في مزيجٍ من يوم 4 أغسطس 2020 المروّع الذي حوّل بيروت محرقةً مع الانفجار الهيروشيمي في مرفأ العاصمة، و17 سبتمبر 2024 وفظائعه يوم تفجير أجهزة «البيجر» بآلاف العناصر والكوادر من «حزب الله» في عموم لبنان، زَلْزَلَتْ إسرائيل الأربعاء، العاصمة ومناطق واسعة بـ 100 غارة في 10 دقائق احتجب خلالها الشطر الغربي من «ست الدنيا» خلف غبار ما يشبه الدمار الشامل الذي تَغَمَّسَ بدماء مئات الضحايا والجرحى في فصلٍ هو الأكثر رعباً وترويعاً في جولتيْ الحرب، الثالثة التي انفجرت في كنف «طوفان الأقصى» خريف 2024، والرابعة التي اندلعت بخلفية معركة إسناد إيران التي اندلعت في 2 مارس الماضي.
... 8 أبريل 2026، «أربعاء أسود» وقّعت معه اسرائيل بالدم والدمار رفْضَها الضمني لوقف النار بين الولايات المتحدة وإيران - رغم موافقتها القسرية عليه - واعتراضَها الصريح والثابت على ربْط جبهة لبنان بالهدنة مع طهران وإصرارها على فصْل المساريْن اللذين وحّدتْهما الجمهورية الإسلامية (عبر حزب الله) بالحرب وأرادتْ الإبقاءَ على تَلازُمهما سِلْماً، بما يجعلها تستثمر ورقةَ الحزب على طاولة الأسبوعين المفصلييْن، وتقوّي موقعَها في إدارة بنود التفاوض الشائك وربما تُقايِضُ بينها أو تحاول توزيعَ التنازلاتِ المتّصلة بها علّ ذلك يَحْفَظ لها ولو بقايا مكتسباتٍ راكمتْها على مدى عقود وباتت برسم الاندثار تحت وطأة «الغضب الملحمي» و«زئير الأسد».
«الظلام الأبدي»
وفيما كانت أنظارُ لبنان كما العالم شاخصةً على الضوء الذي لاح في النفق المُظلِم للمنطقة منذ إعلان وقف النار مع إيران، وهل «بلاد الأرز» مشمولة به، وهل يشكّل مدخلاً لحلّ دائم وشامل أم يكون مجرّد «استراحة محارب» في ضوء الألغام المزروعة في بنود التفاوض والهوة الفاصلة بين ورقتيْ واشنطن وطهران، والتي عَكَسَتْها «اللغتان» اللتان صاغت بهما الجمهورية الاسلامية الاتفاق الإطار الذي وُلدت في رحمه هدنة الأسبوعين، حلّ «الظلامُ الأبدي» (العملية الاسرائيلية) على بيروت خصوصاً، تاركاً ظلالاً كثيفة حول ليس فقط الجبهة مع «حزب الله» وانزلاقها غير المفاجئ نحو نموذج غزة موسّع، بل أيضاً حول مدى إمكان صمود التهدئة على «الجبهة الأم».
وعلى وهج الغارات التي نفّذتْها 50 طائرة حربية شاركت بإلقاء 160 قنبلة على لبنان، لا سيما بيروت التي لم يسبق أن عاشتْ - منذ انفجار المرفأ وتفجيرات «البيجر» - مثل هذا المَشهد الدموي الذي ساد في قسم كبير من مناطقها، من عين المريسة وعين التينة، مروراً بكورنيش المزرعة وبربور والنويري والحمرا ورأس بيروت والمصيطبة والبسطا، وما التقطتْه العدسات من فيديوهات مروعة للمجزرة الأفظع التي كادت تخطف الأنظار عن اتفاق وقف النار مع إيران ومآلاته، ساد الترقّب الأكبر لمسألتين متداخلتين:
- الأولى، هل تكريس تل أبيب الفصل بين جبهتيْ لبنان وإيران بالنار، هو بمثابة إعلان ذروة جديدة للحرب مع الحزب ستستمرّ على امتداد اسبوعيْ المفاوضات الأميركية - الإيرانية وبعدها، وذلك بما يَضمن لاسرائيل أن تعالج «بيدها» ملف الأذرع ولا سيما حزب الله وسلاحه بوصفه عنواناً غير قابل للتفاوض، وذلك وفق موازين القوى التي فرضتْها منذ خريف 2024 وصولاً الى مجريات الشهر المنصرم وما حققته خصوصاً على صعيد التوغل البري، عوض أن يكون ذلك على طاولة تفاوض تقوده طهران ويتحوّل معها الحزب وترسانته ورقة أخذ وردّ من ضمن الاتفاق الشامل، وسط اعتبار أوساط متابعة أن أي تسليم من تل ابيب بوحدة مسار التهدئة حالياً سيعني أن هذا سينسحب على خلاصات المفاوضات التي تخشى ألا تراعي بالمستوى نفسه أولويات الدولة العبرية.
ولم تتأخر بلورة تل أبيب خلفيات عاصفة النار الأعتى (شملت مركزاً كان يُعتقد أن الامين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم موجود فيه) والتي أدارها رئيس الأركان ايال زامير - كما أظهرته صور نُشرت له من غرفة العمليات - الذي أعلن «سنواصل ضرب حزب الله الإرهابي وسنستغل كل فرصة - ولن نساوم على أمن سكان الشمال»، قبل أن يخرج وزير الدفاع يسرائيل كاتس، ويقول «أصررنا على فصل الحرب مع إيران عن القتال في لبنان من أجل تغيير الواقع في هذا البلد وإزالة التهديدات التي تواجه شمال إسرائيل»، كاشفاً «نفذنا هجوماً مفاجئاً على المئات من عناصر حزب الله وهو أكبر ضربة ضدّ الحزب منذ عملية «البيجر»، مضيفاً «حذرنا نعيم قاسم من دفع ثمن باهظ لمهاجمته إسرائيل... وسيأتي دوره قريباً».
وجاء ما أوردتْه صحفة «يديعوت أحرونوت» عن «أن جيش الدفاع سيضرب من دون انذارات في لبنان خلال الساعات الـ 48 المقبلة»، ليؤكد المؤكد لجهة ما سبق أن مهّدت له إسرائيل من «كابوس» و«سيناريو أسوأ» لجهة أن أي وقف نار مع إيران، من دون إسقاط النظام، سيجعلها ترّكز كل قوتها النارية وفوهاتها على «حزب الله» بوصفه الخطر الأكبر والأقرب عليها والذي لن تساوم على درئه في أي شكل.
- أما الترقب الثاني، فساد لارتداداتِ «تسونامي النار»، على الهدنة على جبهة طهران وتالياً على مجمل مسار التفاوض الصعب والذي كان له مرتكزان كنقطة انطلاق للتهدئة، مضيق هرمز (أولوية أميركية) ووحدة الجبهات في وقف النار (أولوية إيرانية)، وسط تقارير تحدّثت عن أن تل ابيب تفاجأت بالمقترح الباكستاني قبيل انقضاء مهلة ترامب وبقبول واشنطن به.
«أرض محروقة»
وسريعاً، وعلى وقع تقديراتٍ لم تستبعد أن يكون بين أهداف ما بدا أشبه بسياسة «أرض محروقة» في قلب بيروت اعتمدتها إسرائيل «حرق» وقف النار على جبهة إيران عبر إحراجها لإخراجها عن مندرجاته، اتجهت الأنظار إلى ردّ فعل طهران قبل يومين من موعد أول جولة تفاوض مباشر مع الولايات المتحدة، وخصوصاً أن تل ابيب نجحت في فرض اختبارٍ حقيقي أمام الجمهورية الاسلامية لجهة مدى استعدادها لفرط كل مسار المفاوضاتِ وتالياً وضع نفسها مجدداً تحت مقصلة «ضربة العصر الحجري»، التي لوّح بها ترامب، من أجل ضمان بقاء أذرعها ورقة بيدها عوض التسليم بأن الدولة العبرية لن تقبل بربط الجبهتين سلماً.
ولم تتأخر إيران في إطلاق إشارات ردّ أولي بإعلان أنها أوقفت مرور ناقلات النفط في مضيق هرمز بسبب الغارات الإسرائيليّة على لبنان، بالتوازي مع ما اوردته «وكالة تسنيم للأنباء» عن مصدر مطلع من أن إيران ستنسحب من اتفاق وقف النار في حال استمر خرق إسرائيل له بمهاجمة لبنان، وما نقلته «رويترز» عن أن طهران تدرس شن ضربات على إسرائيل «وسط انتهاكها للهدنة في لبنان»، و«برس تي في» عن مصدر من أن طهران ستعاقب إسرائيل على الهجمات التي شنّتها على «حزب الله» في «انتهاك لوقف النار».
ترامب
والأكثر دلالة كان ما أعلنه الرئيس دونالد ترامب، في تصريحات لـ «PBS» من أن لبنان غير مشمول باتفاق وقف النار، مشيراً إلى أن إيران على علم بهذا الأمر، وموضحاً «أن استبعاد لبنان جاء بسبب حزب الله، فوجوده كان عاملاً رئيسياً في عدم إدراج لبنان ضمن الاتفاق».
وإذ نُقل عن الرئيس الأميركي أن طهران تدرك أن نطاق وقف النار لا يشمل الساحة اللبنانية، وإشارته إلى أنه «سيُعالَج هذا الأمر أيضاً لا بأس»، لم يكن ممكناً الجزم هل يشكل هذا الأمر إسناداً لإسرائيل وتعويضاً لها عن الهدنة مع إيران، أم تمهيد لمزيد من الاتصالات لشمول لبنان بوقف النار، وأقله العودة بالوضع لما كان عليه قبل 2 مارس، كي لا تنهار كل المفاوضات.
وقائع الكابوس
وكانت هزت بيروت، سلسلة غارات عنيفة متزامنة، شملت الى جانب بيروت مناطق عدة في البقاع (حيث سقط 20 ضحية) وعاليه وصيدا (حيث قتل الشيخ صادق النابلسي شقيق القيادي في حزب الله محمد عفيف الذي اغتيل خريف 2024)، وسط حال من الهلع والفوضى الكاملة في العاصمة ونداءات استغاثة ومناشدات لتأمين وحدات الدم للمستشفيات وفتح الطرق لسيارات الاسعاف والدفاع المدني.
وبينما ذكرت وزارة الصحة أن عدد الشهداء بلغ 112 والجرحى 837، أعلن جهاز الدفاع المدني سقوط 254 قتيلاً و1165 جريحاً.
وأعلن الجيش الإسرائيلي على لسان أفيخاي أدرعي «ان جيش الدفاع وجه قبل قليل ضربة واسعة استهدفت مقرات وبنى تحتية عسكرية تابعة لتنظيم حزب الله في أنحاء بيروت والبقاع وجنوب لبنان. تُعد هذه الضربة الأكبر التي استهدفت بنى حزب الله منذ بداية عملية زئير الأسد».
وأضاف: «في هذه الضربة استهدف جيش الدفاع مقرات ومراكز قيادة وسيطرة ومنظومات عسكرية تابعة لحزب الله، مقرات استخبارات وهيئات مركزية استُخدمت من قبل عناصر حزب الله لتوجيه وتخطيط مخططات إرهابية ضد قوات جيش الدفاع ومواطني دولة إسرائيل».
ولفت إلى أن هذه الضربة استندت إلى معلومات استخباراتية دقيقة «وقد خُطط لها بعناية على مدى أسابيع طويلة من قبل هيئة العمليات، وهيئة الاستخبارات، وسلاح الجو، والقيادة الشمالية، بهدف تعميق الضربة التي يتم توجيهها لحزب الله».
وتابع: «تم زرع معظم البنى التي تم استهدافها في قلب مناطق مدنية، كجزء من الاستغلال الذي يمارسه حزب الله للمدنيين في لبنان كدروع بشرية لحماية نشاطه. وقبل تنفيذ الضربات، تم اتخاذ إجراءات للحد من إصابة غير المتورطين قدر الإمكان».
واستطرد أدرعي «لقد قرر حزب الله الانضمام إلى المعركة والعمل برعاية النظام الإيراني، مما يضر بدولة لبنان وبمواطنيه. وعلى دولة لبنان ومواطنيه معارضة تموضع حزب الله في المناطق المدنية ومحاولاته للتسلح العسكري. وجيش الدفاع سيواصل العمل بقوة ضد حزب الله، ولن يسمح بالمساس بمواطني دولة إسرائيل».
في موازاة ذلك، قال وزير الخارجية جدعون ساعر إن «رئيس لبنان جوزف عون ورئيس وزرائه نواف سلام لا يخجلان من مهاجمتنا لقيامنا بما كان يجب عليهما فعله وهو ضرب حزب الله».
وقال ان «وزراء حزب الله لا يزالون يشغلون مناصب في الحكومة اللبنانية، بينما ما زال السفير الإيراني محمد رضى شيباني في بيروت».
وكان عون، وبعد ساعاتٍ من اتصالات تلقاها من دول صديقة وأجراها مع أخرى، لضمان شمول لبنان بوقف النار، أكد بعيد الغارات المتزامنة المروعة، ان «هذه الاعتداءات الهمجيّة، التي لا تعرف الحقّ ولا تحترم أيّ اتفاقات أو تعهّدات، أثبتت تكراراً استخفافها بكل القوانين والأعراف الدولية (...) واليوم، يُمعن الإسرائيلي مجدداً في عدوانه، مرتكباً مجزرة جديدة تُضاف إلى سجله الأسود، في تحدٍّ صارخ لكل القيم الإنسانية، وضارباً بعرض الحائط جميع الجهود الرامية إلى التهدئة والاستقرار».
وقال «إنّ هذا التصعيد الخطير يُحمّل الإسرائيلي كامل المسؤولية عن تداعياته، ونؤكد أنّ استمرار هذه السياسات العدوانية لن يؤدي إلا إلى مزيد من التوتر وانعدام الاستقرار، في وقتٍ أحوج ما يكون فيه الجميع إلى التهدئة واحترام الالتزامات»، مضيفاً «إذ ندين هذه الجريمة بأشدّ العبارات، نؤكد ضرورة تحمّل المجتمع الدولي مسؤولياته لوقف هذه الاعتداءات المتكررة، ووضع حدٍّ لهذا النهج العدواني الذي يهدّد الأمن والاستقرار في المنطقة».
أما سلام فقال «في حين رحّبنا بالاتفاق بين إيران والولايات المتحدة، وكثّفنا جهودنا للتوصّل إلى اتفاق لوقف النار في لبنان، تواصل إسرائيل توسيع اعتداءاتها التي طالت أحياء سكنية مكتظّة، وراح ضحيتها مدنيون عزّل، في مختلف أنحاء لبنان، ولا سيّما في العاصمة بيروت، غير آبهة بكل المساعي الإقليمية والدولية لوقف الحرب، ناهيك عن ضربها عرض الحائط بمبادئ القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، التي لم تحترمها يوماً أصلاً. وجميع أصدقاء لبنان مدعوون إلى مساعدتنا على وقف الاعتداءات بكل الوسائل المتاحة».