أدّت الحرب في الشرق الأوسط إلى اضطراب في أسواق وول ستريت، ما انعكس في ارتفاع تكلفة القروض العقارية، إلى جانب قروض السيارات وبطاقات الائتمان، الأمر الذي جعل تكاليف المعيشة اليومية أكثر عبئاً على الأميركيين.

ولفت مقال نشره موقع «سي إن إن» إلى ارتفاع معدلات الفائدة على القروض العقارية لمدة 5 أسابيع متتالية منذ اندلاع الحرب، قبل أن تتراجع هذا الأسبوع إلى 6.37 في المئة لمتوسط الرهن العقاري الثابت لأجل 30 عاماً، وفقاً لبيانات «فريدي ماك».

وقبل أسابيع قليلة فقط، كانت تكلفة الاقتراض أقل بكثير. ففي أواخر فبراير، وقبل يومين فقط من بدء الولايات المتحدة وإسرائيل تنفيذ ضربات مشتركة على إيران، انخفض متوسط معدل الرهن العقاري الثابت لأجل 30 عاماً إلى 5.98 في المئة، ليتراجع دون مستوى 6 في المئة للمرة الأولى منذ أكثر من 3 سنوات.

وتتبع معدلات اقتراض المستهلكين مؤشرات مختلفة. فبعض القروض، على سبيل المثال، يرتبط بعوائد سندات الخزانة الأميركية، والتي ارتفعت حالياً مع تصاعد مخاوف المستثمرين في شأن التضخم.

في المقابل، ترتبط أنواع أخرى من القروض بسعر الفائدة الذي يحدّده مجلس الاحتياطي الفيدرالي. وقد تبنّى الاحتياطي الفيدرالي أخيراً نهج التثبيت في أسعار الفائدة، وهو توجه مرشح للاستمرار إذا ما أدّت زيادة تكاليف الطاقة إلى إعادة إشعال الضغوط التضخمية.

تصاعد المخاوف

وعادة ما تتحرك معدلات الرهن العقاري بالتوازي مع عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات، الذي ارتفع خلال الشهر الماضي مع استيعاب المستثمرين لارتفاع أسعار النفط، وتصاعد المخاوف من التضخم، واحتمالات زيادة الإنفاق الحكومي لتمويل الحرب. وترتفع العوائد عندما تنخفض أسعار السندات.

وارتفع عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات من أقل من 4 في المئة في نهاية فبراير إلى نحو 4.48 في المئة في مارس، قبل أن يستقر حول 4.3 في المئة هذا الأسبوع. ويُعد هذا العائد من أهم معدلات الفائدة في الاقتصاد، إذ يؤثر بشكل مباشر في معدلات الرهن العقاري ومجموعة واسعة من تكاليف الاقتراض للأفراد والشركات والحكومة الأميركية.

وقال كبير الاقتصاديين في «إل بي إل فايننشال» جيفري روش: «بدأ المستثمرون يستوعبون الآن احتمالية استمرار الحرب مع إيران لفترة أطول وما قد يعنيه ذلك للاقتصاد. وكلما طال أمد اضطراب إمدادات النفط العالمية، زادت احتمالات تصاعد الضغوط التضخمية».

القروض العقارية

وحتى مع التراجع المسجل هذا الأسبوع، فإن مشتري المنازل الذي ثبّت سعر الفائدة قبل أسابيع قليلة يمكن أن يوفر عشرات الآلاف من الدولارات على مدى عمر القرض مقارنة بمَنْ يحصل على قرض اليوم.

ففي حالة منزل بقيمة 500 ألف دولار، ومع افتراض دفعة مقدمة بنسبة 20 في المئة، سيدفع المشتري الذي ثبّت معدل فائدة عند 5.98 في المئة في فبراير نحو 28,700 دولار سنوياً من أصل القرض والفوائد. أما عند معدل 6.37 في المئة الحالي، فسترتفع الدفعات السنوية إلى نحو 29.931 دولار. ورغم أن الفارق السنوي يبدو محدوداً، إلا أنه يتراكم مع الوقت، إذ سيدفع المشتري اليوم أكثر من 36 ألف دولار إضافية على مدى 30 عاماً مقارنة بمشتري فبراير.

وقال أستاذ الاقتصاد في كلية ستيرن بجامعة نيويور، كلاري وايت: «لن يرضى المقترضون بذلك، إذ يضيف هذا عبئاً ملموساً على أقساطهم الشهرية».

ومع ذلك، ورغم الارتفاع في الأسابيع الأخيرة، لاتزال معدلات الرهن العقاري أقل من مستوياتها في الفترة نفسها من العام الماضي، حين بلغ متوسط المعدل الثابت لأجل 30 عاماً نحو 6.62 في المئة.

قروض السيارات

وقد يؤثر ارتفاع عوائد سندات الخزانة أيضاً في معدلات قروض أخرى، مثل قروض السيارات، حيث تميل أسعار الفائدة على القروض لأجل خمس سنوات إلى تتبع عوائد السندات قصيرة الأجل. وقد قفزت عوائد السندات لأجل عامين و5 أعوام خلال مارس، لتقترب من أعلى مستوياتها منذ أغسطس.

وحسب بيانات «بانك ريت»، لم تشهد معدلات قروض السيارات لأجل 5 سنوات تغيراً كبيراً خلال فترة الحرب، إلا أن استمرار ارتفاع عوائد السندات قد يُبقي هذه المعدلات مرتفعة، بعد أن سجلت زيادات السنوات الأخيرة.

وقال المحلل المالي في «بانك ريت»، ستيفن كيتس: «نحن على الأرجح أمام حالة استقرار عند مستويات مرتفعة»، وأضاف: «السؤال الأهم بالنسبة لمعدلات الاقتراض، سواء القروض العقارية التي ارتفعت بوضوح، هو مدة هذا النزاع. فطول أمده وما يرافقه من حالة عدم يقين سيكون لهما التأثير الأكبر على معدلات الاقتراض».

ويبلغ متوسط معدل قروض السيارات لأجل خمس سنوات نحو 7 في المئة، وفقاً لبيانات «بانك ريت». وبالنسبة لقرض بقيمة 30 ألف دولار لمدة 5 سنوات بهذا المعدل، تصل الدفعة الشهرية إلى نحو 594 دولاراً. ويأتي هذا الارتفاع في التكلفة في وقت يواجه فيه الأميركيون أيضاً ارتفاعاً في أسعار الوقود، إضافة إلى صعود أسعار السيارات نفسها.

وقال الأستاذ المشارك لتدريس الاقتصاد في جامعة كاليفورنيا- ديفيس، ديريك ستيميل: «سيظل تمويل قروض السيارات أكثر تكلفة لفترة أطول، ما سيزيد من صعوبة القدرة على تحمل تكلفة شراء سيارة جديدة، التي تُعد بالفعل مرتفعة تاريخياً».

بطاقات الائتمان

ويميل العديد من أسعار الفائدة في الاقتصاد، مثل معدلات بطاقات الائتمان، إلى التحرك وفق سعر الفائدة الأساسي الذي يحدده مجلس الاحتياطي الفيدرالي، مع إضافة هامش مرتفع عادة. وقد قفزت معدلات بطاقات الائتمان خلال عامي 2022 و2023، ولايزال متوسط المعدل السنوي يتجاوز 19 في المئة.

ورغم قيام الاحتياطي الفيدرالي بخفض أسعار الفائدة عدة مرات خلال عامي 2024 و2025، بقيت معدلات بطاقات الائتمان عند مستويات مرتفعة. ولم تؤدِ الحرب مع إيران بشكل مباشر إلى زيادتها، إلا أن تراجعها في المدى القريب يبدو غير مرجح.

كما خفّض المتعاملون في الأسواق توقعاتهم في شأن خفض أسعار الفائدة هذا العام، إذ ترجح الأسواق حالياً أن يُبقي البنك المركزي الأميركي على معدلات الفائدة دون تغيير خلال الأشهر المقبلة.

وأوضح ستيميل: «إذا أبقى الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة عند مستوياتها الحالية ولم يُقدم على خفضها، فستظل معدلات بطاقات الائتمان مرتفعة، ما يصعب تحمل تكاليف المشتريات اليومية مثل المواد الغذائية أو غيرها من النفقات التي تُموّل عبر بطاقات الائتمان».