تحت جنح عاصفةٍ من الإشارات المتناقضةِ التي تطلقها بإزاء استعدادها للسير بمفاوضاتٍ مباشرة مع بيروت لإنهاء «حرب لبنان الرابعة» وبلوغ حلٍّ مستدام، بدأتْ اسرائيل عمليةً بريةً في جنوب الليطاني اعتُبرت نُذُرَ دخول المواجهة مع «حزب الله» مرحلةً أقسى مفتوحة على تصعيد الحدّ الأقصى على ضفّتيْها، بما يُلاقي المسار الذي يشي بمزيد من الضراوة على جبهة «أمّ المعارك» مع إيران والتي زجّ باسمها الحزبُ «بلاد الأرز» في فوهة البركان الأخطر في المنطقة.

وعلى وهج حِراكٍ دبلوماسي أميركي – فرنسي في بيروت يواكب مفاوضاتٍ مفترَضة بين لبنان واسرائيل ما زال الحديثُ عنها أقرب إلى «جعجعة بلا طحين»، هَبَّتْ تل أبيب في عمليةٍ بريةٍ أعلنت عنها الاثنين، وبدا معها أنها «وقّعت بالنار» على الطابع المؤجَّل لأي «كلامٍ» قبل أن يقول الميدان كلمته التي تُسمع على أيّ طاولةٍ تُعقد في فرنسا أو قبرص.

وفيما أعلن وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس أن «الجيش بدأ عملية برية في لبنان لحماية مواطني إسرائيل»، لم يكن ممكناً معرفة حدود هذه العملية وهل هي:

- لإيجاد طبقة دفاعيةٍ ترتكز على إزالةِ بنيةِ أي مصادر تهديد عسكري وأمني من «حزب الله» على شمالها واستخدامها كورقة ضغطٍ على الطاولة عندما تدقّ ساعة عقْدها، خصوصاً في ضوء الإرباك الذي ساد بيروت مع الكشف عن مضمون أفكارٍ فرنسية كإطارٍ ناظمٍ لـ «محادثات السلام» تنطوي في جوهرها على اعتراف بلاد الأرز مبدئياً بدولة اسرائيل وبلوغ اتفاق «عدم اعتداء» أو «لا حرب»، وهو الجانبُ السياسي الأهمّ الذي يتطلّب عناصرَ حَشْرٍ لبيروت تتأتى من الوقائع الميدانية «المثبّتة»، وهو ما يفسّر أيضاً رفض تل ابيب حتى الآن التسليم بأيّ تفاوض يجري في كنفِ هدنةٍ أو وقف نار يصرّ عليه لبنان.

- أم أن العملية البرية مقدّمة لإنشاء منطقة عازلة دائمة عند نطاق حدودي بعمق 5 كيلومترات أو أكثر بقليل، يتخذ لاحقاً شكل «منطقة اقتصادية» تُسمى «منطقة ترامب» كما ساد قبل أشهر.

- أو ربما توطئةً لاجتياحٍ بري واسع، عبّر عنه الإعلان في تل ابيب عشية بدء العملية البرية رسمياً، عن أنّ الجيش الاسرائيلي سيطلب من الحكومة المصادقة على رفع عديد قوات الاحتياط إلى 450 ألف جندي، وبحيث تتولى اسرائيل سحب سلاح الحزب - وخصوصاً الاستراتيجي والمتوسط المدى ولا سيما الموجود في البقاع - بنفسها و«عن» الدولة اللبنانية التي تَعتبرها عاجزة عن تنفيذ التزاماتِها في هذا الإطار، الأمس، واليوم، وغداً في أيّ محادثاتٍ يبقى هذا الملف العقدة الرئيسية فيها إلى جانب الإطارِ السياسي لـ «اليوم التالي» للحرب، ووَقْفِ النار الذي يتقاطع حزب الله مع اسرائيل على رفْضه من زاوية استحالة أن ينكفئ عن إسناد إيران ما دامت الحربُ الأميركية - الاسرائيلية معها مستمرة.

«ثمن باهظ»

وقد أعلن كاتس في موازاة إطلاق العملية البرية أن «حزب الله» سيدفع «ثمناً باهظاً لنشاطه في المحور الإيراني وهناك تعليمات للجيش الإسرائيلي بالتحرك وتدمير بنيته في القرى الحدودية»، مؤكداً «لن يعود سكان جنوب الليطاني الى منازلهم حتى ضمان سلامة سكان شمال إسرائيل، و(الأمين العام للحزب الشيخ) نعيم قاسم يختبئ تحت الأرض ويحوّل مليون شيعي للاجئين في وطنهم».

وكان الجيش الإسرائيلي أعلن أن «قوات الفرقة 91 بدأت نشاطاً برياً محدداً يستهدف مواقع رئيسية في جنوب لبنان بهدف توسيع نطاق منطقة الدفاع الأمامي»، واضعاً «هذه العملية في إطار الجهود الرامية إلى ترسيخ منطقة الدفاع الأمامية وتشمل تدمير بنى تحتية مسلحة والقضاء على عناصر مسلحة تعمل في المنطقة وذلك بهدف إزالة التهديدات وخلق طبقة أمنية إضافية لسكان الشمال».

وأضاف: «تواصل قوات الفرقة إلى جانب الجهود الهجومية تنفيذ مهمة الدفاع عن بلدات الجليل إلى جانب قوات الفرقة 146. وسيواصل الجيش العمل بقوة ضد حزب الله الذي قرر الانضمام إلى المعركة والعمل تحت رعاية نظام إيران ولن يسمح بالمساس بمواطني دولة إسرائيل».

رفع عديد الاحتياط

وفي موازاة ذلك، كشفت الإذاعة الإسرائيلية «أنّ الجيش الاسرائيلي سيطلب من الحكومة المصادقة على رفع عديد قوات الاحتياط إلى 450 ألف جندي وذلك في إطار الاستعداد لعملية برية واسعة في لبنان»، في الوقت الذي نقلت «يديعوت أحرونوت» عن مصادر ان «قوات لواء غولاني أكملت انتشارها جنوب لبنان وتتمركز على عمق 7 و9 كيلومترات داخله» وأن «القتال في لبنان قد يستمر حتى نهاية مايو وسنبقى في جنوب لبنان طالما تطلب الأمر ومهمتنا مستمرة وغير محددة»، وأن كاتس يدفع نحو تعميق العملية البرية والسيطرة على الأراضي في لبنان وإبعاد تهديد الصواريخ المضادة للدروع «وقد عرض هذا التوجه في الكابينت المصغر والموسع، ويحظى حتى الآن بدعم نتنياهو لهذا المسار».

كما أوردت صحيفة «معاريف» ان الجيش الإسرائيلي كثّف عملياته في جنوب لبنان «إذ تنشط الفرقتان 91 و36 في منطقة الخيام وفي القطاع الغربي، بالتوازي مع غارات جوية وقصف مدفعي، وذلك بهدف إبعاد حزب الله عن خط الحدود المحاذي لمستوطنات «إصبع الجليل»، وأن تصعيد العمليات «يهدف إلى تعميق الدفاعات الأمامية وإلحاق الضرر بالبنية التحتية التابعة لحزب الله التي تُستخدم لتهديد بلدات المطلة وكريات شمونة ومستوطَنات الجليل بالقصف. كما يعتزم الجيش مواصلة حشد قوات إضافية من الفرقتين 98 و162، المتوقع أن تشاركا في العمليات خلال هذا الأسبوع في القطاع الغربي»، لافتة الى «أن الفرقتين 91 و36، ستواصلان العمل حتى يتم «شقّ المنطقة» والسيطرة على مواقع أمامية حاكمة».

أما قناة «الحدث» فنقلت عن مصادر «ان تل أبيب تسعى لتوسيع العمل العسكري والتوغل البطيء في جنوب لبنان، وأن الفرقتين تعملان بطريقة الدخول المحدود إلى قريتين في كل مرة، وستعملان على التطهير قبل أن تقررا التقدم إلى قرى أخرى في جنوب لبنان، وأن الجيش الإسرائيلي سيجند أعداداً كبيرة إضافية من جنود الاحتياط وينوي البقاء في بلدة الخيام وتطهيرها بالكامل».

وفي أي حالٍ فقد عَكَس الميدان الملتهب والذي ناهز معه عدد الضحايا خلال اسبوعين من الحرب 900 وأكثر من 2200 جريح، أنّ مسار النار يبقى أقوى من الدبلوماسية التي لم يَحِنْ أوانُها بعد، وسط إشاراتٍ صدرت حتى عن لبنان الى «أن تفاصيل أي مفاوضات محتملة، سواء لجهة موعدها أو مكان انعقادها أو جدول أعمالها أو الجهة التي ستمثل لبنان فيها، لم تُحسم بعد، وما عدا ذلك يبقى في إطار التكهنات»، وأن ما طُرح من فرنسا هو أفكار، كما قال نائب رئيس الحكومة طارق متري.

وفي ما يتعلق بالحديث المتزايد في وسائل الإعلام حول مسار المفاوضات والحلول المطروحة، ذكر متري «أن كثيراً مما يُتداول إعلامياً ليس دقيقاً بالضرورة»، مشيراً إلى«أن الحكومة اللبنانية أعلنت استعدادها للدخول في مفاوضات برعاية دولية، كما ورد في بيانها الرسمي، ورئيس الجمهورية عرض خلال اجتماع مع مسؤولين في الاتحاد الأوروبي مجموعة من النقاط التي تصلح لأن تكون بداية مبادرة ولكن ليست تفصيلية، وتبدأ من هدنة، ودعم الجيش اللبناني للقيام بواجب حصر السلاح، وتعزيز دور الدولة في بسط سلطتها، ورابعاً التفاوض حول ما تنفيذ ما ورد أعلاه».

وفيما كانت «رويترز» نقلت عن مسؤولين إسرائيليين ان من المتوقع أن تعقد إسرائيل ولبنان محادثات خلال الأيام المقبلة بهدف التوصّل إلى وقف دائم لإطلاق النار يُفضي إلى نزع سلاح «حزب اللّه»، أفادت «فرانس برس» أن تل أبيب تنفي أي توجّه لديها لإجراء محادثات مباشرة مع لبنان لإنهاء الحرب.

«الشيء وعكسه»

وعلى وهج «الشيء وعكسه» من ناحية اسرائيل التي مضت في الغارات على الضاحية الجنوبية والبقاع والجنوب وسط تطوير تهديداتها نحو الصرافين الذين تتهمهم بتمويل «حزب الله» بما في ذلك شركات في بيروت، برزتْ حركةُ السفير الأميركي ميشال عيسى في اتجاه رئيس البرلمان نبيه بري، المتحفظّ على مبدأ التفاوض المباشر وخارج إطار لجنة الميكانيزم الـ ما فوق عسكرية (فيها ممثلون مدنيون للبنان واسرائيل) المولجة الإشراف على تنفيذ اتفاق وقف النار (27 نوفمبر) والذي رفض تسمية ممثل المكون الشيعي في الوفد «المتعدد الطوائف» الذي يفترض ان يمثّل لبنان في المفاوضات المباشرة.

كما التقى بري السفير الفرنسي لدى لبنان هيرفيه ماغرو الذي اكتفى

بالقول «مستمرون بمساعينا والعمل لحل المسألة»، قبل أن يُنقل عن رئيس البرلمان أنه «أثنى على الجهود والمساعي التي تبذلها فرنسا ورئيسها إيمانويل ماكرون لوقف الحرب الإسرائيلية على لبنان وعودة النازحين إلى قراهم»، مشدداً على«أهمية التمسك والالتزام باتفاق تشرين 2024 وبلجنة الميكانيزم كإطار عملي وتفاوضي لتطبيق الاتفاق».

مساعدات

وفي موازاة ذلك، وبعد يومين من النداء العاجل الذي أطلق من بيروت خلال زيارة الأمين العام للأمم المتحدة انطونيو غوتيريش لها لدعم لبنان في ضوء أهوال الحرب والنزوح، أعلن وزير خارجية ألمانيا يوهان فاديفول «اننا سنقدّم حزمة مساعدات للبنان بقيمة 188 مليون يورو» واصفاً الوضع في «بلاد الأرز» بأنه مأسوي.

كما أعلنت وزيرة الخارجية البريطانية إيفيت كوب تقديم 5 ملايين جنيه استرليني من التمويل الطارئ دعماً للجهود الإنسانية التي تبذلها الحكومة اللبنانية.

وقالت: «تقلقني بشدة تطورات الحرب في لبنان، وحجم أثرها الإنساني. يجب ألا تتسع رقعة هذه الحرب التي تسببت أصلا بسقوط عدد كبير من الضحايا المدنيين، ونزوح أعداد كبيرة من الناس. تركيزنا الفوري ينصبّ على استجابتنا الإنسانية في لبنان، والجهود الدبلوماسية التي نبذلها إلى جانب الحلفاء لمنع التصعيد».

وأوضحت «أنني أدين بشدة اعتداءات حزب الله المستمرة على إسرائيل. هذه الاعتداءات يجب أن تتوقف فوراً. حيث إن أفعال هذه الجماعة المحظورة – بتحريض من النظام الإيراني – تجرّ الشعب اللبناني إلى حرب لا يريدها، وليست في مصلحته».

ولفتت إلى «أنني تحدثتُ في الأيام الماضية مع رئيس الوزراء اللبناني، ووزير الخارجية الإسرائيلي، كما بحثتُ الوضع مع الشركاء الأوروبيين والأميركيين. نحن في حاجة إلى عمل دبلوماسي واضح لمنع اتساع رقعة هذه الحرب».

ورحبت بالتزامات الحكومة اللبنانية، «بما فيها قرارها الكبير بحظر كامل النشاط العسكري لحزب الله. وسنواصل دعمنا للجيش والحكومة للاضطلاع بالمسؤولية الكاملة عن الأمن».