في مشهد يعكس تحوّلاً لافتاً في المزاج العام داخل إسرائيل، انطلقت موجة احتجاجات واسعة في مختلف أنحاء البلاد، رفضاً لاستمرار الحرب في لبنان، وذلك في أول اختبار حقيقي للشارع بعد إعلان وقف إطلاق النار مع إيران.
ويأتي هذا الحراك في لحظة سياسية وأمنية شديدة الحساسية، حيث يتقاطع المسار العسكري مع ضغوط داخلية متزايدة تدعو إلى إنهاء الحرب والبحث عن بدائل سياسية.
هذه الاحتجاجات لا تمثل حدثاً معزولاً، بل تأتي امتداداً لسلسلة تحركات شهدتها الأسابيع الأخيرة، كشفت - بحسب تقارير إسرائيلية - عن تصاعد غير مسبوق في الأصوات المعارضة للحرب، واحتدام الانقسام داخل المجتمع بين مؤيد لمواصلة العمليات العسكرية، وآخر يرى فيها استنزافاً بلا أفق.
انتشار الاحتجاجات: جغرافيا الغضب تتسع
وتشمل الاحتجاجات ما لا يقل عن 16 موقعاً، في مؤشر على اتساع رقعة الحراك المناهض للحرب، حيث تتصدر تل أبيب المشهد عبر التظاهرة المركزية في ساحة هبيما، بينما تمتد الفعاليات إلى حيفا والقدس الغربية ومدن وبلدات أخرى.
وتُظهر المعطيات أن هذا الحراك ليس مقتصراً على النخب السياسية أو النشطاء التقليديين، بل بات يمتد إلى شرائح اجتماعية أوسع، بما في ذلك حراكات عربية-يهودية مشتركة، كما في تظاهرات وادي النسناس في قلب مدينة حيفا، في دلالة على تزايد الطابع العابر للهويات داخل معسكر الرافضين للحرب.
وبحسب تقارير إعلامية، فإن تظاهرات سابقة شهدت مشاركة «مئات المحتجين في تل أبيب وبلدات أخرى» بدعوة من ائتلافات مدنية وحقوقية، رفعت شعارات تطالب بوقف الحرب وعدم توسيعها إلى جبهات إضافية.
من «احتجاج محدود» إلى موجة متصاعدة
اللافت في هذه التحركات أنها تأتي بعد أسابيع من احتجاجات مماثلة، كانت قد بدأت بزخم أقل، لكنها سرعان ما تصاعدت رغم القيود الأمنية. فقد أفادت مصادر إسرائيلية بأن الشرطة فرّقت في مرات سابقة متظاهرين بحجة خرق تعليمات الجبهة الداخلية، التي كانت تحدّ من التجمعات، ما أدى إلى احتكاكات مباشرة بين المحتجين وقوات الشرطة التي هاجمت المتظاهرين بقسوة.
وفي السياق، اكتسب قرار المحكمة العليا الأخير أهمية خاصة، بعد أن رفضت تقييد أعداد المشاركين، ما اعتُبر من قبل منظمي الاحتجاجات «ضوءا أخضر» لتوسيع الحراك الشعبي.
شعارات الشارع... «لا لحرب أبدية»
تعكس الشعارات التي يرفعها المحتجون عمق التحول في الخطاب الداخلي، حيث لم تعد المطالب تقتصر على تحسين إدارة الحرب، بل وصلت إلى رفضها من حيث المبدأ. وقد رُفعت في احتجاجات سابقة شعارات مثل: «لا لحرب أبدية... نعم لسلام عادل وآمن لشعوب المنطقة».
كما حمل متظاهرون صور ضحايا من مختلف ساحات القتال، في محاولة لإبراز الكلفة الإنسانية المتزايدة للصراع، سواء داخل إسرائيل أو في لبنان وقطاع غزة، وهو ما يعكس انتقال الخطاب من الأمني إلى الإنساني.
خلفية التصعيد: حرب مفتوحة بلا أفق
تأتي هذه الاحتجاجات في ظل استمرار الحرب في لبنان، التي اندلعت في مارس 2026 ضمن سياق إقليمي أوسع، وتشمل مواجهة مباشرة مع «حزب الله»، في إطار تصعيد مرتبط بالحرب مع إيران. وقد أسفرت هذه الحرب عن خسائر بشرية كبيرة ونزوح واسع في لبنان، ما زاد من الضغوط الدولية والإقليمية لوقف التصعيد.
ورغم بدء مسار تفاوضي بين إسرائيل ولبنان برعاية أميركية، مبدئياً، الثلاثاء في واشنطن، فإن الحكومة الإسرائيلية لاتزال ترفض إعلان وقف إطلاق نار شامل في الجبهة الشمالية، وهو ما يعمّق الفجوة بينها وبين التيار المعارض داخلياً.
انقسام داخلي: بين منطق القوة ومنطق التسوية
تشير تحليلات في الإعلام الإسرائيلي إلى أن المجتمع يعيش حالة استقطاب حاد؛ فبينما يرى تيار واسع أن الحرب ضرورية «لردع حزب الله» وإعادة تشكيل قواعد الاشتباك، يعتقد تيار آخر أن استمرارها بعد التهدئة مع إيران يفتقر إلى مبرر إستراتيجي واضح.
وقد أظهرت تغطيات إعلامية أن هذا الانقسام يتجلى حتى داخل مواقع الاحتجاج نفسها، حيث تواجه التظاهرات أحياناً باحتكاكات مع مجموعات يمينية مؤيدة للحرب، ما يعكس عمق الشرخ داخل الشارع الإسرائيلي.
دور منظمات المجتمع المدني: حراك منظم ومتعدد
تقود هذه الاحتجاجات ائتلافات مدنية متعددة، من بينها «شراكة السلام»، التي تضم عشرات المنظمات الحقوقية والحركات المناهضة للحكومة. وتؤكد هذه الجهات أن هدفها ليس فقط وقف الحرب، بل إعادة طرح مسار سياسي شامل ينهي حالة «الحرب الدائمة».
وتشير بيانات هذه الحركات إلى استمرار التعبئة والتظاهر في مختلف المدن، مع تأكيدها أن الاحتجاجات «جزء من نضال طويل ضد الحرب والسياسات الحكومية».
بين التهدئة مع إيران والتصعيد في لبنان: مفارقة المرحلة
أحد أبرز العوامل التي تغذي الاحتجاجات الحالية هو التناقض بين وقف إطلاق النار مع إيران واستمرار العمليات العسكرية في لبنان. ويرى المحتجون أن هذه المفارقة تطرح تساؤلات جدية حول أهداف الحرب وحدودها.
كما أن توقيت بعض العمليات العسكرية، التي تزامنت مع إعلان التهدئة، أثار جدلاً إضافياً، حيث اعتبرته أطراف إقليمية «خرقاً» لروح الاتفاق، ما يزيد من تعقيد المشهد.
اختبار حاسم للحكومة والشارع
في المحصلة، تمثل هذه الاحتجاجات لحظة مفصلية في المشهد الإسرائيلي، إذ تعكس انتقال المعارضة للحرب من الهامش إلى مركز النقاش العام. وبينما تصر الحكومة على مواصلة العمليات في لبنان، يبدو أن الشارع بدأ يفرض معادلة جديدة، عنوانها: مساءلة القرار العسكري، وربط الأمن بالحلول السياسية لا بالتصعيد المفتوح.
ومع اتساع رقعة الاحتجاجات وتزايد زخمها، يبقى السؤال مفتوحاً: هل تتحول هذه الموجة إلى ضغط سياسي فعلي يفرض تغييراً في مسار الحرب، أم أنها ستبقى في إطار الاحتجاج الرمزي في ظل استمرار المواجهة الإقليمية؟