حافظت صناديق الثروة السيادية الخليجية على زخمها الاستثماري خلال الربع الأول 2026، رغم أن ما يقارب ثلث تلك الفترة تزامن مع النزاع المسلح النشط في المنطقة.

وتشير البيانات الصادرة عن شركة الاستشارات «غلوبل إس دبليو إف»، التي نقلتها منصة «سيمافور»، إلى أن صندوق الاستثمارات العامة السعودي، وصندوق مبادلة للاستثمار في أبوظبي، وجهاز قطر للاستثمار، ضخّت مجتمعة نحو 25 مليار دولار من الرساميل الجديدة، وكان هذا المسار، في غياب اندلاع الصراع الإقليمي، يوحي بعام قياسي للمستثمرين المرتبطين بالدول.

وحسب موقع «هاريجي» الذي نقل الخبر، يعكس هذا الصمودُ قدرةَ الرساميل الخليجية غير الاعتيادية؛ إذ تبلغ القيمة الإجمالية للصناديق الرئيسية في الكويت وقطر والسعودية والإمارات نحو 5 تريليونات دولار، ويُتوقع أن ترتفع إلى ما يقارب 18 تريليوناً بحلول 2050.

تخفيف الوتيرة

وأشار المؤسس المدير العام لـ «غلوبال إس دبليو إف»، دييغو لوبيز، إلى أن استمرار النزاع على المدى البعيد من شأنه أن يُخفّف وتيرة الاستثمار في الخارج، مقترحاً أن الإستراتيجيات المعتمدة إبان جائحة «كوفيد-19» يمكن أن تُشكّل خارطة طريق لما هو آتٍ.

ورجح لوبيز، أن بعض الجهات، كجهاز أبوظبي للاستثمار والهيئة العامة للاستثمار، قد تُوظَّف لدعم الميزانيات العامة، ما قد يُبطئ التخصيصات الموجّهة إلى الأسواق الخاصة. وقد تتحول صناديق أخرى نحو دعم القطاعات المتضررة جراء النزاع، كالطيران، أو نحو تمويل مؤسسات الدفاع الوطنية. وأن كلا المسارين سيؤدي إلى تقليص رأس المال المتاح للمشاريع الدولية، مع دعم خطط التنويع الاقتصادي المحلي.

إعادة ترتيب

وبعيداً عن المخاوف الآنية المتعلقة بإمدادات الطاقة، يتمحور السؤال الجوهري حول ما إذا كانت اضطرابات قطاع الطاقة الناجمة عن النزاع مع إيران، والتي تُثقل كاهل الاقتصاد العالمي، ستدفع إلى إعادة ترتيب أولويات الصناديق السيادية، وما ستُخلّفه هذه الإعادة من تداعيات على الصعيد الدولي.

وفي المرحلة الراهنة، تسير الأمور وفق منطق «العمل كالمعتاد»، ما أكده كثير من المسؤولين الخليجيين وتدعمه بيانات «غلوبل إس دبليو إف». أما على المدى البعيد، فيتوقف المشهد على طبيعة الحل الذي سيُفضي إليه النزاع؛ فإن أُسدل الستار على الأعمال العدائية في غضون أشهر واستعادت التجارة مساراتها الطبيعية، فإن دول الخليج ستجد نفسها أمام فوائض ميزانياتية متجددة، وبالتالي أمام إشكاليتها المزمنة: أين توجّه الرساميل؟

البدائل غير موجودة

وقد يبدو مغرياً الافتراض بأن هذه الصناديق قد تتقلص استثماراتها، غير أن الواقع أشد واقعية من ذلك، فالمستثمرون الخليجيون لن يُحوّلوا عشرات المليارات من الدولارات إلى منافسين غير أميركيين لشركتَي «أوبن إي آي» و«أنثروبيك»، لا لشيء إلا لأن مثل هذه البدائل ببساطة غير موجودة. إذ إن عمق الأسواق الأميركية العامة والخاصة، إلى جانب تفوقها التكنولوجي وارتباطاتها الراسخة في قطاعات الدفاع والطاقة والمال، يجعل أي تحول إستراتيجي متسارع أمراً مستبعداً.

وبينما لن يكون تباطؤ تدفقات رأس المال مفاجئاً، فقد يسارع بعض الصناديق إلى الاستثمار بهدف اقتناص الأصول المتعثرة.

وأفاد لوبيز، بأنه «قد نشهد صناديق تسعى لرصد فرص مقيّمة بأسعار جذابة في مناطق وقطاعات بعينها»، مشيراً إلى أن صندوق الاستثمارات العامة السعودي انتهج هذا النهج إبان الجائحة، وأن «مبادلة» في وضع يُمكّنه الاستفادة من اختلالات السوق.

الصدمة الراهنة

وعلى خلاف الأزمات السابقة التي اندلعت جراء تراجع أسعار النفط أو أزمات الائتمان العالمية، فإن الصدمة الراهنة تمسّ المنطقة بصورة مباشرة؛ فمع الإغلاق الإيراني الفعلي لمضيق هرمز، بات جزءاً وافراً من الثروة المستخرجة من النفط حبيسَ موانئ الانتظار. ويتوقع البنك الدولي تراجع النمو في منطقة الخليج إلى 1.3 % العام الحالي، بعد أن بلغ 4.4 % عام 2025، فيما يُقدّر المسؤولون الإقليميون الخسائر في قطاع السياحة بنحو 32 مليار دولار.

ورغم هذه الضغوط، تواصل صفقات الثروة السيادية مسارها المرسوم قبل الحرب. ووفقاً لـ«غلوبل إس دبليو إف»، تجاوز نصيب الخدمات المالية والبنية التحتية والتكنولوجيا 60 % من إجمالي الاستثمارات الخليجية في الخارج على مدى السنوات الخمس الماضية، مع تصاعد مطرد في الحصة الأميركية من هذا الإجمالي.

كما تكشف الصفقات الأخيرة المبرمة مع «أوبن إي آي» و«أنثروبيك» و«إلكترونيك آرتس» و«باراماونت غلوبل»، أن المستثمرين الخليجيين لا يتراجعون عن التزاماتهم السابقة.

ثروة المنطقة متجذّرة في صلب أكبر اقتصادات العالم

أفادت «غلوبل إس دبليو إف» أنه إذا كانت الحرب قادرة على تعطيل إيقاع الاستثمار، فإن حجم الصفقات المُبرمة في خضمها يكشف أن ثروة المنطقة باتت متجذّرة في صلب أكبر اقتصادات العالم بعمق يجعل توقفها أمراً عسيراً.

ولفتت إلى أن الاقتصادات الخليجية تمر بتطورات تستوجب مراجعات حكومية جوهرية؛ إذ قد تستغرق قرارات التخصيص وقتاً أطول، مع إيلاء الأولوية لمتطلبات الدفاع والحوافز وإعادة الإعمار.

وحسب بيانات «غلوبل إس دبليو إف» يبقى نشاط صناديق الأسهم الخاصة في أوجه. ففي الشهر الماضي، شاركت جهات مرتبطة بأبوظبي، في جولة تمويلية لشركة «هوب» للأجهزة القابلة للارتداء المقدَّرة قيمتها بعشرة مليارات دولار، كما توصلت إلى اتفاق للاستحواذ على شركة «ترافيرس ميدستريم بارتنرز» ومقرها ولاية أوكلاهوما مقابل 2.25 مليار.

واستحوذت شركة إماراتية أخرى الأسبوع الماضي على حصة مسيطرة في مجموعة ضيافة بريطانية، تجاوزت قيمتها 1.3 مليار، تضم سلسلة مطاعم «ذا آيفي» ونادي الأعضاء الخاص «أنابيل».