نعم، إن وراء الأكمة ما وراءها هناك دسائس خفية تظهر بعض أطرافها في هذه الحملة وتختفي على مدار الساعة ولكنها تتضح يوماً بعد يوم بـ(كشف المخبّأ عن فنون أوروبا وإسرائيل).

إن هذه الموجة العاتية جاءت لتعصف بالشرق الأوسط وتحارب جميع ميراث العرب الأصيل، وتهدف أن تتبدل به من مظاهر الجاهلية التي هدمها الإسلام بالتوحيد!

وهذه الفئة الباغية قد تعددت غاياتها في هذا المنزع ولكن قد اتفقت في الوسائل... فمنهم مَنْ لا يجهل تأثير القرآن إذا خالطت بشاشته القلوب وكونه من اللغة العربية بمنزلة القطب من الرحى... ولكنه يدس الدسائس لإقصائه عن دائرة الحياة وتزهيد النشء فيه بحجة كونه قديماً؟

وإن كل قديم هو بال... ولا أحد يملك احتكار تفسير القرآن، بل هو متاح لكل أحد تفسيره كيفما شاء!

وعليه حتى إذا تم لهم ما يريدون من غض مكانة القرآن في صدور المسلمين يكونون قد طعنوا الإسلام طعنة سياسية في أحشائه!

ولكن مع الأسف، نقول إن الحوادث الأخيرة لاسيما ما جرى قُبيل ما يُعرف بـ(الحرب العالمية الثالثة) إلى ما بعدها قد أثبتت أنه مازال هناك فئة محددة تلعب بفئات وتسوقها إلى حيث تريد!

ولا تستفيق هذه من سكرتها إلا وقد قُضي الأمر الذي فيه تستفتيان!

وهذه الدسيسة التي ظهر لكم مكنونها من جملة واحدة (الشرق الأوسط الجديد) إن هي إلا حلقة من سلسلة دسائس مقصود منها الإسلام الصحيح لا المشوب!

وهذه الموجة ترتكز على ثلاثة أركان: أولها، مستعمرون يهدمون قواعد الأمة من أساسها لتتحوّل عن أساس تاريخها المجيد الذي هي أمة به ولن تكون أمة إلا به! وثانيها، رجال لبسوا مسوح الإسلام وساروا على نهج ثقافة (الانجلو سكسون) والانطباع عليها وشقشقة اللسان بها! فبرز منهم المتفيهقون! وثالثهم، جهلة ودهماء يفسدون أكثر مما يصلحون (وما بلغ الأعداء من جاهل ما بلغ الجاهل من نفسه) وحجتهم في ذلك كله أن الشرق الأوسط فيه ثروات طبيعية معطلة بحاجة إلى الاستغلال والانتقال إلى التجديد (الروح العصرية) وأدواتهم في ذلك إحياء النزعة القومية تارة والاقليات تارةً أخرى التي كانت سائدة قبل التاريخ!

والذي يدعو إلى الغرابة، ان هذه الفرية قد انطلت على أكثر المحلّلين السياسيين والمثقفين العرب والنخب الفكرية والأكاديمية فانساقوا كالقطيع وراءها مستسلمين لفكرة أن (الدين والمعاصرة) لا يلتقيان لأنهما نقيضان!

فأما إذا سألهم سائل قائلاً إنكم وأنتم من دعاة التجديد ومن قرّاء الآداب الأوروبية لا تنكرون أن كُتّاب أوروبا القدماء منهم والمعاصرون اليوم من (انكليز وطليان وألمان وروس وإسبان)، إنما آدابهم كلها مأخوذة من اللغات القديمة كاليونانية واللاتينية، وان آيات التوراة والإنجيل تدور على ألسنتهم وأقلامهم وقراراتهم السياسية والعسكرية جارية فيها مجرىٰ (الأمثال) لا يكاد يخلو منها خطاب ولا كتاب من نتن ياهو إلى ترامب!

بل حتى الملحدين منهم كالبوذيين والديانات الكونفوشية يتكلمون بلغة من وحي وصايا المسيح والحواريين!

والغريب تلاقي هذه الأفكار مع ما كان يردده مثقفون قوميون فارسيون منذ عام 1890 ميلادي، حيث وصفوا العرب بأنهم شعب صحراوي أقل حضارة من الفرس وأن اللغة العربية لغة دينية وليست حضارية!

ومرادهم في ذلك كله أن الميراث العربي القديم الذي ورثناه يجب هدمه كله وتسويته بالعدم ثم إعادة بنائه... ومَنْ ذا الذي يزعم أن العرب هم كل الأرض! وأن آدابهم خُلقت على الكفاية؟ وأخلاقهم لا تحتاج إلى تصفية وتربية!

لقد كانت القبائل العربية تتنافس أمام الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، في حمل رسالة الإسلام وحفظها وتبليغها للناس... بل كان فحول الشعراء في الجاهلية كأن كل واحد منهم قبيلة في التفنن والإبداع وسحر الفصاحة والبيان... ثم جاء القرآن الكريم فكان هو المبدأ والمصير الذي هدم مسائل الجاهلية كلها، وأسس مكانها قواعد الإسلام ثم تتابع شعراء الإسلام وفقهاؤه الذين اثروا الفقه الإسلامي، ومنهم الإمام أبوحنيفة النعمان، من بلاد فارس ملتقى ثقافات متعددة ومنتدى شعوب وقبائل وعلاقات وحضارات تجمعت في شخصية المسلم الجامعة ذات الفسيفساء البشرية المتعددة الألوان والألسن والتاريخ والمنازع والآفاق، وابن جرير الطبري، من خراسان والجويني، من نيسابور، وابن قتيبة الدنيوري، من بلخ، وابن حزم الطوسي، من طوس والماوردي، من نيسابور... وهكذا هو ميراث العرب الذي أثبته التاريخ بصفحاته البيضاء فلا فرق لعربي على أعجمي إلا بالتقوى. وعليه فأكثر الفاتحين والحكام والسلاطين والعلماء في بلاد المسلمين من غير العرب. وهذا هو ميراث العرب الذي عمّ مشارق الأرض ومغاربها ولا تستطيع أن تحجب عين الشمس بمنخل!