أبدتْ أوساطٌ واسعة الاطلاع خشيةً من أن يعمّق تحدي طهران الدولة اللبنانية، عبر الكَسْرِ و«عن سابقٍ تصوُّر وتصميم» لقرارها بطرْد السفير الإيراني المعيّن محمد رضا شيباني، متاعب «بلاد الأرز» التي شكّل عَجْزُها عن تنفيذِ الإجراءات المتسلسلة التي اتّخذتْها في ما خصّ سَحْب سلاح «حزب الله» ثم حَظْر جناحِه العسكري والأمني إحدى خلْفيات اندفاعةِ إسرائيل نحو «حرب لبنان الرابعة» ما أن أطلق الحزبُ الصليةَ الصاروخية الأولى إسناداً لإيران في 2 مارس، وإصرارِها على المضيّ فيها حتى تغيير الواقع «بيدها» على حدودها الشمالية ورفْضها تلبية دعوة بيروت لمفاوضاتٍ مباشرةٍ بذريعةٍ بلْورها، وزير خارجيتها جدعون ساعر، اليوم الاثنين، ومفادها «بأن لبنان دولة افتراضية خاضعة فعلياً لسيطرة إيران».

ولم يكن عادياً وغداة انقضاء المهلة التي مَنَحَها لبنان لشيباني لمغادرته بعد اعتباره من وزارة الخارجية «غير مرغوب فيه» وسحْب الموافقة على اعتماده «لمخالفته أصول التعامل الدبلوماسي وموجباته كسفير معيّن»، أن تجاهر الخارجية الإيرانية بالتحدي السافر لقرارٍ سياديّ من دولةٍ أخرى يتّصل بقبول اعتماد سفير، بشخصه، أو عدمه، كما بتدبيرِ طرْده، وأن توثّق ذلك بموقفٍ جاء على لسان الناطق باسمها إسماعيل بقائي الذي قال في مؤتمره الصحافي الأسبوعي، «إن السفارة الإيرانية في لبنان تعمل الآن والسفير (شيباني) في بيروت أيضاً، موضحاً أنه«نظراً لما تم طرْحه مِن قِبل جهات لبنانية ذات صلة والنتيجة التي تم التوصل إليها سيواصل مهامه كسفير في بيروت ويواصل حضوره هناك».

وهذا الموقف لبقائي الذي نَقَلَتْه "وكالة فارس للأنباء» بهذه الصيغة، اعتُبر من الأوساط المطلعة بمثابة «7 مايو دبلوماسي» (في 7 مايو 2008 نفذ «حزب الله» عملية عسكرية في بيروت والجبل رفضاً لقرار من الحكومة يتصل بسلاح الإشارة الخاص به) قامتْ به هذه المرّة دولة مفترَضة هي إيران وبدتْ معه وكأنّها تَعتبر الدولة اللبنانية غير موجودة وقراراتها «حبراً على ورق»، وصولاً إلى إعلان ما يشبه الاعتراف الضمني بـ«دولة حزب الله» وإقامة «علاقات دبلوماسية معها» واعتماد شيباني ممثلاً لها فيها، وخصوصاً أن الإشارة إلى «جهات لبنانية» وما طرحتْه يشير إلى الرفض المعلن من الثنائي الشيعي، الحزب وحركة «أمل» وبالصوت العالي، لقرار طرْد السفير ومطالبته بعدم المغادرة.

تداعيات «التمرد»

وبحسب هذه الأوساط فإنّ تداعياتِ التمرّد الإيراني على قرار الدولة اللبنانية، يضع الأخيرة أمام امتحان شديد الحساسية، بعدما جاء كلام بقائي و«التخريجة» التي اعتمدها لمكاسرة بيروت دبلوماسياً ليجعل المسألة أكبر من قضيةِ تدبيرٍ اتّخذه وزير الخارجية يوسف رجي بتنسيق مع الرئيسين جوزف عون ونواف سلام ويمكن الردّ على تحدّيه بخطوةٍ ناعمة أو بالتسليم بالأمر الواقع واعتبار شيباني لاجئاً ومنزوع الحصانة داخل مقرّ السفارة حتى إشعار آخَر يتيح ترحيله ما أن يُضبط خارجها، ليَفرض على الدولةِ اللبنانية خطوةً بحجم «العصيان» غير المألوف ولا المسبوق وإلا استُنزف ما بقي لها من رصيدٍ وهيبةٍ تجاه الداخل كما الخارج واستُخدم انكسارُها السياسي أمام طهران وحزب الله وقوداً بمخططات إسرائيل تجاه لبنان وسرديّتها عن العجز أمام الحزب.

وإذ لم يكن صَدَرَ حتى مساء الاثنين، أي موقف رسمي لبناني بإزاء كلام بقائي، لم يُعرف كيف ستدير الحكومةُ هذا الملف الذي بدأ بوصْفه نقطةً إيجابيةً للدولة الساعية إلى استرداد سيادتها في الداخل كما تجاه أي خارج يتدخّل في شؤونها ويزجّها في«حربه»، كما فعلتْ طهران، قبل أن يتحوّل مشكلةً تُنْذِر بأن ترتدّ على «بلاد الأرز» العالقة بين نارين:

- فإذا تقّدمت خطوة إضافية توازي حجم «الإساءة» الإيرانية وعمدت الى قطْع العلاقات الدبلوماسية تكون تؤجّج الأزمة التي سبّبها طرْد السفير مع الثنائي الشيعي الذي قاطع وزراؤه جلسة الحكومة الأسبوع الماضي.

- وإذا أشاحَتْ بنظرها غامرتْ بمسألتين، أوّلهما استيلاد أزمةٍ موازية مع خصوم حزب الله في الداخل (والحكومة)، على ما عبّر عنه الاثنين، موقف رئيس حزب«القوات اللبنانية» سمير جعجع الذي اعتبر أن«قرار إيران بإبقاء سفيرها في لبنان لهو قمّة الازدراء بالقوانين الدولية وأصول التعاطي بين الدول»، مضيفاً «أمضينا العقود الأربعة الأخيرة من حياتنا الوطنية في هذا الأمر الواقع، وسنعمل بالتأكيد كل ما في وسعنا للخروج منه بأسرع وقت».

والمسألة الثانية أنّها تكون عزّزتْ «أوراق» إسرائيل وإيران معاً. الأولى التي ترفض التفاوض مع لبنان قبل أن تتولى بالقوةِ تدمير القسم الأكبر من ترسانة «حزب الله» وإقامة منطقة عازلة ربما حتى نهر الليطاني. وطهران التي لا تنفكّ تُعطي إشارات إلى أنها صاحبة «الإمرة» بأي مفاوضاتٍ باتت تريدها على كل جبهات محورها معاً، وصولاً لربْطها أي وقفِ نارٍ معها بأن يشمل جبهة الحزب، وهو المغزى العميق مِن كسْر قرار طرْد سفيرها في بيروت باعتبار أنّ تشظياته تصيب الدولة اللبنانية بالدرجة الأولى، وخصوصاً أن إيران، التي تركتْ في بيروت سفيراً «منزوع الشرعية»، باتت تلعب على طريقة«لم يعد لديّ شيء لأخسره».

«دولة افتراضية»

ولم تتأخّر إسرائيل في تلقُّف موقف إيران والبناء عليه، إذ سارع ساعر لإعلان أنه الاسبوع الماضي أعلنت الخارجية اللبنانية بشكل احتفالي السفير الايراني «شخصا غير مرغوب فيه» وحددت مهلة لطرده. وقد انتهت هذه المهلة الأحد. وهذا الصباح، السفير الايراني يحتسي قهوته في بيروت ويسخر من «الدولة» المضيفة. كما لا يزال وزراء «حزب الله» يشغلون مناصبهم في الحكومة اللبنانية.

وأضاف «لبنان هو دولة افتراضية خاضعة فعلياً لسيطرة ايران. احتلال علني لا يكاد أحد يتحدث عنه».

ولفت إلى أنه منذ 2 مارس، حين بدأ حزب الله هجومه، خلافاً لاتفاق وقف النار في نوفمبر 2024، تم إطلاق نحو 5000 صاروخ وقذيفة وطائرة مسيّرة من الأراضي اللبنانية باتجاه إسرائيل. وقد أُطلق قسط كبير منها من جنوب نهر الليطاني - وهي منطقة أعلن الجيش اللبناني في مطلع يناير أنها تحت«سيطرته العملياتية».

وجاء هذا الموقف على وقع احتدامِ المواجهات العسكرية في الوقت الفاصل عن تبلور مآلات مهلة الأيام العشرة الجديدة التي أعطاها الرئيس دونالد ترامب لمفاوضاتٍ تُحَقِّق الأهدافَ الاستراتيجية من الحرب قبل مزيد من الجولات الأكثر تدميراً، وهي المواجهات التي اتّسمتْ في «المسرح الأمّ» بـ «شراكةِ» حزب الله في استهداف منشأة النفط في حيفا وإصابتها عبر الهجوم الصاروخي المزدوج والمتزامن الذين نفّذه وإيران على إسرائيل، في حين انطبعت على الجبهة اللبنانية بمزيد من التوغل الإسرائيلي جنوب الليطاني في القطاعات الشرقية (بلغ مجرى الليطاني في بعض النقاط) والأوسط حيث تَختصر المشهد ملامح مسار لمحاصرة مدينة بنت جبيل ذات الرمزية الكبيرة لحزب الله، والغربي الذي بات الجيش الإسرائيلي فيه على مسافةٍ غير بعيدة من مدينة صور.

وإذ تفيأ هذا التقدم كلام بنيامين نتنياهو الأحد، عن أنه أوعز بتوسيع المنطقة العازلة جنوب الليطاني (باتت العمليات تدور على عمق يتجاوز 8 كيلومترات وبلغ في بعض المناطق 15 كيلومتراً)، برز تكرار وزير ماليته بتسلئيل سموتريتش «أنّنا ملتزمون بضمان أن تنتهي هذه الحرب بجعل نهر الليطاني كحدودٍ أمنية جديدة لدولة إسرائيل»، مشيراً إلى أنّ «هذا ليس مجرّد هدف عسكري، بل هو وعدٌ لمواطنينا، لسكان جميع المستوطنات الحدوديّة، الّذين سيعودون هذه المرّة إلى منازلهم كي يبقوا».

«لن نتوقف»

في موازاة ذلك، كان وزير الدفاع يسرائيل كاتس يقول خلال تفقده جنوداً من جرحى المعارك جنوب لبنان «لن نتوقف. نحن موجودون في إيران ولبنان وفي كافة القطاعات. نحن ندرك تماماً ما هو مطلوب. أنتم ورفاقكم تحملون الآن مسؤولية أمن إسرائيل على عاتقكم، وبفضلكم سنتخذ القرارات».

واستوقف أوساطاً مراقبة أن التوغل البري، الذي يتصدّى له الحزب بمواجهاتٍ مباشرة كما بعمليات ضدّ تجمعات إسرائيلية وبعضها يوقع في صفوفه قتلى (صار عددهم 6 منذ بدء التوغل) وجرحى (أعلنت إسرائيل أن عددهم ناهز 261 عسكرياً منذ بداية الحرب بينهم 22 جروحهم خطرة)، ترافَقَ مع عودة الغارات الى الضاحية الجنوبية لبيروت التي شهدت قبل الظهر استهدافين أحدهما في منطقة الرحاب، بدا اغتيالاً، وأدّى إلى سقوط شخص وجرح 10 لبنانيين و 6 سوريين بينهم 4 أطفال، ومواطنية كينيّة.

ولم يقلّ دلالةً تكرار الاعتداء على جنود من «اليونيفيل» جنوباً، حيث سقط الاثنين، جندي على الأقل من الوحدة الاندونيسية وجُرح آخرون، على طريق بني حيان - مركبا، وذلك غداة استهداف لمقر الوحدة في عدشيت - القصير، ما أدى إلى سقوط جنديّ وجرْح آخر.

وإذ اعتُبر التعرض لليونيفيل، رغم عدم حسم المسؤول عنه، في إطار السعي لجعْلها تغادر جنوب الليطاني ما يسمح ليس فقط بإطفاء العين الدولية على ما يجري فيه، بل ايضاً بالتحضير لـ «يوم تالي» مع لبنان من دون القبعات الزرق (رغم أنها ستغادر البلاد بحلول نهاية السنة)، لم توفّر الهجمات الجيش اللبناني الذي استهدف الإسرائيليون حاجزاً له في العامرية على طريق القليلة - صور«ما أسفر عن استشهاد أحد العسكريّين وإصابة آخرين بجروح»كما أعلنت قيادته.

السلم الأهلي

في هذا الوقت، أكد عون «ان لا مبرر للخوف على السلم الأهلي في لبنان، والأجهزة الأمنية تتخذ خطوات حازمة لمنع أي خلل أمني بين اللبنانيين، وتقوم بتوقيفات ومصادرة للأسلحة»، مشدداً على «ان لا أحد في لبنان يرغب باندلاع حرب أهلية، ومَن يسعى الى الاصطياد بالمياه العكرة لن تنجح مساعيه».

وقال «اليد التي ستمتد الى السلم الأهلي ستقطع».

وأشار الى الأوضاع المأسوية في الجنوب خصوصاً، بسبب الانتهاكات الجسيمة التي تقوم بها إسرائيل، والدمار الذي تلحقه بالقرى والمناطق الجنوبية، وتجاهُلها للمبادرة التي طرحها حول التفاوض، رغم الوساطات الدولية القائمة. وشدد على انه يواصل القيام باتصالات دولية متعددة لدفع الأمور باتجاه تحقيق التفاوض مع إسرائيل.