قال رئيس مجلس إدارة شركة طيران الجزيرة، مروان بودي، إن مطاري القيصومة والدمام أصبحا اليوم «الرئة» التي تتنفس منها الكويت لنقل الركاب والبضائع في ظل الظروف الحالية، موجهاً الشكر إلى المملكة العربية السعودية على ما وصفه بـ«فتح المجال الجوي وتقديم جميع التسهيلات» لشركات الطيران الكويتية.

وأضاف في مقابلتين مع «العربية Business» و«الشرق بلومبيرغ» من الكويت، أن ما جرى خلال الأزمة سيُظهر لاحقاً حجم التلاحم بين الكويت والسعودية ودول الخليج، مشيداً بدور الطيران المدني السعودي والجهات المعنية في الدمام وحفر الباطن.

ولفت بودي، إلى أن «الجزيرة» تمكنت من استعادة نحو 40 في المئة من قدرتها التشغيلية مقارنة بما كانت عليه قبل اندلاع الحرب، عبر نقل الركاب براً إلى المطارات السعودية، بعد تحويل جزء من عملياتها إلى مطاري القيصومة والدمام في السعودية، حيث تم تشغيل الرحلات منها إلى وجهات متعددة حول العالم، متوقعاً رفع النسبة إلى 50 في المئة بنهاية أبريل و60 في المئة النصف الثاني من مايو، إذا استمرت الترتيبات التشغيلية الحالية.

طاقة تشغيلية

وحول إمكانية العودة السريعة إلى الطاقة التشغيلية الكاملة في حال توقفت الحرب، قال بودي، إن «الجزيرة» جاهزة من ناحيتها، لكن العودة الكاملة تبقى مرتبطة بجاهزية مطار الكويت واستئناف عملياته بصورة طبيعية، موضحاً أن هذا القرار يعود في الأساس إلى الإدارة العامة للطيران المدني في الكويت.

وبيّن، أن الشركة لم توقف طائراتها عن العمل، بل أبقتها في الخدمة بعد نقل جزء من الأسطول إلى السعودية، إلى جانب نقل الأطقم والعمليات التشغيلية واللوجستية، مؤكداً أن «الجزيرة» لم تحافظ فقط على حركة الركاب، بل واصلت أيضاً نقل الأغذية والبضائع، حيث بات الشحن الجوي جزءاً أساسياً من معادلة التشغيل الحالية.

وأشار بودي، إلى أن خريطة الوجهات تغيّرت بالكامل، مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب، إذ تراجع التركيز على السفر السياحي، مقابل زيادة الطلب على السفر الضروري إلى وجهات مثل مصر، ودول شبه القارة الهندية، وبعض الوجهات الأوروبية، وفي مقدمتها إسطنبول، مضيفاً: «السفر في هذه المرحلة لم يعد ترفاً أو متعة، بل أصبح حاجة».

رفع تدريجي

وبيّن بودي، أن الشركة تُشغّل حالياً رحلات إلى أكثر من 36 وجهة ومحطة، وأن نسبة إشغال الرحلات المغادرة نحو 85 في المئة، بينما تتراوح نسبة إشغال الرحلات القادمة بين 50 و55 في المئة، منوهاً إلى أن «الجزيرة» تعمل وفق برنامج تصاعدي لرفع الطاقة التشغيلية من خلال العمليات المنطلقة من السعودية.

ولفت إلى أن «الجزيرة» أصبحت من أكبر المشغلين في مطار القيصومة، وبين أكبر المشغلين في مطار الدمام خلال هذه المرحلة، منوهاً إلى أنه بتحرك «الجزيرة» السريع استطاعت العمل أول أسبوع من بداية الأزمة بعد قيامها بنقل طائرتها إلى السعودية، إذ تم تشغيل نحو 20 طائرة في الدمام والقيصومة.

وشدّد بودي، على أن التحدي الأكبر ليس في الطائرات أو التشغيل الجوي، بل في الجانب اللوجستي، موضحاً أن «الجزيرة» اضطرت إلى نقل مركز عملياتها بالكامل من مطار الكويت إلى موقع جديد في أرض المعارض، والذي يضم جميع الخدمات التشغيلية، من إنهاء إجراءات السفر وتسجيل الأمتعة إلى الخدمات المساندة والمرافق التجارية، مضيفاً: «أصبح لدينا مطار بري جديد يخدم الركاب في هذه المرحلة، فيما تشغّل الشركة أكثر من 180 حافلة، بالتعاون بين شركات كويتية وسعودية، لنقل الركاب من مدينة الكويت إلى المطارات السعودية».

وأضاف بودي، أن أكبر تحدٍ عملي حالياً يتمثل في نقل المسافرين براً لمسافات تستغرق بين 3 و4 ساعات، لكنه أكد أن التسهيلات المقدمة من الجانبين السعودي والكويتي، بما في ذلك إلغاء رسوم تأشيرات الترانزيت إلى السعودية، خفف العبء على الركاب.

أسعار التذاكر

وفي ما يتعلق بالأسعار، قال بودي، إن أسعار التذاكر ارتفعت بشكل حاد الفترة الحالية، وأن بعض الوجهات ارتفعت بين 150 إلى 170 في المئة، حيث كانت بعض التذاكر تُباع قبل الأزمة عند مستويات 80 و90 ديناراً، واليوم تُباع عند 190 و200 دينار، عازياً هذا الارتفاع إلى 3 أسباب رئيسية تتضمن: زيادة تكاليف التأمين على الطائرات، وارتفاع تكاليف الإقلاع والهبوط، والقفزة الحادة في أسعار وقود الطائرات.

وأوضح بودي، أن التركيز على ارتفاع أسعار النفط الخام فقط لا يعكس الصورة الحقيقية، وأن كثيرين ينظرون إلى صعود النفط من 75 دولاراً إلى 110 دولارات، بينما الصدمة الأكبر كانت في أسعار وقود الطائرات نفسه، الذي ارتفع من نحو 85 دولاراً إلى بين 195 و200 دولار، ما يعني زيادة تكلفة بند وقود السيارات بنحو 135 في المئة، ونحو 240 في المئة بالنسبة لـ «الجزيرة» باعتبارها شركة طيران منخفضة التكاليف.

وأكد بودي أن الأزمة أظهرت الأهمية الاقتصادية الاستثنائية لدول الخليج، ليس فقط في النفط الخام، بل أيضاً في المنتجات النفطية المكررة، وعلى رأسها وقود الطائرات الذي كان يشكّل قبل الحرب بين 30 و35 في المئة من إجمالي تكاليف الشركة، وهي نسبة مرتفعة بطبيعتها بالنسبة إلى شركة طيران منخفضة التكلفة، موضحاً أن هذه النسبة ارتفعت إلى بين 45 و55 في المئة، ما يعني أن الوقود أصبح العامل الأكثر تأثيراً في تسعير التذاكر.

وأوضح بودي، أن «الجزيرة» لا تعتمد سياسة التحوط في وقود الطائرات، فكونها تعمل في دولة نفطية، فإن ارتفاع تكلفة الوقود ينعكس مباشرة على أسعار التذاكر، لافتاً إلى أن التحوط لم يكن ليمنع بالكامل أثر الأزمة الحالية، لأن القفزة الكبرى لا ترتبط فقط بسعر النفط، بل أيضاً بارتفاع هوامش التكرير وأسعار المنتجات المكررة، وعلى رأسها وقود الطائرات.

توافر الوقود

وقال بودي، إن «الجزيرة» لا تواجه حالياً نقصاً مباشراً في الوقود داخل الخليج، إلا أن التحدي بدأ يظهر في بعض المطارات الخارجية التي تُشغَّل إليها الرحلات، في شبه القارة الهندية وغيرها، موضحاً أن بعض المطارات باتت تطلب من شركات الطيران حمل كميات إضافية من الوقود تكفي لرحلات العودة، تحسباً لعدم توافر الوقود في وجهة الوصول.

وأضاف، أن الأزمة لم تعد مرتبطة فقط بارتفاع الأسعار، بل أصبحت في بعض الأسواق أزمة توافر فعلي للوقود، أو أن بعض شركات الطيران الكبرى في أوروبا بدأت تقليص عملياتها أو إيقاف بعض الرحلات، ليس فقط بسبب الكلفة، بل أيضاً بسبب نقص الوقود، متوقعاً أن أسعار التذاكر لن تنخفض مباشرة بعد توقف الحرب، وأن أثر الأزمة سيستمر حتى لو توقفت الحرب لما يصل 6 أشهر، نتيجة اختلال سلاسل الإمداد العالمية، ولأن وقود الطائرات المكرر لن يعود سريعاً إلى وفرة المعروض التي تسمح بخفض الأسعار.

وفي ما يتعلق بتكاليف التأمين، قال بودي، إنها لم تكن تمثل في السابق نسبة كبيرة من تكلفة التشغيل، لكنها ارتفعت حالياً بما يتراوح بين 50 و60 في المئة، حسب طبيعة الوجهات، وما إذا كانت داخل الخليج أو خارجه، أو وفق المطارات التي تنطلق منها الرحلات، موضحاً أن شركات التأمين تعيد تسعير المخاطر بشكل مباشر وفقاً للظروف الجيوسياسية، مرجحاً انخفاض تكاليف التأمين سريعاً نسبياً مع توقف الحرب، بخلاف وقود الطائرات الذي قد يحتاج إلى وقت أطول للعودة إلى مستويات أكثر توازناً.

النصف الأول... ضبابي

وعن الأثر المالي الإجمالي للأزمة، قال بودي، إن الصورة لا تزال غير مكتملة، مشيراً إلى أن الحرب بدأت خلال شهر رمضان، متزامنة مع الربع الأول 2026، الذي يُعد عادة فترة هدوء نسبي لشركات الطيران، خصوصاً بالنسبة إلى «الجزيرة» باعتبارها شركة إقليمية منخفضة التكلفة، مشيراً إلى أن الأثر المالي للحرب لن يظهر على نتائج الشركة حتى تنتهي العاصفة.

وأضاف، أن جزءاً من أسطول الشركة كان خارج الكويت قبل اندلاع الحرب لأغراض الصيانة والتحديث، ما يصعب احتساب الأثر الكامل للأزمة في هذه المرحلة، مشيراً إلى أن «الجزيرة» تحتاج إلى اتضاح الصورة وانتهاء الحرب قبل تحديد التكلفة الفعلية بدقة، لكنه أبدى في المقابل تفاؤلاً حذراً في شأن المرحلة المقبلة.

وأوضح بودي، أن الطلب على السفر مرشح للارتفاع فور توقف الحرب، في ظل وجود شريحة واسعة من المسافرين حُرمت من السفر الفترة الماضية، مبيناً أن معظم الوجهات الحالية تتركز على أسواق المقيمين في الكويت، وليس السياحية، وأن هذا التحول قد ينعكس إيجاباً على النتائج المالية المرحلة المقبلة، وأن النصف الثاني من العام قد يكون أفضل من الأول.

240 مليون دولا سيولة تمتلكها... الشركة

في ما يتعلق بالسيولة، قال بودي، إن «الجزيرة» تحرص عادة على الاحتفاظ بسيولة تشغيلية تكفي بين 4 و5 أشهر من العمليات، كاشفاً أن الشركة وبعد قرار مجلس الإدارة تأجيل توزيع الأرباح، أصبحت تمتلك أكثر من 240 مليون دولار سيولة متاحة لمواجهة أي احتياجات أو طوارئ تشغيلية.

وأوضح أن التوزيعات المؤجلة تبلغ نحو 60 مليون دولار، مشدداً على أنها لم تُلغَ، وإنما أُجّلت فقط، معتبراً أن القرار كان احترازياً وسليماً في ظل الظروف الحالية، وأن هذا المستوى من السيولة يمنح الشركة قدرة تغطية تصل 9 أشهر، ما وصفه بهامش الأمان الكبير لأي شركة طيران.

السعودية سوق إستراتيجية لـ«الجزيرة» ونتطلع للتوسع في المملكة المرحلة المقبلة

قال بودي، إن «الجزيرة» تتعامل مع المرحلة الحالية بعقلية إدارة المخاطر والاستعداد لسيناريوهات عدة، مؤكداً أن توافر السيولة لا يهدف فقط إلى امتصاص الصدمات، بل أيضاً إلى اقتناص الفرص التي قد تخلقها الأزمة.

وأشار إلى أن الشركة لا تزال في مرحلة توسع كبيرة، لافتاً إلى أن السوق السعودية تمثل بالنسبة إليها سوقاً إستراتيجية وضخمة، تتطلع إلى التوسع فيها المرحلة المقبلة، مضيفاً أن الأزمة العالمية الحالية قد تفتح المجال أمام توافر طائرات في السوق لم تكن متاحة قبلها، ما قد يخلق فرصاً تشغيلية واستثمارية جديدة للشركة، إذا توافرت السيولة والظروف المناسبة.

وأفاد أن مجلس الإدارة ينظر إلى المرحلة المقبلة من زاويتي التحوط ضد المخاطر، والاستعداد لاقتناص الفرص، في سوق طيران يواجه ضغوط الحرب، وارتفاع التكاليف واضطراب الإمدادات.