على وقع تَزايُد المؤشراتِ إلى اقترابِ الحرب مع طهران من مرحلتها الأكثر شراسة التي تَسبق قَفْلَها، من دون إمكان الجزم هل على قاعدة تَداعي ما بَقي من النظام أم بقائه لمواجهة التداعيات الكارثية والمُرْعِبة على الداخل «المتحفّز» للارتداد عليه، برزتْ ملامح عملية ترسيمٍ مبكّرة وبالصوت العالي من إسرائيل للإطارِ الناظِم لـ«اليوم التالي» لسكوتِ المدفع الذي تريده محصوراً فقط بالجبهة الإيرانية من دون لبنان.
وتولّى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تظهيرَ أن ما ربطتْه إيران بالنار على مختلف جبهات محورها، وخصوصاً عبر «حزب الله»، منذ انفجارِ الحرب في 28 فبراير تريد تل أبيب أن تفصله في أي وقفٍ للنار أو اتفاقٍ مع طهران، إذ أعلن الثلاثاء، أنه يعمل على ضمان عدم فرْض وقف نار على تل أبيب في لبنان، حال التوصل لاتفاق مع إيران، معتبراً «أن هذا القرار يجب أن يكون مستقلًا من جانب إسرائيل».
وبحسب ما نشرتْه القناة 14، فقد أشار نتنياهو، خلال اجتماع مجلس وزرائه، إلى أن بلاده «تعمل على بناء واقع أمني جديد على الحدود الشمالية (...) وتعمل بشكل مستقل تماماً، وبمعزل عن أي اتفاق يتم التوصل إليه مع طهران».
وبمعزل عما يؤشر إليه التظهيرُ الإسرائيلي الاستباقي لمَعالم ما بعد انتهاء الحرب مع طهران من كباشٍ مستمرّ على تخومِ عنوان «وحدة جبهات المحور» في الحربِ كما أَرْسَتْها إيران على الأرض و «تفكيكها» في السلم على ما تصرّ عليه تل أبيب، وهو ما يَطرح علاماتِ استفهامٍ حول هل من الواقعية افتراض أن ذلك قد يشكل عامِلاً مُعَرْقلاً لمَسارِ إنهاء المعركة مع الجمهورية الإسلامية، إذا ارتكز ذلك على بقاءِ النظامِ وإن مُثْخَناً بالجراح، فإنّ الاندفاعةَ الإسرائيليةَ على هذا الصعيد عَمَّقَتْ المَخاوفَ في لبنان من عَصْف أكبر للمواجهة على جبهته ما أن يخمد البركان الإيراني وتُرَكِّز إسرائيل «كل الفوهات» عليها.
وما عزّز هذه الخشية أنّ ما عبّر عنه كلام نتنياهو من ضغوطٍ قد يتعرض لها لوقف النار في لبنان تزامناً مع أي اتفاق حول إيران، يَتَطَلّب أوراقاً تَستخدمها بيروت وتَرْفد بها، إدارة الرئيس دونالد ترامب تحديداً، لتفويت الفرصة على تل أبيب لاستفراد «بلاد الأرز» سواء لجولاتٍ أعنف من الحرب المدمّرة ومزيدٍ من الاقتطاعات في الميدان، أو لمسار سياسي - دبلوماسي تكون لها فيه، تبعاً لمآلات هذه الجولات، اليد العليا، بما يجرّ «بلاد الأرز» إلى اتفاقٍ بمندرجاتٍ قاسية وبعد أن تُحشر في وضعية أقرب إلى lose – lose situation، إما للأرض أو لسياقاتٍ أمنية تُراعي أكثر مقتضيات ما تريده إسرائيل وصولاً ربما لاتفاق سلام بتوقيتها وشروطها.
وفي هذا الإطار، ترى أوساط مطلعة أنّ أي اتفاق على جبهة إيران سيزيل عقبةً أساسية من أمام مبادرة التفاوض المباشر بين لبنان وإسرائيل التي أَطْلَقَها الرئيس جوزف عون، ومدخلها وقف النار، باعتبار أن البُعد الإيراني لانخراط «حزبَ الله» في الحرب تحت شعار «إسناد» طهران والثأر للسيد علي خامنئي سينْتفي حُكماً.
«عاصفة نار» أعنف
إلا أنّ جعْل هذا المعطى ذا فائدة في مسار ردع تل أبيب عن «عاصفة نار» أعنف يتطلّب، وفق الأوساط، أدوات سياسية أكثر صلابة يَبقى القفل والمفتاح فيها، الأمس واليوم وغداً، ملف سحب سلاح حزب الله وتزويد الدولة اللبنانية بعناصر قوةٍ لها على أي طاولةٍ، لن يشكّلها إلا تَبَلْوُر إمكانِ تَنفيذ تعهُّدها منذ 5 أغسطس الماضي بتفكيك ترسانته بخلاف كل المسار الذي اتُّبع في الأشهر الثمانية الماضية حيث اصطدم هذا العنوان برفْض الحزب ذلك، بذريعة ظاهرها استمرار احتلال تل أبيب لنقاط على الحدود وجوْهرها حِفْظ «خطّ الدفاع» عن إيران عندما تدقّ ساعة الحرب الأميركية – الإسرائيلية معها.
«الشريط الأصفر»
وفي السياق نفسه، ترى الأوساط نفسها، أنّ مكمن القلق يتمثّل في أنّ «حزب الله»، وإلى جانب توعُّده الداخل بالارتداد عليه بعد الحرب، أظهر منذ قرار انخراطه في إسناد إيران في 2 مارس أن أولويّته الرئيسية تزويد طهران بكل مقوّمات الصمود، وسط خشية أن تَفرض الأولوية ذاتها نفسَها، في حال بقاء النظام القديم – الجديد، بمعنى أن يُبدّي مَنْح الجمهورية الإسلامية ورقة السلاحِ للأخْذِ والردّ عليها، ويُترك لبنان لطاولةٍ بموازين الميدان الذي تمضي تل أبيب فيه بمحاولة توسيع التوغل البري وإقامة منطقة عازلة يكتمل تباعاً «رسمها التشبيهي» لتكون متمماً لـ «الشريط الأصفر» في غزة وأخواتها وجنوب سوريا.
وفي الوقت الذي يتعزّز الاقتناعُ بأنّ إعلاءَ إيران شعار وقف النار «معاً» على جبهات محورها، وصولاً لمجاهرتها بفرْض بقاء سفيرها المعيّن في بيروت من فوق قرار طرْده من لبنان يعكس محاولةً لإبلاغ واشنطن وتل أبيب أن الإمرة على سلاح «حزب الله» لها وتالياً أن التفاوض «المؤثّر» يَكون معها، وذلك على قاعدة «تجميع» أوراق القوة والضغط في الطريقِ لأي اتفاقٍ على جبهتها بعدما عمدتْ خلال الحرب إلى توزيع الضغط عبر جبهاتها، لم يتوانَ نتنياهو في تَظهيرِ ما يضمره بإزاء الجنوب اللبناني، رغم «الخسائر المؤلمة» لقواته التي تحدّث عنها.
فقد أكد أنه يعمل «على إنشاء أحزمة أمنية واسعة وتطهير قرى الإرهاب في جنوب لبنان»، لافتاً إلى أنه أصدر تعليمات برسم «خط أصفر» للجيش في جنوب لبنان، لإبعاد خطر الصواريخ المضادة للدروع عن بلدات الشمال، لافتاً إلى حصول تغييرٍ في أساليب العمليات الميدانية حيث «أوعزت بتجنب إرسال جنودنا إلى منازل بجنوب لبنان، واستخدام الذخائر وآليات هندسية لتقليل الخسائر المؤلمة».
تدمير ممنهج
وسبق هذا الموقف، تعهُّد وزير الدفاع يسرائيل كاتس بتدمير جميع المنازل في القرى القريبة من الحدود في لبنان.
وقال في تصريحات نقلتها صحيفة «يديعوت أحرنوت» إن جيشه سيتموضع داخل جنوب لبنان بمنطقة أمنية حتى نهر الليطاني، في ختام العملية العسكرية و«سيفرض سيطرة أمنية على كامل المنطقة حتى الليطاني، لمنع تهديدات الصواريخ المضادة للدروع»، لافتاً إلى «أن إسرائيل تعتزم منع عودة أكثر من 600 ألف نازح من سكان جنوب لبنان، حتى يتم ضمان أمن سكان الشمال».
وأضاف: «سنغير الواقع في لبنان عبر وجود أمني للجيش الإسرائيلي بالمواقع المطلوبة، مع ردع كامل كما في سوريا وغزة».
وبرز في المقابل، إعلان الجيش الإسرائيلي أن «لا نية للعودة إلى الحزام الأمني في لبنان»، زاعماً أن «الهدف ليس تدمير جميع القرى اللبنانية الحدودية بل تطهيرها واستهداف بنى حزب الله التحتية» وأن هدف العملية البرية في جنوب لبنان السيطرة على المناطق المستخدمة لإطلاق صواريخ نحو بلدات إسرائيل، الأمر الذي اعتُبر مؤشراً إلى تضارُب ظاهري في خطط تل أبيب تجاه لبنان ولكنه لا يُسْقط تقاطعاً على السعي لاقتطاع منطقة بعمق نحو 8 كيلومترات وطول 100 ونيف بالحد الأدنى على طول الحدود لتكون منطقة عازلة ربما تحاول تل أبيب أن تَجعلها «دائمة»، وربما لحين توقيع اتفاق سلام.
وكان الجيش الإسرائيلي أفاد بمقتل 4 من عناصره وإصابة 3 آخرين خلال اشتباكات مع حزب الله في جنوب لبنان دارت من مسافة قريبة، حيث أطلق عدد من عناصره صواريخ مضادة للدروع أثناء محاولة إجلاء الجنود القتلى والجرحى.
مجلس الأمن
وفي موازاة ذلك، حضر ملف لبنان في مجلس الأمن مع الجلسة الطارئة التي عقدها بناء على طلب فرنسا لبحث «الحوادث الخطيرة للغاية التي تعرّض لها جنود حفظ السلام التابعون لليونيفيل» والذين سقط منهم 3 وجُرح 5 في أقل من 24 ساعة في استهدافين إسرائيليين للوحدة الإندونيسية، واعتبارها «أن هذه الخروق الأمنية وأعمال الترهيب التي ارتكبها جنود إسرائيليون ضد أفراد الأمم المتحدة غير مقبولة ولا مبرر لها، لا سيما بعد اتباع إجراءات منع الاشتباك. وقد تم إبلاغ السفير الإسرائيلي في باريس بهذه الإدانات بأشد العبارات».
وفيما كان التعرض لليونيفيل محور اتصال بين وزير الدفاع الإيطالي غيدو كروسيتو ووزيرة القوات المسلحة والمحاربين القدامى في الجمهورية الفرنسية كاثرين فوتران، زارت الوزيرة المفوضة للجيوش الفرنسية أليس روفو، لبنان، لإظهار دعم فرنسا لسيادته، وتأكيد استمرار التزامها الراسخ تجاهه «لا سيما في إطار قوة «اليونيفيل».
وإذ تخلل الزيارة التي التقت خلالها روفو كبار المسؤولين تسليم 39 مركبة للقوات المسلحة اللبنانية (مدرعات متقدمة، تتسع كل منها لعشرة جنود)، رحّب عون خلال استقبالها «بالدعم الذي يقدّمه الرئيس إيمانويل ماكرون للبنان لمساعدته في مواجهة التصعيد الإسرائيلي المستمر ضد الأراضي اللبنانية، وللوصول إلى وقفٍ لإطلاق النار وبدء مفاوضات وفق المبادرة التفاوضية التي أعلنّا عنها قبل أيام».
وأكد «أن الحرب لن تؤدي إلى أي نتيجة عملية، بل ستزيد من معاناة الشعب اللبناني، فيما يبقى التفاوض الحل الوحيد القادر على إعادة الأمن والاستقرار إلى المنطقة.
وقال: «لا تزال إسرائيل ترفض التجاوب مع الدعوات اللبنانية والعربية والدولية لوقف حربها على لبنان وبدء مفاوضات تضمن سيادته على كامل أراضيه، لاسيما في الجنوب حتى الحدود الدولية، وتمكّن الجيش اللبناني من إعادة الانتشار وبسط سلطة الدولة بقواها العسكرية الشرعية».
وأكد «نرحّب بالرغبة التي أبدتْها دول أوروبية وغير أوروبية في الإبقاء على قوات لها في الجنوب، بعد استكمال انسحاب «اليونيفيل» مع نهاية 2027».
ونقلت روفو إلى عون تحيات ماكرون وتأكيده على دعم لبنان في الظروف الصعبة التي يمر بها، ووقوفه إلى جانب رئيس الجمهورية في المواقف التي يعلنها، لاسيما المبادرة التفاوضية وقرارات الحكومة اللبنانية.
«منظمة خارجة عن القانون»
وفي موازاة ذلك، أفادت نقلت قناة «الحدث» بأن لبنان أبلغ الأمم المتحدة في رسالة تصنيفه جناح «حزب الله» العسكري «منظمة خارجة» عن القانون، وأن هذه الرسالة تضمّنت قرار الحكومة بحظر الأنشطة العسكرية والأمنية للحزب.
وأوردت «وكالة الأنباء المركزية» اللبنانية أن هذه الرسالة وُجهت في 3 مارس، في اليوم التالي لاتخاذ مجلس الوزراء القرار بحظر الأنشطة العسكرية لحزب الله «بهدف تبليغ الأمم المتحدة بقرار الحكومة اللبنانية، وخصوصاً أن في مجلس الأمن قرارات هائلة بهذا الخصوص تَعتبر أن «الحزب» ليس مجموعة قانونية، وسلاحه غير شرعي».
ولم تحجب هذه الأنظار عن التطورات الميدانية التي طغى عليها مضي إسرائيل في محاولة التقدم أكثر في القطاع الغربي وبلوغ شمع، وفي القطاع الأوسط السعي لمحاصرة مدينة بنت جبيل، وسط توقف أوساط مراقبة عند إعادة التموضع التي نفذها الجيش اللبناني في هذا القطاع حيث انسحب من بلدات رميش وعين ابل والطيري وبيت ياحون (قضاء بنت جبيل).
المتن الشمالي
وإلى جانب عودة الغارات إلى الضاحية الجنوبية لبيروت، واستهداف منطقة بئر حسن، استهدفت غارة، الثلاثاء، شقة في مبنى سكني في المنصورية (المتن الشمالي)، وهي منطقة تقطنها غالبية مسيحية تقع شمال العاصمة بيروت وبقيت حتى الآن بمنأى عن الضربات الاسرائيلية.
وأوردت الوكالة الوطنية للإعلام الرسمية «استهدفت غارة معادية شقة في الطابق الأرضي في احد المباني في المنصورية»، من دون إنذار اسرائيلي، بينما أفاد سكان عن سماع دوي انفجار وشاهدوا سحب دخان تتصاعد من أحد المباني في المنطقة التي تضم العديد من المصانع وشققاً مفروشة للإيجار.