... لبنان في عَيْنِ فشل المفاوضات المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران في باكستان، وبلوغها حائطاً مسدوداً فُتحت معه جبهةُ الإطباق البحري على مضيق هرمز بإطلاق الرئيس دونالد ترامب ما بدا «حاصِر حِصارَك»، تارِكاً «اضرب عدوَّك» و«القضاء على ما تبقى من إيران لـ... «اللحظة المناسبة».
ففي وقت كانت بيروت تستعدّ لمفاوضاتِ وَقْفِ النار مع تل ابيب التي تَستضيفها واشنطن الثلاثاء على مستوى سفراء الدول الثلاثة وبرعاية الخارجية الأميركية، جاءتْ «الأخبارُ السيئة» بتداعي العملية التفاوضية في إسلام آباد وبدء الحصار البحري لـ «هرمز» لتعمّق الخشيةَ على أفق المسارِ الدبلوماسي على خط «بلاد الأرز»- إسرائيل والذي يتلمّس طريقَه الشائك والمزروع بألغام متعدّدة النوع، وأخطرها في مقلب لبنان الذي ارتسمتْ في الساعات الماضية ملامح وقوعه بين:
- مطرقة آلة حربٍ إسرائيلية متحفّزة لأعتى جولاتِ التصعيد في حال لم تنجح مفاوضات واشنطن التمهيدية في التوصل الى وَقف نارٍ تَرفض تل ابيب التسليم به حتى الساعة وربما تقدّمه في صيغة تمديد لخفض التصعيد (في بيروت والضاحية الجنوبية) في محاولةٍ للانتقال الى مرحلة التفاوض حول شروط بلوغ تسوية دائمة، وما سيشكّله مجرّد انعقادها من حَدَث تاريخي، بمعزل عن مآلاتها.
- وبين سندان نُذُر «تسنين» رأس الحربة من «حزب الله» ومن خلْفه طهران لانقضاضٍ على الوضع الداخلي تحت جنح هدنةٍ أو حاجةٍ لأن تُمْسِك مباشرة بورقة لبنان - عبر الحزب وسلاحه - ووضعيّته في وجه انطلاقِ قطار الفصل العسكري (وقف النار) والدبلوماسي - السياسي بين المسارين اللبناني والإيراني وفق ما عبّر عنه إيجاد إطار مستقلّ تماماً عن طاولة إسلام آباد لملفّ وقف النار ومتمماته على جبهة بلاد الأرز، وهو ما ترفضه الجمهورية الاسلامية بوصفه ما يشبه «انتزاع الروح» على ما عبّر عنه منشور بالغ الدلالات وضعتْه السفارة الإيرانية على صفحتها على منصة «إكس» بعنوان: «لبنان روح إيران».
وجاء هذا المنشور غداة «تثبيت» السفارة شريطَ فيديو لتحرّكٍ في إيران دَعْماً للحزب، بالتوازي مع الحِراك الذي كان نُفّذ بعد ظهر الأحد قبالة السرايا الحكومية ضدّ رئيسيْ الجمهورية العماد جوزف عون والوزراء نواف سلام، على خلفية قرار جعل بيروت منزوعة السلاح وإطلاق مسار التفاوض المباشر لوقف النار أولاً، وإعلائهما شعار «لا أحد يفاوض عن لبنان».
وتضمّن الفيديو من إيران كلمة حملت «رسالة تضامن وأخوة من الشعب الإيراني الشجاع الى الشعب اللبناني الصامد: نحن معكم ولسنا منفصلين عنكم، نحن وأنتم واحد»، و«في ظل وحدة الساحات الشعب اللبناني الشجاع ليس منفصلاً عن إيران ويجب أن يكون شريكاً في جميع الإنجازات والامتيازات» و«الاعتداء على لبنان يُعد اعتداء على إيران».
وفي الوقت الذي شكّل هذان المنشوران استكمالاً لتحذيرِ مستشار المرشد الإيراني للشؤون الدولية علي أكبر ولايتي، سلام من أن «تَجاهُل الدور الفريد لحزب الله سيضع لبنان في مخاطر أمنية لا يمكن تعويضها»، فإنّ هذا «الإنزال» الذي تنفّذه طهران خلف خط الفصل بينها وبين جبهة لبنان والذي سترسّخه مفاوضات واشنطن، يعكس واقعياً خاصرة رخوة للمفاوض اللبناني على طاولة السفراء الثلاثة يُخشى أن يزيد من إضعافِها وأن يحاصرها أكثر انفراط عقد مفاوضات ‘إسلام آباد واستخدام ترامب ورقة «إما الجميع يمرّون في مضيق هرمز أو لا أحد».
ووسط المخاوف من أن يَدفع حشر إيران في المضيق، إلى إشعال حرب البحار بدءاً من باب المندب، وربما إحياء المَسار العسكري، فإنّ تَبَدُّد احتمالاتِ إنهاء الصراع مع إيران في وقت قريب وعلى متن تسويةٍ يُخشى أنها باتت بعيدة المنال، عزّز القلق من مآلاتِ محادثات واشنطن ومعها الواقع اللبناني برمّته الذي يقف على مشارف أدقّ مراحله في ظلّ تَشابُك خطريْ الحرب الاسرائيلية التي أظهرت أكثر وجوهها المتوحّشة في الأربعاء الأسود في بيروت، والتوتر الداخلي الذي أشعل الحزب شرارته في اليومين الماضيين في العاصمة اللبنانية التي عاشتْ احتقاناً كبيراً استدعى إرجاء سلام زيارته للولايات المتحدة على وقع تقارير عن أن الحزب كان يتحيّن أي وَقف للنار للارتداد على الحكومة وإسقاطها.
وفي الإطار، ثمة اعتقادٌ أن ارتفاعَ احتمالات تَجَدُّد الحرب مع إيران التي خاضتْ مفاوضاتها مع واشنطن رغم عدم سريان وقف النار على جبهة لبنان - بخلاف ما كانت تعهّدت به – سيزيد من إرباك المفاوض اللبناني في واشنطن الذي سيتعيّن عليه بطبيعة الحال أن يَضمن التزام الحزب أولاً بالهدنة، وهو ما لا يَفعله حالياً، وسط انطباعٍ بأنه قد يَعمد في الساعات المقبلة لتكثيف هجماته لتظهيرِ أن الدولة اللبنانية لا تملك قرار التهدئة الموصول بمقتضيات معركة البقاء التي تخوضها إيران، قبل الحديث عن جولات التفاوض اللبناني - الإسرائيلي التي ستتناول في المرحلة الثانية سائر العناوين وأبرزها سلاح الحزب الذي لا تتحكّم الدولة أيضاً بمفاتيحه.
وفي حين نقل موقع «سكاي نيوز عربية» عن مسؤول بارز في الخارجية الأميركية، أن مفاوضات وقف النار في لبنان «منفصلة عن المحادثات التي استضافتها إسلام آباد بين واشنطن وطهران»، فإن هذا الموقف اعتُبر حجراً إضافياً في جدار الفصل بين المسارين ومآلاتهما من حيث المبدأ، وهو ما لا يقلّل من أهميته عدم امتلاك لبنان زمام السيطرة على عنوانيْ وقف النار والسلاح واللذين يسود تَرَقُّب لِما إذا كانت واشنطن ستضيف نقاطاً إلى رصيد «الدولة» عبر إقناع تل ابيب بهدنةٍ ولو غير معلنة وإعلان نيات باستعداد للانسحاب من المناطق التي تحتلّها أو أقله عدم رغبة بالبقاء فيها مقابل ترسانة «حزب الله».
مواقف إسرائيلية
وفي هذا الوقت، ارتسمت عبر تقارير ومواقف إسرائيلية مَحاذيرُ دقيقة لِما ينتظر لبنان في مسار التفاوض بالتزامن مع تقديراتٍ في تل أبيب أشارت الى «احتمال حصول تصعيد (من حزب الله) خلال الساعات المقبلة على الجبهة الشمالية، ما دفع إلى إلغاء الدراسة في عدد من البلدات الحدودية»، وقيام رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس ورئيس الأركان إيال زامير، بزيارة تفقدية للقوات الإسرائيلية في جنوب لبنان.
وقال نتنياهو إن الجيش تمكن من «إحباط خطر الاجتياح من لبنان»، مشدداً على استمرار الجهود لضمان أمن إسرائيل في مواجهة التهديدات.
وإذ أشارت القناة 12 إلى أنّ تل ابيب قد تَستخدم بدء المحادثات «كذريعةٍ لخفض القتال، ومن ثمّ تفرض شروطاً تعجيزيّة»، أفادت بأن استمرار رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري في دعم موقف الحزب «قد يشكّل عائقاً كبيراً أمام التوصل إلى اتفاق».
في موازاة ذلك، أكد وزير الطاقة إيلي كوهين أنه «يجب توسيع العملية في لبنان واستهداف المطار وبنى تحتية مدنية»، مشدداً على أن «لا جدوى كبيرة من المفاوضات مع لبنان». وفيما دعا وزير المال بتسلئيل سموتريتش إلى توسيع السيطرة على الأراضي في إطار التعامل مع «حزب الله»، معتبراً أنّ ذلك ضروري للضغط عليه، قال وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير إنّ على لبنان أن «يدفع ثمن» أفعال الحزب، مطالباً باستهداف بنيته التحتية وقطع الكهرباء عنه، ومؤكداً ضرورة منع الحزب من«الاختباء وراء الدولة اللبنانية». في المقابل، خالف وزير الخارجية جدعون ساعر، هذه المواقف، مشدداً على ضرورة التركيز على «حزب الله» نفسه بدل لبنان، ومعتبراً أنّ التفاوض مع بيروت هو الخيار الأنسب في المرحلة الحالية، وأن بلاده وجّهت تحدياً للبنان للتعامل مع الحزب. وكان نتنياهو أعلن أنّ لبنان تواصل مع إسرائيل خلال الشهر الماضي لبدء محادثات سلامٍ مباشرة، مضيفاً أنّه وافق على ذلك، لكن بشرط «نزع سلاح حزب الله والتّوصّل إلى اتّفاق سلامٍ حقيقيّ يَصمد أمام الزّمن»، وسط تقارير أفادت أن اسرائيل ستطلب على طاولة التفاوض أن يقوم الجيش اللبناني بسحْب سلاح الحزب.