مع اتساع نطاق نيران الحرب الإقليمية الدائرة حالياً في المنطقة، من الواضح أن البشر والحجر والإنتاج ليسوا المتضررين الوحيدين، فحتى باقات الزهور اللطيفة لم تسلم من تداعيات العدوان، لتنضم مع ذلك إلى ضحايا الحرب المفتوحة في المنطقة.

فمنذ اندلاع المواجهة العسكرية 28 فبراير الماضي، بين أميركاً وإسرائيل من ناحية وإيران من جهة أخرى دخل قطاع الزهور والنباتات الحية في مواجهة تحديات لوجستية ومالية لم يشهدها منذ عقود، حيث تعرض لصدمة مزدوجة انخفض معها معدل المعروض منه بسبب تعقيدات الشحن عموماً ومعدل طلبه الفترة الأخيرة مع إلغاء الفعاليات والمناسبات محلياً.

وفي الوقت الذي كان يتوقع أن يسجل القطاع المحلي واردات تقارب 14 مليون دينار بنهاية 2025 حسب بيانات الإدارة المركزية للإحصاء، تتنامى التوقعات بتباطؤ النمو بـ 2026، بعد أن شهد الشهر الأول من الحرب أحد أبرز مواسم طلب الورود للهدايا في مناسبة عيد الأم، مع توقف شبه كامل للواردات على امتداد الشهر، فيما عمق خسائر القطاع إلغاء الفعاليات والمناسبات العامة خلال شهر مارس الماضي حفاظاً على السلامة ما أدى إلى تراجع المبيعات بحدود ملموسة.

ووفقاً لجولة ميدانية على سوق الزهور المحلي لوحظ ارتفاع في أسعار باقات الجملة بنحو 3 دنانير للباقة الواحدة حسب عاملين في السوق، وسط شح حاد في الأنواع الرئيسية القادمة من هولندا وكينيا، اللتين تستحوذان على حصة الأسد من التوريد للسوق المحلي بواقع 11.2 مليون و5.4 مليون دولار على التوالي.

ورقمياً يبلغ معدل واردات الكويت ربع السنوية 2025 من الورود نحو 3.3 مليون، لكن مع بيانات مؤشر الركود القسري بالفل الأول من العام الحالي وتوقف شريان الإمداد الجوي الحيوي الذي يعتمد عليه القطاع في نقل بضائعه، تزداد الترجيحات المحاسبية بأن تؤدي هذه الحالة إلى تآكل القيمة الإجمالية لمبيعات السوق المحلي للورود.

ومن أكثر أدوات الضغط التي تسهم في تعزيز فجوة تصدير الورود الزيادة الملحوظة في تكاليف التشغيل، بعد أن قفزت أسعار الشحن الجوي إلى 5.8 دولار للكيلوغرام من الدول المصدرة، وهو الرقم الأعلى خلال 10 سنوات حسب بيانات مجلس الزهور الكيني، ما يضع المستورد المحلي أمام خيارين أحلاهما مر إما وقف الاستيراد أو تمرير الكلفة للمستهلك.

خطة الطوارئ

ومع إغلاق الأجواء وتكرر تعطل حركة الطيران، أشار العاملون إلى تفعيل أصحاب المحلات خطة طوارئ براً عبر السعودية لتوفير البدائل رغم وجود خسائر وزيادة في المصاريف، حيث زادت قيمة الرسوم الجمركية ورسوم النقل في المبردات التي تنتقل لمسافات أطول، فضلاً عن ارتفاع أسعار الأسمدة (اليوريا) عالمياً بنسبة 45 %.

ويقول العاملون إنه وفي محاولة للبقاء اتجهت محلات عدة قسراً نحو الورد الصناعي أو البدائل المحلية المحدودة من مزارع الوفرة والعبدلي لسد العجز في أصناف كـ «الكريز» و«الليليوم» وأنواع أخرى لسد الطلب جزئياً، وإلى ذلك، يرى العاملون أن عودة جزء من حركة الشحن وتكيف التجار مع مسارات توريد بديلة بدأ ينعكس تدريجياً على توفر بعض الأنواع آخرها ما وصل الأيام الماضية من «الجوري» و«الاستروماريا»، مع توقعات بتحسن الإمدادات في حال استقرار الأوضاع.

وأشاروا إلى أن السوق الكويتي يتمتع بمرونة نسبية، إلا أن استمرار الأزمة لفترة أطول قد يبقي الأسعار مرتفعة ويحد من تنوع المعروض.

امتدادات عالمية

ولا يقتصر تأثير الحرب على السوق المحلي، إذ أظهرت تقارير دولية أن قطاع الزهور العالمي تعرض لخسائر واسعة ففي تصريحات لمجلس الزهور الكيني، يواجه المنتجون تأخيرات حادة في الشحن وارتفاعاً كبيراً في التكاليف.

كما أشارت تحليلات منصة «بلوم سونج» الكورية إلى أن هذا القطاع يعد من أكثر القطاعات حساسية للاضطرابات الجيوسياسية، إذ يجب أن تصل الزهور للأسواق خلال 24 إلى 48 ساعة فقط بعد قطفها.

وذكرت التحليلات أن 5 دول خليجية تستحوذ على نحو 13.35 % من قيمة صادرات الزهور الكينية بإجمالي 722.9 مليون دولار، وأن القيود المطولة على المجال الجوي تؤثر بشكل كبير على سعة شحن الصادرات سريعة التلف، لا سيما أن شحنات كبرى متجهة لأوروبا تمر عبر مراكز الطيران في دبي أو الدوحة، ما يعني تأثر سلسلة الإمداد العالمية بأكملها عند تعطل هذه الممرات.