجراءات الحكومية الاحترازية التي شملت وقف الدراسة حضورياً وتحويلها إلى نظام التعليم عن بُعد، وتقليص أعداد الموظفين إلى 30 في المئة، عاد البيت ليكون المحور الأهم في حياة الأفراد، ليس فقط كمكان للإقامة، بل كمساحة لإعادة بناء الروابط الأسرية وتعزيز التماسك الاجتماعي.
وفي خضم الأزمات التي تعيد تشكيل تفاصيل الحياة اليومية، يبرز البيت كمساحة تتجاوز كونه مكاناً للسكن، ليغدو محوراً لإعادة بناء العلاقات وصناعة التوازن النفسي. ومع تزايد فترات البقاء داخل المنازل، تتجه الأنظار إلى الأسرة بوصفها خط الدفاع الأول في مواجهة القلق والتوتر، وفرصة حقيقية لتعزيز الترابط واستثمار الوقت بما يرسخ الاستقرار ويقوي النسيج الاجتماعي.
كما أن هذا التحول يحمل في طياته جانباً إيجابياً، يتمثل في إعادة إحياء دفء العلاقات الأسرية. وبين التحديات والفرص، فتحت «الراي» الملف مع متخصصين، لتبحث كيف يمكن للأسرة أن تحوّل هذه المرحلة إلى محطة لبناء جيل أكثر تماسكاً ووعياً.
تجربة سابقة
الاختصاصي النفسي الأول الدكتورة علية البكر، أكدت أن الأزمات، رغم قسوتها، تمثل فرصة حقيقية لإعادة ترتيب الأولويات داخل الأسرة، مشيرة إلى أن التجارب السابقة مثل «جائحة كورونا» منحت المجتمع خبرة في التعامل مع القلق والتوتر، وأظهرت أهمية استثمار الوقت في أنشطة مفيدة تعزز الصحة النفسية.
وقالت البكر، لـ«الراي»، إن «استغلال الوقت داخل المنزل يمكن أن يتحول إلى بيئة إيجابية عبر تنظيم جدول يومي، يتضمن أنشطة متنوعة مثل المسابقات العائلية، تعلم اللغات، الرسم، الطهو، إضافة إلى حضور محاضرات تثقيفية عبر تطبيق Zoom، ما يسهم في خلق أجواء من الألفة والطمأنينة داخل الأسرة، ويعزّز الوعي الروحي والعقلي والوطني لدى الأبناء».
ولفتت إلى «الدور المهم الذي تلعبه مؤسسات المجتمع المدني، حيث بادرت جمعيات النفع العام في الكويت إلى تقديم الدعم والمساندة لمختلف فئات المجتمع، خصوصاً كبار السن وذوي الإعاقة، من خلال الاستشارات النفسية والاجتماعية، في خطوة تهدف إلى تخفيف آثار القلق والتوتر خلال هذه المرحلة».
كما أشادت بالمبادرات التي أطلقتها جمعية قضايا وحقوق المعاقين، التي قدمت دعماً مباشراً لهذه الفئة، إلى جانب جهود نادي التمكن لمرضى السرطان.
صنع التوازن
بدورها، أكدت الاستشارية النفسية نادية سعد العبيدي، أن التواجد داخل البيت لا يعني بالضرورة التقارب، مشيرة إلى أن«الخطر يكمن في أن يعيش كل فرد في عالمه الخاص رغم وجود الجميع تحت سقف واحد، ما يتطلب وعياً من الوالدين بأهمية إدارة هذا الوقت بشكل فعّال».
وأوضحت العبيدي أن«إشراك جميع أفراد الأسرة في تحمل المسؤوليات اليومية، حتى بأدوار بسيطة، يعزز روح الانتماء والعمل الجماعي، ويمنح الأبناء شعوراً بالقيمة داخل الأسرة، لافتة إلى أن هذه الممارسات تترك أثراً عميقاً في تكوين شخصياتهم». وشددت على أن «التعبير عن المشاعر والحوار اليومي بين أفراد الأسرة يمثلان الحجر الأساس في بناء بيئة نفسية آمنة، حيث يشعر الأبناء بأنهم مسموعون ومفهومون، ما يعزّز الثقة بالنفس ويقوي الروابط العاطفية».
كما دعت إلى استثمار اللعب والقصص كوسائل تربوية فعالة، تسهم في تنمية الجانب النفسي والعاطفي للأطفال، إلى جانب غرس القيم بشكل عملي من خلال المواقف اليومية، مثل التعاون والاحترام والصبر.
وأكدت أهمية تخصيص وقت عائلي يومي بعيداً عن الأجهزة الإلكترونية، يتم خلاله تبادل الأحاديث ومشاركة اللحظات الجميلة، معتبرة أن هذه التفاصيل البسيطة تصنع الفارق الحقيقي في قوة العلاقات الأسرية.
واختتمت العبيدي، بالتأكيد على أن الترابط الأسري لا يحتاج إلى إمكانات كبيرة، بل إلى حضور حقيقي واهتمام مستمر، قائلة إن«البيت الذي يمتلئ بالاحتواء يصبح ملاذاً نفسياً آمناً لكل فرد... ومنه تبدأ قوة المجتمع في مواجهة الأزمات».