مع حلول منتصف أبريل 2026، دخلت إسرائيل رسمياً عامها الانتخابي الأكثر تعقيداً واحتداماً منذ قيام الدولة. الموعد النهائي للاقتراع هو 27 أكتوبر 2026، لكن التكهنات تشير إلى إمكانية إجرائها في يونيو أو سبتمبر من العام نفسه.

في قلب هذه العاصفة يقف بنيامين نتنياهو، «الساحر» السياسي الذي حكم إسرائيل لأكثر من عقدين، والذي يواجه الآن أعمق أزمة وجودية في مسيرته: لم تعد المعركة محصورة في قاعات المحاكم أو استطلاعات الرأي، بل انتقلت إلى ساحات القتال في غزة ولبنان وإيران.

في تقرير لمجلس الأمن القومي - يدمج بين البعد العسكري الإستراتيجي للحروب التي قادها نتنياهو، والفضائح المتسارعة في ديوانه، والانهيار في صنع القرار، ونفوذ العائلة، ليقدم تحليلاً سياسياً حاداً ينبئ بأن «ملك إسرائيل» قد يكون على أعتاب السقوط.

الجرح الذي لا يلتئم

كان السابع من أكتوبر 2023 نقطة التحول الكبرى. في يوم واحد، انهارت عقيدة «السيد أمن» التي بناها نتنياهو، لعقود. مقتل 1200 إسرائيلي وأسر 251 في هجوم مباغت شكل صدمة وجودية للعمق الإسرائيلي.

في الأسبوع الأول من أبريل 2026، مازال 66 في المئة من اليهود الإسرائيليين يعتقدون أن الحرب يجب أن تنتهي، لكن 45 في المئة منهم يطالبون نتنياهو، بتحمل المسؤولية والاستقالة فوراً.

ورغم مرور أكثر من عامين، لم يُنشئ نتنياهو، لجنة تحقيق رسمية مستقلة في الإخفاقات، مكتفياً باقتراح تشكيل لجنة سياسية برئاسته هي من سيحقق في فشله هو. هذا الرفض العنيد اعتبرته المعارضة محاولة «لتزييف التاريخ» وتغيير اسم «العملية» إلى «الأحداث»، و«حرب الردة» بدلاً من «حرب أكتوبر».

الحرب على لبنان

في 16 أبريل 2026، أعلن الرئيس دونالد ترامب، بطريقته الصارمة، عن وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله، كاتباً على «تروث سوشيال»: «إسرائيل لن تقصف لبنان بعد الآن. هذا ممنوع من قبل الولايات المتحدة. كفى!!!».

هذه اللحظة كانت مذلة لنتنياهو. فالرجل الذي جعل من علاقته الوثيقة بترامب، شعار حملته، وجد نفسه مجبراً على وقف حرب شعبية (79 في المئة من الإسرائيليين يريدون استمرارها) بأمر أميركي. قادة المعارضة، من يائير لابيد، إلى نفتالي بينيت، استغلوا اللحظة ليصفوا نتنياهو، بأنه «دمية في يد واشنطن».

الحرب على إيران

وأفاد التقرير: «هنا تكمن الكارثة الكبرى. في مارس 2026، انطلقت حرب الأيام الـ39 ضد إيران، والتي وصفها نتنياهو، بأنها تحقيق حلم 40 عاماً بتغيير النظام في طهران. لكن النتائج كانت عكسية تماماً».

الأكاذيب الإستراتيجية سماها التقرير: «إيران لم تسقط. القادة لم يُقتلوا بالكامل. البرنامج النووي لم يُفكك».

من جانبه، وصف لابيد، ما حدث بأنه «كارثة دبلوماسية بحجم لم أشهده من قبل» و«إخفاق إستراتيجي».

أما الضابط الكبير السابق يائير غولان، فقال بصراحة «لقد نفذ نتنياهو، واحدة من أخطر الإخفاقات الإستراتيجية التي عرفتها إسرائيل. لقد راهن بكل شيء على الحرب وخسر». اللافت أن نتنياهو، اعتقد أن الحرب ستكون «لعبة تغيير قواعد اللعبة» التي تمنحه الفوز. لكن استطلاع «معاريف» أظهر أن 49 في المئة غير راضين عن أدائه، مقابل 46 في المئة.

الأدهى من ذلك: 53 في المئة من الجمهور يعارضون اتفاق وقف إطلاق النار مع إيران، لكن هذا الغضب لم يتحول إلى دعم لنتنياهو، بل تحول إلى شعور عام بالفشل.

دائرة نتنياهو المنهارة

بينما كانت إسرائيل تحترب، كان مكتب رئيس الوزراء في حالة انهيار تام.

1 - استقالة عوفر غولان (15 أبريل 2026)

أكبر خسارة. غولان، الذي خدم نتنياهو لعقد، استقال لأنه لم يُكلف إدارة الحملة الانتخابية. «القناة 14» وصفتها بأنها «خيبة أمل مريرة».

2 - Bild Affair

الشرطة الإسرائيلية (وحدة لهب 433) تؤكد وجود شبكة تسريب داخل الديوان. المستشارون تساحي برافرمان ويوناتان أوريخ وإيلي فيلدشتاين، متهمون بتسريب وثائق سرية لصحيفة «بيلد» الألمانية مقابل أموال ونفوذ.

3 - الفوضى في الليكود

حذرت المحللة كارولين غليك، في «إسرائيل هيوم» من أن نتنياهو، يقضي وقتاً أطول في «إدارة الصراعات الداخلية في حزب الليكود أكثر من إدارة الحرب».

سارة ويائير... «الحكومة الموازية»

بينما كان الجنود يقاتلون ضد إيران، كانت سارة نتنياهو، تواجه تحقيقاً جنائياً بتهمة محاولة تخويف الشاهد هداس كلاين، في قضية الفساد رقم 4000. الشرطة صادرت هواتف مساعدة الراحلة هاني بلايفايس، التي اتُهمت (بأمر من سارة) بتنظيم احتجاجات ضد جيران نتنياهو.

الابن الذي يهز العرش

تم تعيين يائير نتنياهو، المقيم في ميامي، في اللجنة المركزية لـ«الليكود» (الهيئة التي تحدد القوائم الانتخابية) من دون انتخابات. هذا التحول من حزب سياسي إلى «ملكية عائلية» أثار غضب كبار أعضاء الحزب.

التهديدات الحقيقية لنتنياهو

1 - نفتالي بينيت... القاتل الصامت

في مواجهة مباشرة، يتقدم بينيت، على نتنياهو في استطلاع «معاريف» بنسبة 42 في المئة مقابل 41 في المئة (ضمن هامش الخطأ)، لكنه الأكثر جاذبية لليمين المعتدل. بينيت، يعد بـ«لجنة تحقيق مستقلة» في 7 أكتوبر، وهي الجملة التي يرتعب منها نتنياهو.

2 - جادي أيزنكوت... جنرال الشعب

رئيس الأركان السابق، الذي يحظى بثقة 69 في المئة من الجمهور في إدارة الحرب (مقابل 45 في المئة لنتنياهو). في مواجهة مباشرة، يتأخر أيزنكوت بفارق 4 نقاط فقط (39 في المئة مقابل 35 في المئة).

3 - لابيد... رئيس المعارضة المحاصر

حزبه «يش عتيد» ينهار إلى 5 - 7 مقاعد فقط. لكنه يبقى الصوت الأعلى في وصف «الإخفاق الإيراني» كـ«كارثة دبلوماسية».

4 - الانقسام في اليمين المتطرف

حزب «عوتسما يهوديت» بقيادة وزير الأمن االقومي إيتمار بن غفير، يحصل على 8 مقاعد، لكن وزير المالية سموتريتش، قد لا يعبر نسبة الحسم. هذا الضعف في اليمين المتطرف يعني أن نتنياهو، قد يخسر قاعدته الصلبة.

هل هذه نهاية «بيبي»؟

لم يعد نتنياهو، يُهزم لأن خصومه أقوياء، بل لأنه دمّر نفسه بنفسه. لقد راهن على الحروب ليمحو «حماس» وذكرى 7 أكتوبر، لكن الحروب أثبتت أنه قائد عسكري فاشل. لقد راهن على «صورة النظيف» لمواجهة المحاكم، لكن زوجته وابنه يحولان الليكود إلى «عائلة إجرامية».

استطلاعات الرأي تتحدث عن 49 - 51 مقعداً فقط للمعسكر الحاكم، مقابل 59 - 61 للمعارضة. معسكر نتنياهو، لا يستطيع الوصول إلى 61. في السياسة الإسرائيلية، هذا يعني شيئاً واحداً: الحكومة الحالية ذاهبة إلى السقوط.

إسرائيل تقف على مفترق طرق: الانتخابات المقبلة ليست مجرد اقتراع، بل هي استفتاء على ما إذا كانت إسرائيل ستبقى دولة يهودية ديمقراطية، أم ستصبح «إمارة عائلة نتنياهو» في تل أبيب واليمين المتطرف؟