ثمة تقديرات في إسرائيل أن المحادثات الأميركية - الإيرانية لم تنهَر نهائياً، لكن الفجوات عميقة... مضيق هرمز، أسعار النفط، والضغط السياسي على دونالد ترامب، تحولت إلى مركز الأزمة والحسم يقترب، وفق تقرير للمحللة أنا برسكي، في صحيفة «معاريف».

وأورد التقرير أن المفاوضات المباشرة والاستثنائية التي جرت في إسلام آباد وانتهت من دون اتفاق أو تفاهمات، لا تُعتبر في إسرائيل انهياراً نهائياً للمباحثات، لكنها أيضا ليست مجرد حدث تقني هامشي.

وتقدر مصادر إسرائيلية أن مجرد انتهاء جولة المحادثات بعد نحو 21 ساعة من دون اختراق، وبنبرة أميركية حادة بشكل خاص، يدل على عمق الفجوات بين الطرفين، وعلى أن العقبة الحقيقية لم تعد فقط البرنامج النووي، بل أيضاً مسألة مضيق هرمز والثمن السياسي الذي سيدفعه ترامب، في انتخابات منتصف الولاية إذا استمرت أسعار النفط في الارتفاع.

رسالة «عرض أخير» وصبر محدود

وحتى بعد فشل الجولة الأخيرة، لا يمكن استبعاد محاولات إضافية، وربما حتى ضمن الإطار الزمني لوقف إطلاق النار الهش الذي تم تحديده لأسبوعين. ومع ذلك، في هذه المرحلة ليس من المؤكد إطلاقاً أن تكون هناك جولة أخرى، والقرارات في البيت الأبيض قد تُتخذ بسرعة كبيرة - خلال ساعات، وليس بالضرورة أيام.

في إسرائيل يقولون إن «الفجوات لاتزال كبيرة»، وإنه حتى لو كانت هناك محاولة أخرى، فستتطلب تحركاً إيرانياً حقيقياً، وليس مجرد جولة تقنية إضافية من المحادثات.

في مركز الصورة تقف أيضاً تصريحات نائب الرئيس جي دي فانس، الذي قاد الوفد الأميركي. فقد قال بعد المحادثات إن إيران رفضت الالتزام بعدم تطوير سلاح نووي، وإن واشنطن وضعت على الطاولة «العرض النهائي والأفضل».

في إسرائيل يرون في هذه الصياغة مؤشراً واضحاً على أن حتى الجهات الأميركية التي كانت تُعتبر أكثر ميلاً للتسوية وصلت إلى نقطة استنفاد، أو على الأقل إلى نقطة تدرك فيها أنه لا يمكن الاستمرار من دون تحرك إيراني حقيقي. كما يُعطى أهمية للنبرة: لم تكن صيغة «سنواصل الحديث»، بل رسالة عرض أخير وصبر محدود.

لكن في إسرائيل يؤكدون: القضية ليست فقط اليورانيوم المخصب... أي اتفاق لا يتعامل أيضاً مع أجهزة الطرد المركزي، والمواقع تحت الأرض، والبنية التحتية التي تسمح لإيران بالعودة بسرعة إلى التخصيب، هو اتفاق سيئ وجزئي.

ويرون أنه حتى لو تم إخراج المواد المخصبة من إيران، طالما بقيت المعرفة والمنشآت والقدرة على استئناف الإنتاج، فإن المشكلة الإستراتيجية لا تُحل، بل تُؤجَّل فقط. وهذا هو أيضاً الخط الفكري المنسوب إلى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، الذي يرى أنه لا يكفي إخراج اليورانيوم، بل يجب تفكيك القدرة التي تمكّن إيران من العودة إلى التخصيب.

في المقابل، تدرك إسرائيل أيضاً أن هذه المطالب القصوى ليست بالضرورة جزءاً واقعياً من المفاوضات التي تديرها واشنطن.

إلى جانب ذلك، هناك تقدير بأن القيادة الإيرانية، خصوصاً المستوى العسكري-الأمني، مقتنعة بأن الولايات المتحدة هي التي لديها ما تخسره أكثر من تصعيد إضافي. ووفق هذا التقدير، ترى طهران أنها تمتلك ورقة ضغط مهمة عبر مضيق هرمز وتأثيره المباشر على أسعار النفط. بمعنى آخر، كلما ازداد خوف الغرب من ارتفاع حاد في أسعار الطاقة، زادت احتمالية أن يكون هو الطرف الذي سيُضطر إلى التنازل.

«لا حرب ولا سلام»

وهذه، بحسب التقديرات، نقطة الحسم الحقيقية بالنسبة لترامب. طالما أن مضيق هرمز غير مفتوح بشكل مستقر، وطالما أن أي ترتيب موقت يترك تهديداً حقيقياً لتدفق النفط، يصعب تصور كيف يمكن للبيت الأبيض أن يقدّم إنجازاً.

إذا اختارت الولايات المتحدة خطوة عسكرية هجومية لفتح المضيق، فقد ترى إيران في ذلك عودة إلى الحرب. وإذا لم تفعل ذلك، واكتفت باستمرار الوضع الوسطي، فسيبقى التهديد لسوق الطاقة قائماً.

هذه هي جوهر المعضلة في الدولة العبرية: ليس فقط هل سيكون هناك اتفاق أم لا، بل هل يوجد أصلاً مسار «لا حرب ولا سلام» يمكن إدارته على المدى الطويل من دون دفع ثمن اقتصادي وسياسي باهظ.

بالنسبة لترامب، أسعار النفط ليست مسألة ثانوية بل العامل المركزي. طالما أن المواطن الأميركي العادي يدفع أكثر في محطات الوقود، فإن الرئيس يدفع ثمناً سياسياً مباشراً. لذلك، حتى سيناريو وسيط قد يبدو مريحاً دبلوماسياً، قد يتحول إلى مشكلة كبيرة إذا لم يحقق استقراراً في السوق.

وثمة تقديرات أن هذه هي بالضبط الأسباب التي تجعل خيار «لا حرب ولا سلام» معقداً: من دون حل لمسألة هرمز، قد يكون مجرد تأجيل للأزمة المقبلة.

الخيار الثالث

في هذا الوضع، لا تستبعد إسرائيل أيضاً خياراً ثالثاً: ليس اختراقاً أميركياً، بل محاولة من أطراف أوروبية للتوصل إلى تفاهمات محدودة مع إيران بشأن مرور السفن في مضيق هرمز.

من وجهة نظر تل أبيب، قد يكون هذا سيناريو أقل سوءاً من اتفاق أميركي - إيراني لكن فقط بشرط ألا تتدفق إلى طهران مبالغ مالية كبيرة تمكّنها من إعادة ترميم الأضرار بسرعة.

الخشية هي أن يتحول مثل هذا الترتيب، حتى من دون اتفاق سياسي شامل، إلى «أنبوب أكسجين اقتصادي» للنظام. ففي الأيام العادية، يمر عبر هرمز ما بين 100 إلى 150 سفينة يومياً، ولذلك فإن حتى ترتيب جزئي أو مُراقَب قد يتحول مع الوقت إلى مصدر دخل مهم لإيران إذا تم بشروط مريحة لها.

كما تُقدّر إسرائيل أنه إذا انهارت المحادثات بالكامل، فإن خيار العودة إلى القتال سيعود فوراً إلى الطاولة - خصوصاً مسألة ما إذا كان ترامب، مستعداً للذهاب أبعد من السابق، بما في ذلك توجيه ضربات أوسع للبنية التحتية للطاقة في إيران.

من وجهة النظر الإسرائيلية، هذا قد يؤدي إلى «تغيير دراماتيكي» في الوضع ويغيّر ميزان الضغط. لكن في هذه المرحلة، كما في مسألة الاتفاق، لا يوجد يقين. التقدير هو أن القطار لايزال في حركة - لكن لا أحد يعلم إن كانت المحطة التالية ستكون جولة مفاوضات جديدة، ترتيباً موقتاً مرتجلاً، أم عودة سريعة إلى التصعيد.