في محاولة لفك شفرة واحدة من أكثر الظواهر الطبية إزعاجاً وغموضاً، كشفت دراسة جديدة عن وجود صلة وثيقة وغير متوقعة بين طنين الأذن (Tinnitus) ووظيفة حيوية مركزية في الجسم تتعلق بكيفية معالجة الدماغ للإشارات العصبية المرتدة.

وأوضح تقرير نشره موقع «ساينس ألت» أن الطنين ليس مجرد مشكلة في الأذن الداخلية، بل هو نتيجة لآلية تعويضية يقوم بها الدماغ لتعويض نقص المدخلات السمعية، حيث يرتبط هذا النشاط العصبي المفرط بوظائف تتعلق بالتنبؤ والاستجابة للمؤثرات الخارجية. هذا الربط يفتح الباب لفهم لماذا يعاني البعض من الطنين دون وجود ضعف سمع واضح، ويشير إلى أن المشكلة قد تكمن في «فلاتر» الدماغ التي تفشل في كتم الضوضاء العصبية الطبيعية للجسم دائماً.

ويرى خبراء في مجال السمعيات والأعصاب أن الطنين يمثل نوعاً من «الألم الشبحي» للأذنين، حيث يبدأ الدماغ في خلق أصوات من العدم لملء الفراغ الصوتي الناتج عن تلف بسيط في خلايا السمع المجهرية. ومن الناحية العلمية، فإن الدراسة تشير إلى أن الحالة قد تكون مرتبطة أيضاً بالتمثيل الغذائي أو مستويات التوتر التي تؤثر على حساسية الجهاز العصبي.

إن الانتقال من اعتبار الطنين «مرض أذن» إلى كونه «عرضاً عصبياً جهازياً» يغير تماماً من طرق العلاج، حيث ننتقل من محاولة إصلاح الأذن إلى محاولة «إعادة تدريب الدماغ» على تجاهل هذه الإشارات غير الضرورية.

وللتعامل مع هذا التحدي الصحي المحير، يقترح العلماء والباحثون الإستراتيجيات التالية بناءً على المكتشفات الجديدة:

• العلاج بالتحفيز العصبي: لاستعادة التوازن في المناطق الدماغية المسؤولة عن معالجة الصوت وإسكات النشاط العصبي الزائد.

• إدارة الوظائف الحيوية العامة: مثل تنظيم النوم وضغط الدم، حيث تبيّن أن أي خلل في هذه الوظائف يزيد من حدة الطنين المدرك.

• تقنيات «إعادة المقنعة الصوتية»: التي تهدف إلى تعليم الدماغ التمييز بين الضوضاء الخارجية الحقيقية والإشارات الداخلية الوهمية.

ويذكرنا طنين الأذن بمدى تعقيد التواصل بين أعضاء الحس والدماغ، وكيف يمكن للنظام أن يختل في محاولته للإصلاح.

إن العلم اليوم يقترب أكثر من أي وقت مضى من وضع حد لهذه المعاناة التي حرمت الكثيرين من متعة الهدوء.

ومن خلال فهم الروابط بين الطنين ووظائف الجسم الكبرى، نفتح آفاقاً لعلاجات شمولية تعيد السكينة للأذهان والهدوء للآذان، مؤكدين أن الصبر والبحث هما مفتاحا الحل لأكثر ألغاز الطب تعقيداً، ليبقى عالمنا مليئاً بالأصوات التي نحبها، بعيداً عن ضجيج الأوهام.