لم تكن الحرب على غزة، التي بدأت في أكتوبر 2023، مجرد اختبار عسكري للجيش الإسرائيلي، بل كانت بمثابة زلزال أخلاقي ونفسي هزّ أسس هذه المؤسسة التي طالما روّجت لنفسها كـ«الجيش الأكثر أخلاقية في العالم».

فبينما كان العالم يشاهد بألم مأساة المدنيين الفلسطينيين في القطاع، كانت قوات الاحتلال تعيش أزمة صامتة لا تقل خطورة وهي أزمة الضمير، وتفشي «الإصابة الأخلاقية»، وارتفاع حاد في حالات الانتحار والاضطرابات النفسية بين الجنود.

وتستند تلك المعلومات إلى تقرير لصحيفة «هآرتس» بعنوان «جرحى أخلاقياً، ومتروكون لمصيرهم... صمت خشية أن يصنفوا كيساريين أو خونة»، وتقارير من منظمات حقوقية، وشهادات من منظمة «كسر الصمت»، لتفكيك هذا الواقع المزدوج: الادعاء بالأخلاق مقابل الانهيار النفسي والأخلاقي.

«الإصابة الأخلاقية»

وبينما يُعرف اضطراب ما بعد الصدمة بـ«الخوف الناتج عن التعرض للخطر خوفاً من ما اقترفت يداه أو من أن يفضح أمره، فإن الإصابة الأخلاقية، تتعلق بالشعور بالذنب والعار العميقين بعد ارتكاب أو مشاهدة أفعال تنتهك المعتقدات الأخلاقية والقيم الإنسانية الأساسية للفرد».

ويصف خبراء الصحة النفسية في «هآرتس» هذه الظاهرة بأنها تحولت من «تنقيط» إلى «تسونامي حقيقي»، أي أنها ليست مجرد حزن أو كآبة، بل هي انهيار للذات، حيث ينظر الجندي إلى نفسه على أنه «وحش» بعد أن كان يُنظر إليه على أنه «بطل».

شهادات من قلب الجحيم

ومن الأمثلة على ذلك، قصة يوفال (34 عاماً) وهو مبرمج خدم في خان يونس في ديسمبر 2023، حيث قادته طائرة من دون طيار ورفاقه إلى استهداف مجموعة كانت مكونة من رجل عجوز وثلاثة فتيان، كانوا غير مسلحين، وبعد إطلاق النار، سمع قائده يصرخ «هذا ما يحدث لمن يعبث بإسرائيل، أيها الأوغاد».

وعاد يوفال إلى إسرائيل كـ «بطل»، لكنه يقول «شعرت أنني وحش... لا أستطيع النظر في المرآة... رميت كل المرايا في المنزل»، حيث كان خائفاً من الانتقام لدرجة أنه لا يخرج مرتدياً سوى «هودي» حتى لا يتعرف عليه أحد.

وبعد مقابلته مع «هآرتس»، تم إدخاله إلى جناح الطب النفسي.

يضاف إلى ذلك، قصة مايا - وهي طالبة فلسفة، خدمت كضابطة موارد بشرية في كتيبة دبابات، إذ تصف مشهداً صادماً حيث قام جنود بقتل أربعة فلسطينيين عبروا خطاً ممنوعاً، ثم قام جندي بالتبول على الأسير الناجي الوحيد، بينما كان الآخرون يضحكون، صارخاً في وجهه: «هذا من أجل بئيري... هذا من أجل نوفا» (في إشارة إلى هجوم 7 أكتوبر).

وتقول «شعرت بالقذارة والنفاق... صورة عجزه لا تفارقني. كيف تمكنت من الجلوس وعدم فعل أي شيء؟ ماذا يقول هذا عني»؟

ومن بين الأمثلة قصة يهودا، وهو جندي احتياط، شهد جريمة إعدام ميدانية بحق فلسطيني رفع يديه استسلاماً، حيث حاول ضابط كبير تسمية ما حدث بـ «جريمة قتل»، لكن القضية طُويت.

بعد أشهر، كان يهودا في «متحف» برادو في مدريد أمام لوحة لغويا تظهر رجلاً أعزل ترفع يديه أمام جنود، فانهار باكياً أمام زوجته.

انتحار وعجز

وتكشف المصادر العسكرية عن أزمة حقيقية، حيث أظهرت تقارير عبرية أن 22 جندياً على الأقل انتحروا في العام 2025 وحده خلال العمليات في غزة، وأن نحو 78 في المئة منهم كانوا من المقاتلين في الخطوط الأمامية.

وأعلنت وزارة الدفاع من خلال قسم إعادة التأهيل أنها عالجت نحو 20 ألف جندي منذ بداية الحرب، حيث يعاني أكثر من نصفهم من اضطراب ما بعد الصدمة وحالات نفسية أخرى.

ويحذّر الخبراء من أن هذه الأرقام قد تكون مجرد غيض من فيض، لأن وصمة العار والخوف من التصنيف كـ«يساريين» أو «خونة» يمنع معظم الجنود من طلب المساعدة.

فضح أسطورة «الجيش الأكثر أخلاقية»

لقد كشفت مجازر غزة عن الوجه الحقيقي لسياسة الاحتلال التي تتجاوز «الدفاع عن النفس» إلى «الانتقام الجماعي» والتطهير العرقي.

وتم فضح «قواعد الاشتباك» في تحقيق أجرته قناة «آي تي في» البريطانية بفيلم وثائقي اسمه «كسر الرتب»، حيث اعترف جنود بأن قواعد الاشتباك التقليدية قد ألغيت تماماً.

وقال قائد وحدة مدرعة يُدعى دانيال، «يمكنك إطلاق النار من دون أي قيود... القواعد لا تنطبق هناك، إذا كان رجل يمشي في منطقة محظورة ويبدو بين 20 و40 عاماً، فهذا سبب كافٍ لقتله».

كما اعترف الجندي إيلي بأنه أمر بإطلاق قذيفة دبابة على رجل كان «يعلق الغسيل» على سطح منزله ظناً منه أنه مراقب.

التجريد من الإنسانية

وتتحدث شهادات «كسر الصمت» عن مشاهد يومية من التنكيل، حيث تم استخدام المدنيين كدروع بشرية في الأنفاق، في ما عُرف بـ«بروتوكول البعوضة»، وعمليات سطو ونهب واسعة للمنازل والممتلكات الفلسطينية.

ويقول رئيس الجمعية النفسية الإسرائيلية السابق البروفيسور يؤئيل اليعازر، في «هآرتس»، إن الأجواء داخل الجيش تشجع على العنف والوحشية، حيث يتحول الجنود من مجرد جنود إلى «معذبين» يرون الفلسطينيين أقل من بشر، معتبراً أن الأزمة ليست نفسية فقط، بل هي أزمة وجودية للرواية الإسرائيلية.

انهيار الصورة الذاتية

وتضمنت افتتاحية «هآرتس»، أن الدولة تختار التعتيم على هذه الجراح الأخلاقية خوفاً من انهيار صورة «الجيش الأكثر أخلاقية»، فالاعتراف بانتشار الإصابة الأخلاقية يعني الاعتراف بارتكاب الفظائع.

الصمت والتهميش

ويتم وصف الجنود الذين يعانون من صدمات الضمير، إما بالمرضى النفسيين وإما بالخونة. هذا الصمت، كما يحذر الخبراء، قد يؤدي إلى موجة انتحار جديدة بين الجنود المسرحين.

ويشير محللون غربيون إلى أن استخدام ذكرى «الهولوكوست»، لتبرير قتل المدنيين في غزة يُعد «إهانة لذكرى الهولوكوست». ما كان يُسوّق له كصراع دفاعي تحول إلى عدوان واضح، حيث يتم وصف الفلسطينيين بلغة غير إنسانية، مما يسهل على الجنود والجمهور قبول الفظائع.

كما أن الجانب النفسي لجيش الاحتلال بعد حرب الإبادة على غزة لا يظهر فقط «مرضى نفسيين»، بل يُظهر «ضحايا أخلاقيين»، حيث تحول هؤلاء الجنود من أدوات للقمع إلى ضحايا لهذا القمع.

فالجندي الذي أُجبر على إطلاق النار على طفل أو تدمير منزل آمن، عاد إلى بيته ليس كمنتصر، بل كشخص محطم من الداخل خائف مرعوب من العقاب من هول ما ارتكبت يداه تنتابه الكوابيس والهواجس النفسية.

هذا الواقع يؤكد أن «الديمقراطية الوحيدة» و«الجيش الأخلاقي» ليسا سوى غطاء لدولة عنصرية وفوقية، تعاقب جنودها ليس لأنهم قتلوا أبرياء، بل لأنهم اعترفوا بذلك أو شعروا بالندم عليه.

وتعد الأزمة النفسية في جيش الاحتلال مرآة تعكس الأزمة الأخلاقية الكبرى للمجتمع الإسرائيلي ككل، الذي يدفع أثماناً باهظة مقابل استمرار احتلاله وجرائمه.