مع تصاعد تداعيات الحرب الإقليمية التي اندلعت منذ 28 فبراير الماضي وما صاحبها من اعتداءات إيرانية على الكويت، برز نظام العمل حكومياً عن بُعد كأحد أهم أدوات إدارة الأزمة في البلاد، حيث نجحت الجهات ومؤسسات الدولة في توظيف هذا البرنامج بما حافظ على استمرارية الأعمال والخدمات دون تعطّل، لتؤكد مع ذلك قدرةَ الدولة على إدارة الظروف الاستثنائية بمرونة، والجمعُ بين حماية الإنسان واستمرار العمل. فضلاً عن أهمية ترسيخ تجربة نجاح التحول الرقمي الذي أصبح من أهم أدوات مواجهة الأزمات بل وتسريعها.

ولعبت الأنظمة الإلكترونية والمنصات الرقمية الحكومية في الكويت دوراً محورياً في الحفاظ على استمرار النشاط الاقتصادي والخدمي وسط أجواء الحرب المشتعلة في المنطقة، حيث لوحظ استمرار تسيير إنجاز المعاملات وتسيير الإجراءات الإدارية والمالية الضرورية، فيما واصلت الجهات المعنية إصدار التراخيص ومتابعة المعاملات التجارية وتسهيل دخول الشحنات الغذائية والسلع الأساسية، إلى جانب استمرار صرف الرواتب والإعانات والمساعدات الاجتماعية في مواعيدها دون أي تأخير.

دعم الجهود

كما أسهم هذا النمط من العمل في دعم جهود الدولة للحفاظ على استقرار الأسواق وتأمين سلاسل الإمداد، في وقت واصلت فيه القطاعات الحيوية، وفي مقدمتها القطاعان النفطي والمصرفي، أداء مهامها الميدانية وفق خطط تشغيل مرنة تضمن استمرارية الإنتاج والخدمات وتلبية احتياجات السوق المحلي، ما عكس قدرة مؤسسات الدولة على التكيف السريع مع الظروف الاستثنائية.

وتفعيلاً لقرار ديوان الخدمة المدنية خفضت الجهات الحكومية أعداد العاملين لديها إلى 30 %، باستثناء القطاعاتِ التي تقتضي طبيعة عمل موظفيها تواجدهم في مقر العمل، مع تأكيد الالتزام بإجراءات السلامة المعتمدة، واتّخاذ التدابير اللازمة لتوفير أقصى درجات الحماية للعاملين، حيث نجح نحو 144.4 ألف موظف في تنفيذ خطة الطوارئ التي أعلنها مجلس الوزراء، ومتابعة سير الأعمال ميدانياً بدعم من زملائهم الذين واصلوا أداء مهامهم عن بُعد.

وبرز دور العمل عن بُعد بوضوح في تسهيل إجراءات الإفراج عن الشحنات الغذائية، بفضل اعتماد الجهات الحكومية، تقليص الدورة المستندية وتسريع الإجراءات بإنجاز معاملاتها إلكترونياً، وفي مقدمتها وزارة التجارة والصناعة والهيئة العامة للغذاء والتغذية والهيئة العامة للصناعة ووزارة المالية.

وأسهم ذلك في دخول أكثر من 600 شاحنة تجارية يومياً إلى البلاد، وفق تصريحات الإدارة العامة للجمارك في 18 مارس الجاري، إلى جانب استمرار إنجاز معاملات المراجعين في مختلف الجهات الحكومية عن بُعد.

كما واصلت «المالية» مع القطاع المصرفي والمؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية استخدام الأنظمة التكنولوجية، في متابعة وتنفيذ المعاملات المالية المقررة دون أي تأثر، في وقت يواصل فيه نحو 3400 موظف مصرفي العمل ميدانياً لضمان استمرارية الخدمات.

كما فعّلت «المالية» متابعة المتطلبات المالية للجهات الحكومية ضمن خطة الطوارئ، وتوفير احتياجاتها عبر الأنظمة الإلكترونية، إلى جانب إنجاز مختلف المعاملات المالية الحكومية.

وفي «التجارة»، أسهمت الأنظمة الإلكترونية باستمرار إصدار التراخيص التجارية وتحديثها وإلغائها، وعقد الجمعيات العمومية للشركات، إضافة إلى متابعة طلبات الشركات والإجراءات المرتبطة بالعلاقات التجارية الخارجية لتسهيل استيراد السلع، بما يدعم استقرار الأسواق المحلية ويحافظ على مرونة حركة الأعمال، إلى جانب مراقبة الأسواق وحماية حقوق المستهلكين.

القطاع النفطي

وعلى الصعيد النفطي، ورغم انخفاض الإنتاج وتوقف التصدير نتيجة إغلاق مضيق هرمز، حافظ العاملون في القطاع النفطي على وجودهم الميداني بنسبة 100 %، مع تنظيم العمل الإداري بالتناوب 30 %، حيث يؤدون في مواقعهم دوراً أساسياً في متابعة الحالة العامة للآبار وخطوط الإمداد وتأمين احتياجات السوق المحلي من المنتجات البترولية.

في هذا السياق، أكد معنيون بسوق العمل الكويتي لـ «الراي»، أن تجربة العمل عن بُعد أثبتت أن المرونة التنظيمية والتكنولوجية تمثل أدوات حاسمة لإدارة الأزمات وتحقيق الاستقرار الاقتصادي، فضلاً عن حماية الموارد البشرية في أوقات الطوارئ.

وقال رئيس اتحاد العمال العرب لعمال النفط عباس عوض، إن إدارة العمل عن بُعد في القطاعات الحيوية تتطلب دقة عالية، نظراً لما قد يترتب على الأخطاء من انعكاسات مباشرة على الإنتاج الوطني، مضيفاً أن الخبرة المتراكمة والتدريب المستمر للعاملين في القطاع النفطي مكّنتهم من التعامل مع المعطيات الحالية بكفاءة، وضمان استمرار العمليات دون تعثر مشيراً إلى أن عمال النفط في الحرب ليسوا فقط موظفين بل هم خط الدفاع الصامت الذي يحافظ على استقرار الدولة والكهرباء والطاقة ودعم الاقتصاد الوطني.

وأضاف عوض، أن وجود العمالة في وظائفهم رغم الأخطار والتحديات و«القوة القاهرة» لضمان استمرارية الإنتاج

وتشغيل الحقول النفطية والمصافي من دون توقف والمحافظة على معدلات الإنتاج المطلوبة والتعامل مع أي خلل أو انخفاض بالإنتاج بشكل فوري، إلى جانب صيانة وتشغيل المرافق الحيوية وضمان جاهزية أنظمة الطوارئ وإصلاح الأعطال بسرعة لتفادي توقف العمليات وتوفير الوقود لمحطات الكهرباء والتنسيق مع الجهات الحكومية لضمان الاستقرار.

القطاع المصرفي

من جانبه، أوضح رئيس مجموعة مصرفي فيصل الكندري، أن البنوك فعّلت خططها لمواجهة التداعيات الجيوسياسية عبر إجراءات احترازية، شملت تقليل أعداد الموظفين في مقار العمل إلى نحو 30 % وتنظيم الحضور بالتناوب مع السماح بالعمل عن بُعد، دون التأثير على تلبية احتياجات العملاء.

وأشار الكندري إلى تعليق العمل موقتاً في بعض الفروع الرئيسية في العاصمة، بما ساهم في حماية العاملين مع استمرار تقديم الخدمات المصرفية.

الخبرة والتدريب

بدوره، قال مستشار الاتحاد العام لعمال الكويت ورئيس فريق الطوارئ والأزمات محمد العرادة، إن الخبرة والتدريب المستمر للعاملين مكّنا المؤسسات من الاستجابة للأزمات دون توقف الإنتاج.

وأوضح أن العمل عن بُعد أصبح أداة مهمة لضمان سلامة العاملين واستمرارية النشاط الاقتصادي، وهو نموذج اكتسبته المؤسسات منذ جائحة «كوفيد-19»، لما يوفره من مرونة تنظيمية واقتصادية، سواء من خلال تقليل المخاطر المرتبطة بالتنقل أو تمكين الشركات من مواصلة نشاطها في الظروف الاستثنائية.