إن هذا الطرح المتعلق بسرقة البيانات الشخصية هو إنذار إصلاحي وقائي لحماية المواطن من موجات النصب والاحتيال التي تتفاقم بصمت قبل أن تتكدس القضايا وتتحول إلى عبء اقتصادي وأمني لا يمكن تجاهله.

ولم يتعد سرقة الهوية بوصفها ظاهرة هامشية على أنها حوادث فردية معزولة؛ فقد تحولت سرقة الهويات إلى أحد أخطر أبواب سرقة حسابات عملاء البنوك في العصر الرقمي. فالاسم الكامل والرقم المدني وصور المستندات الرسمية، كالبطاقة المدنية وجواز السفر وشهادة الجنسية وغيرها من مستندات شخصية لم تعد مجرد بيانات إدارية، بل أدوات كاملة لانتحال الشخصيات وفتح الحسابات المصرفية والحصول على الائتمان والاعتداء على السجلات والحقوق المالية والقانونية للأفراد.

ومع ذلك، لايزال المواطن يُواجَه بممارسات إدارية متقادمة وخطرة، حين يُطلب منه البطاقة المدنية للدخول إلى المدارس أو الإدارات أو حتى البنوك أو طلب إرسال صور كاملة عن البطاقة المدنية عبر البريد الإلكتروني أو تطبيقات المراسلة أو حين تُتداول الوثائق الأصلية وصورها في بعض الجهات، وتُسلَّم لكل من هبّ ودبّ في أروقة الوزارات لتصويرها. لا يمكن تبرير هذه الأساليب إدارياً أو أمنياً في زمن الاحتيال الرقمي المنظم لأنها تمثل الطريق الأقصر إلى إساءة الاستخدام وسرقة الهويات وانتحال الشخصيات.

لذلك، كمثال، يتعين وضع ضوابط على الشركات التسويقية التي تجمع البيانات، ولدرء المخاطر يجب وضع خطوط ساخنة للإدارات التي تُعنى بأمن المعلومات لتلقي الشكاوى والتبليغ عن أرقام المتصلين وذلك لاتخاذ الإجراءات الفورية.

وشددت منظمات دولية على أن الوقاية تبدأ بتقليل تداول البيانات الشخصية، واعتماد مبدأ «الحد الأدنى من الإفصاح»، ومنع طلب نُسخ كاملة من وثائق الهوية إلا عبر قنوات رقمية مشفّرة وخاضعة للرقابة. سؤال محير؛ لماذا تطلب الوزارات صوراً للبطاقات الشخصية رغم وجود المعلومات لديها؟!

إنّ هذه الممارسات لا تترك مجالاً للاجتهاد أو التأجيل؛ فأمن المعلومات يقوم على التشفير وتقييد الوصول وربط إجراءات التحقق من الهوية بمنهج قائم على المخاطر لا على الجمع المفرط للوثائق. فالواقع يشير إلى أن هناك فجوة واضحة بين هذه المبادئ والممارسات اليومية، وهي فجوة تجعل الإجراءات نقاط ضعف بنيوية في منظومة حماية المعلومات الوطنية.

ولكن عندما تتحول الإدارة العامة - دون قصد - إلى مصدر للخطر بدل أن تكون سدّاً له، فإن عصابات الاحتيال تجد طريقها أسهل لتجميع شظايا البيانات الصغيرة، اسمٌ هنا ورقمٌ هناك وصورة وثيقة في جهة ثالثة ثم إعادة تركيبها في عملية انتحال كاملة. وكلما توسّع تداول الوثائق الرسمية تضاعفت فرص الاستغلال.

لذا، بات الانتقال من منطق «اجمع كل شيء» إلى منطق «احمِ ما هو حساس»، وذلك عبر الوقف الفوري لطلب صور كاملة للبطاقات المدنية متى ما وُجدت بدائل رقمية رسمية وآمنة واعتماد معرفات جزئية أو رموز تحقق بدل استخدام الرقم المدني كاملاً في المعاملات اليومية. وعليه، يجب إصدار تعليمات إلزامية تحظر تداول صور الهويات الورقية عبر قنوات غير مشفّرة أو تسليمها باليد ووضع كل من هب ودب لتصوير تلك البطاقات. فيتعين إطلاق حملات توعية مستمرة لا موسمية تستهدف الجميع خصوصاً الفئات الأكثر عرضة للاستغلال، وهذا لن يكتمل دون إنشاء قنوات سريعة وفعالة للإبلاغ عن أي إساءة استخدام للبيانات، وكذلك مواقع تنويرية على الإنترنت شبيهة بموقع المؤسسة الفيدرالية لتأمين الودائع FDIC لزيادة توعية الفرد.

وما دفعني إلى كتابة هذا المقال هو تجاهل ملاحظاتي عندما مَنحتني الدولة لوحة «كبار السن» أعلقها في سيارتي تسمح لي بالوقوف في أماكن «الشياب» تتضمن الرقم المدني كاملاً مع اسمي الثلاثي، وهو إجراء لا يمكن وصفه إلا بأنه عالي الخطورة، وهي معلومات يمكن أن يطلع عليها كان من كان.

فمثل هذه الممارسات تفرض على الجهات المختصة، أن تتحمل مسؤولياتها كاملة في نشر الوعي وتحديث الإجراءات وصيانة البيانات الشخصية بدل تعريضها للتداول بين الغرباء.

فالهوية ليست بطاقة بلاستيكية، بل الامتداد القانوني للشخص ذاته.