وفي اليوم الثاني على الهدنةِ الهشّة على جبهته، بدا لبنان في سباقٍ قاسٍ مع العدّ التنازلي لـ 27 أبريل الموعد المفترَض لانتهاء وَقْفِ الأعمال العدائية الذي تمّ بلوغُه على متنِ اتفاقٍ أعلَنه الرئيس دونالد ترامب، شخصياً وتَقاطَع عن بُعْدٍ مع مَسارِ وَقْفِ النار على جبهة إيران ولكنه «قَطَعَ» معه في الشكل والمضمون، وافقتْ عليه إسرائيل قسراً، وانتزعتْه بيروت بـ «ذراعها» التفاوضية من فمِ محاولات طهران جعْل «بلاد الأرز»، عبر ملف «حزب الله»، ورقةً في جيْبها على طاولةِ إسلام أباد ومحادثاتها الشاقّة مع واشنطن لإنهاء «حرب البقاء» التي تخوضها منذ 28 فبراير.

وعلى أهمية وَقْفِ النار الذي علّق حرباً أطلقها «حزب الله» في 2 مارس إسناداً لإيران وأدت في حصيلة غير نهائية إلى سقوط نحو 2300 ضحية وجرْح أكثر من 7500 آخَرين وتسونامي دمارٍ في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت وبعض مناطق العاصمة اللبنانية، لم يَهْنأ الوطن الصغير بهدنته التي يَخْشى أن تكون:

- استراحةَ «ما بين عاصفتين» تعود بعدها إسرائيل لجولةٍ أعتى من القتال ما لم تكن الأيام الفاصلة عن 27 أبريل حَمَلَتْ تطوراتٍ كافيةٍ لتثبيت الهدنة وتحديداً على صعيدِ الهدف الذي وُلِدَتْ في كَنَفه وهو «تمكين مفاوضات السلام بين إسرائيل ولبنان» و«إثبات لبنان فعليا قدرته على فرض سيادته» (سحب سلاح حزب الله).

- و«بابَ ريح» ساخن داخلياً في ضوء أمرين متشابكيْن، أوّلهما تَظهيرُ «الصراع» على أبوّةِ وقف النار، بين لبنان الدولة وحزب الله ومعه إيران وإصرارِ الأخيرة على أن الهدنة جاءت في سياق «رَبْطِ المساريْن» أنّ طهران لن تسلّم بسهولةٍ بِسَحْب ورقة الوكلاء منها بهدف جعْلها تجلس على الطاولة «مقطوعة الأذرع» أو منزوعة الأظافر بعدما قَلَب ترامب المعادلة بوجه الجمهورية الإسلامية في مضيق هرمز واعتمد إستراتيجية «حاصِر حصارَك».

والثاني ما يشبه «شَحْذَ السكاكين» السياسي الذي يقوم به «حزب الله» بوجه السلطة ممثَّلةً برئيس الجمهورية العماد جوزف عون خصوصاً، راعي مَسارِ التفاوض المباشر الذي انطلقَ مع إسرائيل بجولةٍ تمهيدية في واشنطن عشية إعلان وَقْفِ النار والذي يتحضّر ترامب، الذي اتصل به قبيل هذا الإعلان، لدعوته وبنيامين نتنياهو، لزيارة البيت الأبيض في لقاءٍ تبقى تلبيته المحتملة من جانب لبنان رَهْنَ بلوغِ اتفاقٍ شامل يَحفظ له كامل حقوقه في وحدة أرضه وسلامتها وحدوده الدولية، أي انسحاب إسرائيل وعودة النازحين إلى قراهم والأسرى.

وتم التعاطي مع الانقضاض السياسي من الحزب على عون، غداة ما اعتُبر خطاب قسَم جديد له أعلن فيه استعداده للذهاب حيثما كان«لتحريرِ أرضي وحمايةِ أهلي وخلاصِ بلدي»، وتأكيده «استعدنا لبنان وقراره ونحن اليوم نفاوض ونقرر عن أنفسنا ولم نعد ورقة في جيب أي كان، ولا ساحة لحروب أي كان، ولن نعود أبداً (...) والمفاوضات ليست ضعفاً بل قرار نابع من رفضنا أن نموت من أجل أي كان غير لبنان» على أنه هجوم مضادّ ينطوي على بُعدين متوازييْن... «تذكيرٌ» للداخل والخارج بأن القرارَ في ما خصّ سلاحَ الحزب، وهو مفتاح أي اتفاقٍ دائم على جبهة لبنان، يبقى في يد إيران التي أعلن التزامه بوقف النار بوصفه إنجازُ لها.

واستطراداً محاولةٌ لاستعادة المبادرة في سياق «الأوعية المتصلة» بعدما استخدمَتْها الولايات المتحدة لجعْل شرط وقف دعم الوكلاء عنواناً تُعطي طهران من خلاله ولكن على أن «تأخذ» مقابله الدولة اللبنانية على مسارها المنفصل والذي بات له إطار مستقلّ عبر مفاوضات واشنطن.

وكان الأكثر تعبيراً عن سخط الحزب بإزاء المرحلة الجديدة التي يتم ترسيمها بمعزلٍ عنه وطهران، إعلان النائب حسن فضل الله «لن يمرّ في لبنان 17 مايو جديداً (في إشارة لاتفاق 17 مايو 1983 مع إسرائيل الذي تم إسقاطه)» و«لولا المقاومة لأخَذَ العدو صورة النصر في قصر بعبدا».

وقوله تعليقاً على «التفاهم بين لبنان وإسرائيل»الذي أعلنت نصّه الخارجية الأميركية أنه «إذا كان هناك أحد رسميّ في لبنان له علاقة بالمذكرة فهو ارتكب جريمة خيانة بحق الوطن ونتعامل معه كما تعاملْنا مع أنطوان لحد، كعميل يريد بيع الوطن للعدو، ومن جهتنا نعتبرها غير موجودة ولا قيمة لها ولن يتم تطبيقها».

في موازاة ذلك، كان نائب رئيس المجلس السياسي محمود قماطي، يعلن«مَن يريد أن يكون أنطوان لحد (قائد جيش لبنان الجنوبي ابان احتلال جنوب لبنان) سنقاتله كما قاتلْنا الإسرائيلي» مع التلويح بـ «غضب شعبي» قد يُسقط حكومة الرئيس نواف سلام.

تثبيت أقدام الدولة

في موازاة هذه الحملة الشعواء، ثبّت عون وسلام، أقدام الدولة في واحدة من أخطر المراحل التي تمرّ بها البلاد. وقد زار رئيس الحكومة قصر بعبدا، حيث استقبله رئيس الجمهورية وأجرى معه جولة أفق تناولت التطورات الأخيرة على الصعيدين الأمني والدبلوماسي. كما أجريا تقييماً لمرحلة ما بعد وقف النار والمساعي الجارية لتثبيته ومنها الاتصالات التي أجراها رئيس الجمهورية مع الرئيس الأميركي ووزير خارجيته ماركو روبيو، وعدد من قادة الدول العربية والأجنبية.

وبعد اللقاء أوضح سلام أن البحث تناول أيضا الجهوزية اللبنانية للمفاوضات، إضافة إلى متابعة تنفيذ قرارات مجلس الوزراء لاسيما الذي صدر في الجلسة الأخيرة للمجلس القاضي بتعزيز بسط سلطة الدولة على محافظة بيروت وحصر السلاح فيها.

وكان عون، شكر في كلمته المتلفزة إلى اللبنانيين مساء الجمعة كل من ساهم في الوصول إلى وقف النار «من الرئيس الأميركي الصديق وصولاً إلى الأشقاءِ العرب جميعاً، وفي مقدّمِهم المملكة العربية السعودية ونعوّلُ على صداقتِهم جميعاً، لنُكملَ ما بدأناه، ونُنجِزَ ما نتطلّعُ إليه»، معلناً «لن أسمحَ بأن يموت بعد اليوم لبناني واحد، او بإستمرارِ النزفِ من أهلي وشعبي، من أجلِ مصالحِ نفوذِ الآخرين أو حساباتِ محاورِ القوى القريبة أو البعيدة».

وشدد على أنه «لن يكونَ هناك أي اتفاق يمسّ الحقوق الوطنية، أو ينتقص من كرامةِ الشعب الصامد، أو يُفرط بذرّة من تراب هذا الوطن. وهدفُنَا واضحٌ معلن: وقفُ العدوانِ الإسرائيلي على أرضِنا وشعبِنا، الانسحاب الإسرائيلي، بسطُ سلطةِ الدولة على كاملِ أرضِها بقواها الذاتية حصراً وعودة الأسرى، وعودة ناسِنا إلى بيوتِهم وقراهم، موفوري الأمنِ والحريةِ والكرامة»، مؤكداً رفض تكريس اللبنانيين«أرقاماً للموتِ كلِ بضعِ سنوات، أضاحي لخارجٍ قريبٍ أو بعيد».

ولم يحجب التدافع الخشن بين حزب الله والدولة اللبنانية مساران موازيان كبيران:

- الأوّل يقوده ترامب، الذي يكثّف من إطلاق المواقف حيال لبنان، مؤكداً الفصل بين مساره وجبهة إيران، وبما يؤشر إلى تَصَدُّر هذا الملف أولوياته القصوى وتحوُّله عنوان«نجاح أو فشل له»، وسط التعاطي مع الضغط العالي الذي مارسه على نتنياهو لانتزاع وقف النار وصولاً لمباغتته اياه بإعلان أنه «ممنوع عودة قصف لبنان، وكفى يعني كفى»على أنه يمكن أن يمهّد لضغطٍ موازٍ على بيروت في مرحلة لاحقة ما لم تجد طريقاً لإظهار قدرة على تنفيذ تعهُّدها بحصر سلاح «حزب الله»، رغم اعتبار مَصادر متابعة أنّ تَبَلْوُر اتجاهاتِ الريح على جبهة إيران في اليومين المقبلين ستتيح توضيح المَسار الذي ستسلكه الدولة اللبنانية وربما يزيل ألغاماً كبيرة.

«سنجعل لبنان عظيماً مرة أخرى»

ولم يكن عابراً أن يرفع ترامب، شعار «سنجعل لبنان عظيماً مرة أخرى». وقال إن "ملف لبنان غير مرتبط بإيران، وربما يكون الارتباط نفسياً، ولكننا سنساعد لبنان على أن يكون بلداً عظيماً، لقد عانوا كثيراً ونسيَهم العالم، وأتمنى أن يتصرف حزب الله في شكل جيد وسيكون ذلك لحظة عظيمة لهم».

كما أكد أن الولايات المتحدة ستقدم الدعم للبنان في مرحلة إعادة الإعمار، مشيراً إلى وجود «شركاء جيدين» في هذا الإطار، لافتاً إلى أن محادثات تُجرى خلال عطلة نهاية الأسبوع «وأمور كثيرة جيدة تحدث، ويشمل ذلك لبنان».

وقبلها ⁠كشف إن الولايات المتحدة منعت ‌إسرائيل من قصف لبنان مرة أخرى وأضاف ⁠ في منشور على وسائل التواصل ⁠الاجتماعي «لن تقصف إسرائيل لبنان بعد ⁠الآن. ‌الولايات المتحدة تمنعها من ذلك. كفى إلى هذا الحد!».

وأشار إلى أن أي ‌اتفاق أميركي مع إيران «لا يتوقف على ما سيحدث في لبنان» لكن الولايات المتحدة «ستتعامل مع» وضع مسلحي حزب ⁠الله بالطريقة المناسبة.

- أما المسار الثاني فميداني وطبعته إسرائيل بترجمة فورية لما ورد في إعلان وقف النار الذي نشرتْ نصّه الخارجية الأميركية والذي يشكل تظهيراً لاتفاق موازٍ كان حصل بينها وبين واشنطن لاتفاق وقف الاعمال العدائية (27 نوفمبر 2024)، وتحديداً فقرة «تحتفظ إسرائيل بحقها في اتخاذ كل التدابير الضرورية للدفاع عن نفسها في أي وقت بمواجهة الهجمات المخطط لها والوشيكة والمتواصلة. ولا يتأثر هذا الحق بوقف الأعمال العدائية».

«الخط الأصفر»

وإذ بادل الحزب هذا النص بإعلان «الإصبع على الزناد ولن نقبل بالعودة لمرحلة ما قبل 2 مارس (اغتيالات إسرائيلية وضربات موضعية في مختلف المناطق في كنف اتفاق 27 نوفمبر) وانتهى الصبر الاستراتيجي»، كان الأكثر خطورةً ارتسام «الخط الأصفر» جنوب لبنان - على غرار غزة - للمرة الأولى في شكل رسمي حيث أعلن الناطق باسم الجيش الإسرائيلي افيخاي ادرعي، أنه «خلال الساعات الماضية رصدت قوات جيش الدفاع العاملة جنوب الخط الأصفر في جنوب لبنان مخربين قاموا بخرق تفاهمات وقف النار واقتربوا من منطقة شمال الخط الأصفر باتجاه القوات بشكل شكّل تهديدا فورياً. وفور رصدهم ومن أجل إزالة التهديد شن سلاح الجو والقوات غارات لاستهداف المخربين في عدة مناطق بجنوب لبنان».

ومنذ إعلان وقف النار، منعت إسرائيل سكان الجنوب من العودة إلى منطقة «الخط الأصفر» التي تضم 55 قرية لبنانية بمساحة نحو 500 كيلومتر مربع ضمن شريط بعمق يراوح بين 4 و10 كيلومترات على طول الحدود من الناقورة إلى شبعا وبينها بلدات لم تكن سقطت بالكامل مثل بنت جبيل والخيام.

وكان نتنياهو، أعلن «للمرة الأولى، أنشأنا منطقة عازلة أمنية واسعة على طول الحدود الشمالية بأكملها. ليس فقط في لبنان، بل على طول الحدود اللبنانية بأكملها وصولاً إلى جبل الشيخ، مروراً بهضبة الجولان، وصولاً إلى اليرموك (جنوب سوريا). أرادوا محاصرتنا بحلقة من النار، فأنشأنا حلقة من الأمن».

واستخدم نتنياهو مصطلح «الخط الأصفر» للإشارة إلى هذه المنطقة.

وقال: «هذه المنطقة العازلة تُزيل تماماً خطر الغزو المباشر ونيران الدبابات. يتمركز الجيش الإسرائيلي هناك، عند الخط الأصفر، لمواصلة الدفاع ضد أي تهديد مباشر».

وتابع «بناء على طلب صديقي، الرئيس ترامب، الذي غيّرنا معه وجه الشرق الأوسط وحققنا إنجازات عظيمة، اتفقنا على وقف نار موقت في لبنان. وبناء على طلبه، سنُتيح الفرصة للتوصل إلى حل دبلوماسي وعسكري متكامل مع الحكومة اللبنانية»، مضيفاً: «إحدى أيدينا تحمل سلاحاً، والأخرى ممدودةٌ للسلام».

في موازاة ذلك، أكدت إذاعة الجيش الإسرائيلي استمرار العمليات العسكرية داخل منطقة الخط الأصفر حتى خلال وقف النار، بعدما كان وزير الدفاع يسرائيل كاتس، قال الجمعة إن الجيش «سيواصل الاحتفاظ بجميع المواقع التي قام بتطهيرها والسيطرة عليها».

استهداف «اليونيفيل»

وفي إطار غير بعيد، سُجل تطور خطير جنوب الليطاني (الغندورية - بنت جبيل) حيث أعلن الرئيس إيمانويل ماكرون، مقتل جندي من الكتيبة الفرنسية العاملة في «اليونيفيل» وجرح 3 آخرين، مؤكداً «كل المؤشرات تفيد أن المسؤولية تقع على حزب الله في مقتله»، داعياً السلطات اللبنانية «لأن توقف فوراً الجناة وأن تتحمّل مسؤولياتها إلى جانب اليونيفيل».

وتلقّى عون، اتصالاً من ماكرون، وبحث معه في التطورات الأخيرة لاسيما الإعلان عن وقف النار والتحضيرات الجارية لإطلاق المفاوضات انطلاقاً من مبادرة الرئيس اللبناني في هذا المجال.

وخلال الاتصال عزى عون الرئيس ماكرون «باستشهاد العسكري الفرنسي العامل في اليونيفيل» وذلك برصاص مسلحين في المنطقة.

ودان الرئيس اللبناني بشدة «استهداف القوة الفرنسية التي تؤدي مهامها على الأراضي اللبنانية في خدمة السلم والاستقرار في منطقة انتشارها في الجنوب، منوهاً بتضحيات الجنود الدوليين ومتمنياً الشفاء العاجل للجرحى»، مؤكداً أنه أصدر توجيهاته إلى الأجهزة المختصة للتحقيق الفوري في هذا الحادث وتحديد المسؤوليات، ومشدداً على أن لبنان لن يتهاون في ملاحقة المتورطين وتقديمهم إلى العدالة.

ونفى «حزب الله»، في بيان، علاقته بالحادث الذي حصل مع اليونيفيل، داعياً إلى «توخي الحذر في إطلاق الأحكام والمسؤوليات حول الحادث بانتظار تحقيقات الجيش اللبناني لمعرفة ملابسات الحادثة بالكامل».