أحبطتْ اسرائيل محاولةَ لبنان الرسمي شقَّ طريقٍ مختصرٍ وسريعٍ بالمفاوضات المباشرة لإنهاء الحربِ ومنْع تَدَحْرُجها في اتجاهاتٍ دراماتيكية أكثر ستجعل التفاوضَ، الذي لا مفرّ منه في آخر المطاف لرسْم معالم «اليوم التالي» لوقْف المواجهة الكبرى، يَجْري بموازين «الأرض المحتلّة» جنوب الليطاني وربما أعمق وبعد أن تكون تل أبيب أنجزتْ بيدها غالبية مَهمة إضعافِ «حزب الله» عسكرياً وضمان إزالة الخَطَرَ المباشر الذي تَعتبر أنه يشكّله عليها.

وبإعلانه الأحد «ان إسرائيل لا تخطط لإجراء محادثاتٍ مباشرةٍ مع الحكومة اللبنانية في الأيام المقبلة، ونتوقّع منها اتخاذ خطوات جدية لمنع حزب الله من إطلاق النار على إسرائيل»، فإن وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر قَطَعَ الشك باليقين حيال عدم رغبة بلاده، ومن خلْفها الولايات المتحدة، في ملاقاة لبنان الذي أبدى الاستعدادَ لفتْح مَسارِ مفاوضاتٍ مباشرةٍ برعاية دولية ترتكز على 4 نقاط تضمّنتها مبادرة الرئيس جوزاف عون، وتبدأ بـ «إرساء هدنة كاملة»، و«المسارعة لتقديم الدعم اللوجستي الضروري للقوى المسلحة اللبنانية» على «أن تقوم فوراً بالسيطرة على مناطق التوتر الأخير، ومصادرة كل سلاح منها، ونزع سلاح «حزب الله» ومخازنه ومستودعاته، وفق المعلومات والمعطيات الممكن توافرها لها».

مبادرة عون

وشكّلتْ مبادرة عون المنطلق لأفكارٍ فرنسيةٍ تولّى الرئيس ايمانويل ماكرون مناقشتها عبر دبلوماسيةِ الهاتف ومساراتٍ أخرى مع كل من بيروت وتل ابيب وواشنطن قبل تحوّلها خطة لإنهاء الحرب وأساساً موازياً لمحادثاتِ سلامٍ محكومةٍ بأن تُختتم باتفاق عدم اعتداء دائم، أي «اتفاق هدنة +» يُتوّج باعترافٍ بدولة اسرائيل.

وعلى أهمية الفرصة التي يشكّلها بالنسبة لتل أبيب قبول لبنان بعمليةٍ تَفاوُضيةٍ تربط واقعياً بين وقف الحرب واتفاق نهائي على حلٍّ دائمٍ، وهو تطور لم يكن ممكناً تصوره قبل أسابيع ويُعتبر من النتائج الأولية لـ «حرب لبنان الرابعة»، فإن كلام ساعر الذي أَعْلى من خلاله أولوية الميدان على الدبلوماسية في المرحلة الراهنة وَضَعَ حداً لساعاتٍ من الغموض الكبير والالتباسات التي رافقتْ الكشفَ عن خطةٍ فرنسية لإنهاء المواجهة والتأسيس لاتفاقِ عدم اعتداء يتضمّن اعترافاً مبدئياً باسرائيل وآلية لضمان سحب سلاح «حزب الله» تَجمع بين لجنة «الميكانيزم» التي أنشئت للإشراف على تطبيق اتفاق وقف النار (27 نوفمبر 2024) ودور لقوة «اليونيفيل» التي ستتولى «التحقق من نزع السلاح جنوب الليطاني»، بينما «سيشرف تحالف من الدول العاملة بموجب تفويض من مجلس الأمن على نزع سلاح الحزب في سائر أنحاء لبنان».

فرملة فرنسية

وعلى وقع تقارير ومعلومات متضاربة عن تفاهماتٍ حصلت على انطلاق المفاوضات المباشرة اللبنانية – الاسرائيلية في قبرص وتحديد موعد لجولتها الأولى يوم الأربعاء، جاءت أول إشارةِ فرْملةٍ من الخارجية الفرنسية التي أعلنت على أن «لا خطة فرنسية» لوقف العدوان الإسرائيلي على لبنان، وقالت «دعمت باريس انفتاح السلطات اللبنانية على محادثات مباشرة مع إسرائيل واقترحت تسهيلَها. ويعود إلى الطرفين، وفقط إلى الطرفين، تحديد جدول أعمال هذه المحادثات».

واعتُبر هذا البيان منذ صدوره عن الـ «كي دورسيه»، إشارةً إلى أن طريق التفاوض ليست سالكة بعد، اسرائيلياً ولا أميركياً، وإلى عدم جاهزيةِ تل أبيب لوقْف الحربِ مع حزب الله، بالتأكيد ليس قبل انتهاء الحرب مع إيران وربما ليس بعدها، ما لم تتحقق أهداف تجعل الجلوس على الطاولة في التوقيت الذي تختاره وبأوراق القوة «الملموسة» التي تكون حَصَدَتْها في الميدان.

وأتى موقف ساعر ليكرّس أن المرحلة الراهنة ما زال يَحكمها عنوان «لا صوت يعلو فوق صوت المعركة»، وهو ما يرتكز عملياً أيضاً على مجموعة عوامل ومفارقات أبرزها:

- أنّ أيّ تَفاوُضٍ الآن أي فيما الحرب مع إيران مستمرّة دونه عامل محسوم ويتمثّل في أن «حزب الله» ليس في وارد وقْف القتال وإسناد طهران في معركة «البقاء» التي اختار لها عنوان «الدفاع الوجودي».

- أن اسرائيل غير مستعجلة لوقْف حرب لبنان ما دامت «ام المعارك» مستمرة مع طهران، وهي كانت أعطت إشارات حتى إلى أن المواجهة مع «حزب الله» مرشحة للاستمرار بعد طي جبهة إيران، وذلك على قاعدة إكمال ما يشي بأنه عقيدة جديدة أو استراتيجية متحوّلة تقوم على «استئصال التهديد» وتحييده بالكامل عوض معادلات الردع التي ترى أنها أتاحت لأعدائها، لاعتبار أو آخَر، مراكمة ترساناتهم وتشكيل خطر أخطبوطي عليها.

- أن لبنان الرسمي لم يخرج من دائرة رفض الانخراط في تنفيذ بالقوة لقرار حكومته بسحْب سلاح «حزب الله» تفادياً لصِدام أهلي تكلفته أكبر من تصاعُد الحرب.

- أن اسرائيل ليست في وارد، أقله في هذه المرحلة القبول بمفاوضاتٍ يشترط لبنان أن تكون بالتوازي مع هدنةٍ، أي أن يكون وقف النار مدخلاً إليها، بل هي تَعتبر أن «نموذج غزة» للتفاوض مع حماس هو الصالح والذي يتيح تحقيق الأهداف تحت النار، ما لم يكن الميدانُ أتاح في الفترة الفاصلة عن «افتتاح» الطاولة أتاح إنجازاتٍ صريحة تعوّض عن الحاجةِ إلى «مواكبةٍ حربية».

- أن تل أبيب ليست مستعدّة للسير على التوقيت الذي يختاره لبنان لتفاوضٍ يريده قبل أن تكون اسرائيل حققت أهدافها في توغّل بري يتقدّم تباعاً في أعماق باتت عند حدود 5 كيلومترات وربما تتّسع إلى 15 أو أكثر، وهو ما جعل بيروت تطرح ورقة التفاوض المباشر التي جاءت بمثابة «فدية» كأنها تدفعها كبديلٍ عن احتلالٍ جديدٍ في الجنوب سيتحوّل الناظم لأيّ طاولةٍ ويرفع الأثمان المطلوبة، سياسياً وأمنياً واقتصادياً، لإنهائه.

اتفاقية ترسيم الحدود البحرية

ورغم التقارير في اسرائيل عن تردُّدٍ في الذهاب نحو اجتياح بري واسع لكل جنوب الليطاني لإقامة منطقة عازلة، وأن السيناريو الأكثر ترجيحاً بالنسبة للجيش الإسرائيلي يتمثل في الاستمرار بالقصف الجوي والاغتيالات الدقيقة، مع توغلاتٍ محدودة متكرّرة لتفكيك قدرات الحزب دون إعلان اجتياحٍ شامل، وانتظار تطورات الحرب مع إيران أو الضغط الدولي، فقد شكّل كلام وزير الطاقة الإسرائيلي، إيلي كوهين، عن إن حكومته «تدرس إلغاء اتفاقية ترسيم الحدود البحرية التي تم التوصل إليها مع لبنان في 2022 «جرس إنذار» بإزاء ما يكمن لبيروت كلما تأخّر وقف الحرب والأثمان التي قد يدفعها من ثروته من النفط والغاز الكامنة في أعماق البحر.

وقال كوهين لإذاعة الجيش أن «الاتفاقية، التي أبرمتها حكومة سابقة، لم تكن اتفاقية حقيقية، بل كانت وثيقة استسلام»، مشيراً إلى أنه بموجب الاتفاقية حصل لبنان على كامل المنطقة المتنازع عليها مقابل تعهد «غامض» بتحسين أمن إسرائيل، وهو تعهد لم يتم الالتزام به على الإطلاق.

وفي أي حال، فإنّ أوساطاً مطلعة ترى أن ما شهدته الأيام الأخيرة في ما خص موضوع التفاوض المباشر بين لبنان واسرائيل، أرسى واقعياً الإطار الناظم لمرحلة ما بعد الحرب، أياً كان موعد انتهائها، ورسّم سكةَ الخروج منها نحو حلٍّ مستدامٍ، وسط اقتناعٍ بأن تَبَلْوُرَ هذا المسار، أجندته وسقفه النهائي، لن يكون متاحاً قبل وقف الحرب مع إيران، بحيث إن مآلاتها ستترك ارتداداتٍ اضافيةً على مفاوضاتِ «اليوم التالي» لحرب لبنان «الأخيرة» التي ستربط بلاد الأرز بقطار السلام في الشرق الجديد، وفي ظلّ خشيةٍ من أن الأيام الفاصلة عن إخماد الحرائق ستكون مدججة بأخطار هائلة وبتصعيدٍ نوعي على جبهتي إيران ولبنان وربما باستدراج للولايات المتحدة لعمليات جراحية جوية في البقاع لمعالجة منشآتِ الصواريخ البالستية لحزب الله التي لا تستطيع اسرائيل الوصول إليها.

كما أن الفترة التي ستفصل عن إطلاق المفاوضات اللبنانية - الاسرائيلية يُفترض أن تكون كفيلةً بتسهيل تشكيل الوفد الذي سيمثّل بيروت إليها والذي انزلق لبنان فيه إلى تشكيلةٍ متعددة الطوائف تمثل المكونات المسيحية، السنية، الدرزية والشيعية، وسط تَحَفُّظ رئيس البرلمان نبيه بري على تسمية شيعيّ انطلاقاً من مبدأ رفض التفاوض خارج إطار«الميكانيزم» الناظمة لاتفاق 27 نوفمبر، ومن دون أن يُعرف إذا كانت بيروت ستسمّي في نهاية المطاف شيعياً لا يستفزّ الثنائي (بري وحزب الله)، وهل يمكن أن يكون ذلك من ضمنِ «إشاحة نَظَرِ» من بري.

وكانت صحيفة «النهار» اللبنانية أوردت أن المرشّحين (من دون الاسم الشيعي) ليكونوا في عداد الوفد اللبناني الذي سيشارك في المفاوضات مقابل الوفد الاسرائيلي برئاسة الوزير السابق رون ديرمر، هم، السفيران السابقان سيمون كرم وشوقي بونصار، وبول سالم والامين العام السابق لوزارة الخارجية عبدالستار عيسى، والعضو الشيعي، بسبب عدم التوافق على اسمه.