في تحليل لافت نشرته صحيفة «هآرتس» قدم المحلل العسكري الإسرائيلي رافيف دروكر، قراءة نقدية غير مسبوقة لمسار الحرب على إيران، كاشفاً عن تناقضات جوهرية في الرواية الأميركية - الإسرائيلية، والخلط بين المعتقدات اليمينية المتطرفة والأهداف العسكرية والتهديدات الحقيقية والمزيفة...

دروكر، المعروف بقربه من دوائر صنع القرار واطلاعه على كواليس المؤسسة الأمنية، قال إن «الولايات المتحدة وإسرائيل قد ضلّتا الطريق»، مشيراً إلى أن الإعلانات المتكررة بتدمير المنشآت النووية الإيرانية - وفي مقدمتها منشأة ناتانز ومفاعل آراك - تتناقض مع عودة استهدافها مرة أخرى، ما يطرح تساؤلات حول مدى دقة الإنجازات المعلنة.

وأضاف أن تصريحات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو والرئيس دونالد ترامب، في شأن استئناف إيران برنامجها النووي، تتناقض مع تقييمات رئيس الاستخبارات الأميركية، الذي أكد عدم رصد أي نشاط من هذا النوع منذ «حرب الـ12 يوماً» على إيران.

هذا التباين - كما يراه دروكر - لا يعكس فقط خللاً استخباراتياً، بل أزمة في إدارة الحرب نفسها.

من رواية الإنجاز إلى مأزق التكرار

يبني التقرير المصوّر - الذي أثار جدلاً واسعاً - على هذه القراءة، ليكشف أن ما يجري ليس مجرد تطور ميداني، بل تفكك تدريجي في السردية الرسمية الإسرائيلية والأميركية للحرب.

فكما قال دروكر، فإن العمليات العسكرية التي قُدّمت على أنها «حسمت» قدرات إيران، عادت لتُطرح كأهداف لم تُنجز بعد. وأضاف أن الحديث عن تدمير منصات إطلاق الصواريخ لم يغيّر من الواقع شيئاً، إذ تشير التقديرات الإسرائيلية ذاتها إلى أن طهران مازالت تمتلك ما بين 100 إلى 150 منصة إطلاق.

هذا التناقض، وفق تحليلات صادرة عن Institute for National Security Studies، يعكس مشكلة بنيوية في تقدير النتائج العسكرية، حيث يتم تضخيم الإنجازات في المدى القصير من دون تقييم إستراتيجي طويل الأمد تقارير عسكرية غير صحيحة «مضمون فارغ».

«الصفقة الوهمية» تلوح في الأفق

يرى دروكر، أن ترامب، يقف اليوم أمام مفترق طرق «إما التصعيد العسكري الواسع وإما إعلان إنهاء الحرب وإما اللجوء إلى اتفاق شكلي يسمح بالخروج السياسي من دون تحقيق إنجاز حقيقي».

وأضاف أن خيار الاتفاق الحقيقي مع إيران يبدو مستبعداً، لكن يمكن «التظاهر» باتفاق عبر تصريحات متبادلة تتيح لترامب، إعلان نهاية الحرب.

هذا الطرح يتقاطع مع تقديرات Council on Foreign Relations، التي تشير إلى أن الإدارات الأميركية تميل في أوقات الأزمات إلى حلول وسط تحفظ التوازن السياسي الداخلي حتى لو كانت هشة، إستراتيجياً.

سيناريو التصعيد

وفي حال قررت واشنطن وتل أبيب التصعيد، قال دروكر، إن الخيارات المطروحة تشمل «ضرب منشآت الطاقة الإيرانية وقطع الكهرباء عن طهران وتنفيذ عمليات برية داخل العمق الإيراني ومحاولة السيطرة على اليورانيوم المخصب والتحرك عسكرياً في مضيق هرمز».

لكنه حذّر من أن نتائج هذا التصعيد «يصعب التنبؤ بها».

تحليلات مؤسسة «راند» تدعم هذا التقييم، وتشير إلى أن أي تصعيد واسع قد يؤدي إلى انفجار إقليمي يتجاوز السيطرة الأميركية.

السيناريو الأخطر

في واحدة من أكثر النقاط إثارة للقلق، قال دروكر، إن السيناريو السلبي يتمثل في «انتهاء الحرب وإيران ضعيفة، لكنها أكثر تطرفاً، وقد استخلصت درساً واحداً: يجب امتلاك سلاح نووي».

وأضاف أن «النظام الإيراني، في هذه الحالة، سيقدّم نفسه على أنه صمد في وجه أقوى قوتين عسكريتين في العالم، وهو ما يعزز شرعيته داخلياً»!

هذا التقدير يتوافق مع ما نشره باحثون في مؤسسة «بروكينغز»، الذين حذروا من أن الحروب غير الحاسمة تعزز دوافع التسلح النووي بدل ردعها.

أزمة تتجاوز الحرب

ولم يقتصر تحليل دروكر، على الجانب العسكري، بل أشار إلى تداعيات اقتصادية خطيرة، حيث نقل عن رئيس الوكالة الدولية للطاقة الذرية رافاييل غروسي، وصفه للأزمة الحالية بأنها «الأشد على الإطلاق».

وأضاف أن تضرر حقل الغاز في قطر سيؤدي إلى «استمرار أزمة الطاقة لأشهر وضغوط اقتصادية على دول المنطقة وتداعيات مباشرة على دول عدة».

هذه المعطيات تعزز ما ذهبت إليه تقديرات Washington Institute for Near East Policy، التي ترى أن الحرب مع إيران تحولت إلى أزمة اقتصادية عالمية وليست مجرد صراع عسكري.

إسرائيل و«فخ ترامب»

في خاتمة لافتة، أعلن دروكر، أن نتنياهو، نجح في تحقيق هدفه بجرّ الولايات المتحدة إلى الحرب، لكنه فعل ذلك في توقيت حساس وتحت قيادة ترامب.

وأضاف أن "التحالف مع ترامب جعل إسرائيل رهينة لغروره"، مشيراً إلى أن الرئيس الأميركي لا يعطي أهمية كافية لتداعيات حرب الاستنزاف على الاقتصاد الإسرائيلي.

هذا التوصيف يعكس، وفق مراقبين في «بروكينغز»، أزمة أعمق في العلاقة بين الطرفين، حيث لم تعد المصالح الإستراتيجية متطابقة كما في السابق.

ما بين تقرير مصوّر يثير الأسئلة، وتصور إسرائيلي يكشف التناقضات من الداخل، تتشكل صورة أكثر تعقيداً للحرب.

لم تعد القضية فقط: هل ستنتصر إسرائيل أو الولايات المتحدة، بل أصبحت: هل يمكن تبرير هذه الحرب أصلاً؟ وهل تتحول من محاولة لاحتواء إيران إلى عامل يعزز قوتها؟

في ظل هذه المعطيات، يبدو أن الخيارات أمام واشنطن لم تعد عسكرية فقط، بل على مستوى دورها في المنطقة، بينما تجد إسرائيل نفسها أمام احتمال غير مسبوق: حرب بدأت بشعار الردع... وقد تنتهي بتكريس تهديد أكبر.