... ليلة القبض على الأنفاس، بعد نهارٍ شهد وَضْعَ «الرسمِ التشبيهي»، بالنار، لِما ستكون عليه جبهة إيران وأخواتها في المنطقة بعد انقضاء مهلة الفجر التي حدّدها الرئيس دونالد ترامب، إما لـ «اندثار حضارة» وإما لـ «شيء رائع وثوري» يوفّر فتْح «أبواب الجحيم».

هذا المشهد الذي ارتسم على تخوم ما وصفه ترامب، بأنه «واحدة من أهم اللحظات في تاريخ العالم الطويل والمعقّد»، أَسَر العالم والمنطقة بأسْرها بما فيها لبنان الذي بات منذ 2 مارس الماضي يشكّل خط دفاع هجومي أمامياً لإيران وعنها بعدما اقتاده «حزب الله»عنوةً إلى فوهة البركان المتفجّر.

وفيما كانت المنطقة نهاراً في مرمى «رياح سبّاقة» كأنها إعدادُ مسرحٍ لإعصارِ النار، وسط دقّ نفير طلائع حروب الجسور وسكك الحديد ومحطات القطارات، وتبادُل إعلان أن «الأصبع على زناد» إطلاق موْقعة ضرب البنى التحتية وفتْح بوابات «العصر الحجري»، وفق ما توعّد ترامب، إيران، بالتوازي مع تلويح طهران بالتفلّت من أي «ضبْطٍ للنفس» في ردّها وبتحريك ورقة باب المندب لإكمال الطوق حول الاقتصاد العالمي، انغمس «حزب الله» في لعبة «عض الأصابع» على الجبهة الأمّ والتي سابقتْ العدّ العكسي لموعد الثالثة من فجر الأربعاء الذي لم يكن ممكناً وقفه إلا بمهلة جديدة يمنحها الرئيس الأميركي وبدت مستبعَدة ما لم تقدّم الجمهورية الإسلامية شيئاً يُغْريه لإبقاء نافذة الفرصة الأخيرة قبل نفاذ الوقت.

«طبول تصعيد»

وفي حين انطبعت ساعات بعد ظهر الثلاثاء، بسيلٍ من العواجل والمناخات المتصلة بمساعي الوسطاء، والتي عَكَسَتْ استحالة تسليم إيران بالتخلي عن ورقة مضيق هرمز كاملة من دون ضماناتٍ أميركية ذات طبيعة «دائمة» أقلّه بعدم العودة إلى الحرب، في مقابل صعوبة تَصَوُّر أن ترضى واشنطن وتل أبيب بأن يتحوّل المضيق – وهو الحَجَر الذي قامت طهران بتحريكه فوق رقعة شطرنج المواجهة بعد انفجارها – مفتاح اتفاقٍ«بلا دسمِ» الأهداف الإستراتيجية السابقة للحرب (النووي، اليورانيوم المخصب، البالستي والأذرع)، شكّل لبنان جزءاً من الرسائل التي وجّهتها طهران عبر ساحات محورها بـ «طبول تصعيدٍ» تَرْجَمه حزب الله بهجمات صاروخية مكثّفة على شمال إسرائيل سقط العديد منها في نهاريا وكريات شمونة وتَسَبَّبَ بأضرار، و«رَبَطَ» عبرها مع ما سيكون في اليوم التالي للمرحلة «المميتة» من معركة البقاء التي تخوضها الجمهورية الإسلامية.

وفي موازاة حبْس الأنفاس الأقسى بإزاء ما قد يكون بمثابة «صندوقة باندورا» يمكن أن يستجرّ المزيد من الكوابيس على المنطقة، فإنّ لبنان الذي يَحضر في محاولاتِ تفادي الأعظم الآتي كبند في يد إيران وعلى لائحة شروطها المتصلة بأن يشمل أي وقف نار جبهته بما يعني أنها تتحكّم بجبهته ومآلاتها حرباً وسلماً، لم يعد يملك إلا التعاطي مع جزئياتٍ من عنوان مصيري تشكل واقعياً ارتداداتٍ لقرارٍ زجّ عبره حزب الله البلاد والعباد في محرقةٍ من فوق رفض الدولة ذلك وحتى إطلاقها مساراً، بقيت غالبيته حبراً على ورق، لسحب سلاحه وصولاً الى حظر جناحه العسكري.

ولعلّ من أبرز هذه الارتدادات تَصاعُد وتيرة الاحتقان الداخلي على خلفية توسُّع الاستهدافات الإسرائيلية نحو ما كان يُعتقد أنه مناطق آمنة، في بيروت وشرقها، على غرار محاولة اغتيال أحد كوادر «حزب الله» مساء الأحد في تلال عين سعادة ما أدى الى سقوط 3 مدنيين (المسؤول في القوات اللبنانية بيار معوض، وزوجته وجارتهما)، وسط ارتفاع الأصوات المعترضة على استخدام بيئات ترفض الحرب وجرّ لبنان إليها «دروعاً بشرية» أو «أكياس رمل» في «معركة إيران».

«الغليان الداخلي»

وإذ يُخشى أن يشتدّ الغليان الداخلي في حال سلكت الحرب مع إيران طريق الـ لا عودة، رغم حرص القوى السياسية بما في ذلك المعارضة لحزب الله على ضبْط ردات الفعل وتأكيد مسؤولية الدولة في حماية البلاد ومنْع وضع كل المناطق في دائرة الخطر، فإنّ قلقاً موازياً تَعَزَّز من أن تشهد جبهة الجنوب، سواء انقضت مهلة ترامب، ورست على هدنة صعبة أو على إطلاق مرحلة «الانقضاض الأخير»، اندفاعة نارية في سياق سعي إسرائيل إلى تثبيت أمر واقع جنوب الليطاني عبر التوغل البري الذي أعلنت أنه أنجز هدفه الأساسي المتمثل في بلوغ عمق 10 كيلومترات يُراد جعلها خط الدفاع الأمامي، وهو الاسم الحرَكي لمنطقة عازلة تستحضر تجربة «الشريط الحدودي» قبل العام 2000 وإن ربما بسياقات أكثر مرونة من جهة ووفق سيناريوات من الأرض المحروقة والميتة التي تتعمق كل يوم.

معركة بنت جبيل

وإذ جاءت الغارات المكثفة على أكثر من 40 بلدة جنوب الليطاني بمثابة الإشارة الأقوى إلى ما ينتظر لبنان في الساعات والأيام المقبلة، على وقع رفض إسرائيل ربط هذه الجبهة بمآلات أي وقف نار مع إيران، فإنّ تطوراً بارزاً شكّله بدء معركة مدينة بنت جبيل (القطاع الأوسط) التي شهدت أطرافها اشتباكات ضارية حالت في شكل رئيسي دون بلوغ موكب كان يتقدّمه السفير البابوي في لبنان باولو بورجيا، وممثل للبطريركية المارونية بلدة دبل القريبة في محاولة لإيصال مساعدات طارئة لنحو 430 عائلة رفضوا مغادرتها وباتوا بحكم المحاصَرين بين ناريْن.

ومنذ ساعات بعد الظهر توالت المعلومات عن اشتباكاتٍ عند أطراف ثاني أكبر مدن جنوب الليطاني، التي تبعد نحو 3 كيلومترات عن الحدود، وقام الجيش الإسرائيلي في الفترة الماضية بإحكام الطوق حولها، تمهيداً لمحاولة دخولها هي التي تحتل رمزية خاصة كونها شهدت قبل 26 عاماً احتفال التحرير الذي أعلن فيه السيد حسن نصر الله، عبارته الشهيرة «إسرائيل أوهن من بيت العنكبوت».

وفي وقت تحدثت تقارير عن مواجهات عنيفة تدور عند مثلث عيناتا – مارون الراس – بنت جبيل بين «حزب الله» والجيش الإسرائيلي الذي يحاول التوغل في هذه المنطقة للإطباق على المدينة، أعلن الحزب في بيان أنه يخوض «اشتباكات عنيفة مع قوّة من جيش العدوّ الإسرائيليّ عند الأطراف الشرقية لمدينة بنت جبيل بالأسلحة الخفيفة والمتوسّطة بالتزامن مع استهدافها بالأسلحة الصاروخيّة وقذائف المدفعيّة، واستهدفت دبّابة ميركافا بصاروخ مباشر وحقّقت إصابات مؤكدة، ولاتزال الاشتباكات مستمرّة حتى صدور هذا البيان».

وترافق ذلك مع تطور بارز تمثل في ما أورده موقع «واللا» الإسرائيلي عن أن وزير الدفاع يسرائيل كاتس، درس خيارات أخرى لإجلاء اللبنانيين من شمال نهر الليطاني إلى نهر الزهراني، وذلك لإبعاد الخطر عن جنود الجيش الإسرائيلي الموجودين داخل لبنان، فيما كان الناطق باسم الجيش افيخاي ادرعي يعلن عبر منصة اكس «انضمام قوات الفرقة 98 إلى العملية البرية المركزة في جنوب لبنان بالتزامن مع أعمال الفرق العسكرية 91 و36 و146 و162»، لافتاً إلى أن «قوات جيش الدفاع استكملت انتشارها على خط منع إطلاق الصواريخ المضادة الدروع وتواصل العمل في المنطقة بهدف تعزيز خط الدفاع الأمامي وإزالة التهديد عن سكان الشمال».

من جهة أخرى، أعلن الجيش الإسرائيلي أنه قصف سابع جسر على نهر الليطاني في لبنان، والذي، بحسب بيان الجيش، يُستخدم من عناصر حزب الله لنقل الأسلحة والصواريخ إلى جنوب لبنان.

لا خوف من فتنة

وعلى وهج هذه التطورات المتدحرجة، أعلن الرئيس اللبناني العماد جوزف عون «أن مسؤولية الحفاظ على الأمن في الداخل اللبناني في هذه الظروف، مشتركة وتتطلب التنسيق الكامل بين المواطنين والجيش والأجهزة الأمنية والبلديات»، موضحاً «أن الجيش نفذ عملية إعادة انتشار في بيروت ومناطق أخرى عدة، وسيكون أكثر حضوراً مع قوى الأمن الداخلي وبقية الأجهزة مع التشدد أكثر في فرض الأمن لطمأنة المواطنين الآمنين في منازلهم».

وشدد أمام زواره على «أن الوضع الأمني الحالي ممسوك ولا خوف من فتنة أو فلتان أمني داخلي، وأن ما يحصل من مشاكل، محدودة وتتم معالجتها بالسرعة اللازمة، إلا أن هناك من يركّز على البناء على الخوف من الفتنة المذهبية خدمة لمصالحه، ولكن الظروف الحالية مغايرة لما كانت عليه في السابق فالوعي شامل من الشعب والمسؤولين السياسيين والروحيين، لأن لا قدرة لاحد ان يحتمل الفتنة الداخلية».

وأضاف: «لن أسمح بحصول الفتنة، وكل من يحاول تغذية هذا المنحى أن عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو عبر الإعلام، يشكّل خطراً على لبنان ويقوم بعمل أسوأ من الاعتداءات الإسرائيلية، وعلينا التمييز بين المصلحة الوطنية ومصلحة الخارج، وليس لدينا خلاص إلا الدولة».

وإذ أكد «لن أسمح في عهدي باتهام أي مواطن صمد في قريته وبلدته بالعمالة أو الخيانة بمجرد أنه اختار الاستمرار في العيش في مسقط رأسه»، قال:«مبادرتي التفاوضية (مع إسرائيل) اكتسبت تأييداً دولياً كونها الطريق السليم للوصول إلى الحل، خصوصاً أن لبنان عقد اتفاقات سابقاً مع إسرائيل على غرار اتفاق الهدنة واتفاقية الترسيم البحري»، لافتاً في سياق آخر إلى«أن الاتصالات تركز على الحصول على ضمانات بعدم استهداف معبر المصنع الحدودي الأساسي بالنسبة إلى لبنان وسوريا على حد سواء».

معبر المصنع

وجاء كلام عون عن معبر المصنع بالتوازي مع استمرار قفله وسط معلومات صحافية عن«اتصالات متواصلة بين الجانبين السوري والأميركي لبحث الضمانات المطلوبة لإعادة فتحه»، وأن هذه الاتصالات«أفضت إلى اتخاذ إجراءات إضافية في المنطقة العازلة الممتدة بين جديدة يابوس والمصنع وتشديد المراقبة الأمنية السورية عليها من دون التوصل حتى الآن إلى اتفاق على إعادة فتح المعبر».

وأوردت قناة«الجديد» اللبنانية أن «الاتصالات التي أجراها رئيس الحكومة نواف سلام، بالتنسيق مع الرئاسة السورية ووسطاء دوليين أسفرت عن تراجع إسرائيلي عن استهداف المصنع»، ناقلة عن مصدر أمني أن «الأمن العام لم يتلق أي ضمانات للعودة إلى فتح المعبر الحدودي في المصنع وإعادة الأجهزة الأمنية إلى مراكزهم فيه» وأن «العمل يجري الآن العمل لفتحه مع ضمانات».

كما نقلت القناة عن مصادر دبلوماسية أن «ثمة مساعٍ رئاسية سورية قادها الرئيس أحمد الشرع، عبر اتصالات مع قادة دول فرنسا وتركيا والإمارات والأردن، بالتوازي مع تواصل وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني، مع سلام وأفضت إلى ضمان عدم استهداف إسرائيل لمعبر المصنع من دون التوصل حتى الساعة إلى اتفاق على معاودة فتحه».