وفي اليوم الثاني من «حرب لبنان الرابعة»، تَعاظَمَتْ المخاوفُ من أن تكون البلاد دَخَلَتْ نَفَقاً لا أفقَ له ويَصعب التكهّن بكيف ومتى يمكن الخروج منه، في ضوء الأبعاد الشديدة الخطورة لرمي «حزب الله» الوطن الصغير في فوهة البركان الأكثر اشتعالاً في المنطقة منذ عقود طويلة.

وبين موجات رشقات «حزب الله» الصاروخية على شمال إسرائيل، وإعصار الغارات التي تنفلش جنوباً وبقاعاً وعلى الضاحية الجنوبية لبيروت وتواكبها تل أبيب بمقدّمات تَوَغّلٍ بري بدأ على طول الحدود الجنوبية للبنان، والتموّجات السياسية لقرار حكومة الرئيس نواف سلام بحظر الأنشطة العسكرية والأمنية للحزب وإلزامه بتسليمِ سلاح، بدت «بلاد الأرز» وكأنها فوق صفيحٍ هو الأكثر عَصْفاً بعدما زُجّت في حرب إيران تحت عنوان «الثأر» للمرشد الأعلى السيد علي خامنئي.

وأما سيل الأخطار المحدقة، أطلق لبنان الرسمي دبلوماسية «متعددة الجبهة» لاحتواء توريطه في حربٍ كان رفضها وحذّر حزب الله من جرّ البلاد إلى أتونها، ولعلّ أخطر تشظياتها إلى جانب طوفان الدم والدمار، استعادة إسرائيل محاولة إقامة شريط عازل على الحافة الأمامية، وربما أعمق، لم تنجح في إنشائه إبان حرب الـ 65 يوماً خريف 2024 بفعل اتفاق وقف الأعمال العدائية (7 نوفمبر)، وسيعني إرساؤه استدعاءً لاحتلالٍ كان غاب عن الجنوب منذ التحرير والعام 2000.

وفيما كان قرار حظر أنشطة حزب الله يقابَل بارتياحٍ عربي ودولي وسط ترقب لتنفيذٍ يعترضه موقف «حزب الله» الذي اعتَبر ما قامت به الحكومة «عنتريات» وردّ عليه في الميدان الذي أشعله أكثر بعد الجلسة التاريخية لمجلس الوزراء، وسعّ لبنان من دائرة اتصالاته لتدارُك الأسوأ حيث اتصل الرئيس جوزف عون بنظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون ووضعه في صورة المستجدات العسكرية في الجنوب بعد اتساع الاعتداءات الإسرائيلية والتوغل في عدد من القرى الحدودية، طالباً تدخل باريس لوقف التمدد العسكري الإسرائيلي.

«حزب الله»

ولم يكن ممكناً استشراف ما سيكون على جبهة لبنان من دون الوقوف على خفايا انغماس «حزب الله» في حربٍ معروفة التداعيات والأكلاف.

وفق قراءة لدوائر غير بعيدة عن الحزب، بأنه وبمعزل عن سياقات ونتائج الحرب على إيران، فهو استشعر بأنه «سيكون التالي» وعندها ستكون كل القوة العسكرية الإسرائيلية «مخصّصة» له والنار مركَّزة عليه حصراً، على عكس ما يحصل حين تُستدرج تل أبيب إلى حربٍ في توقيت يختاره الحزب وبينما هي منهمكة بحربٍ كبرى إذ عندها تكون قدراتها مشتّتة على جبهات.

كما أن في حسابات «الضغط على الزناد» والدخول على خطّ الحرب على إيران، أنه سيتيح توزيع الضغط العسكري بين الحزب طهران، وربما بتكامُلٍ عملياتي، في الاستهدافات الصاروخية وبالمسيّرات، بما يغرق الأنظمة الدفاعية لإسرائيل ويربكها ويساهم في توفير إدارةٍ للمعركة مع هوامش مناورة أكبر وتعزيز فرص نجاة النظام في طهران وصمود الحزب حتى نهاية المواجهة بحيث يأتي الحلّ على مستوى كل المحور وبموازين المعركة الأشمل وليس فقط على قياس الحزب ونتائج الحرب معه فيما لو كانت جبهة لبنان اشتعلت لاحقاً منفردةً.

لكن هذه القراءة تقابلها أخرى تَعتبر أن الانغماسَ الأميركي وشراكة واشنطن وتل أبيب تجعلان من الصعب جداً تَصَوُّر أن تنتهي الحرب على إيران بأقلّ من تحقيق كامل الأهداف الأربعة التي حدّدها الرئيس دونالد ترامب وستُستخدم لبلوغها في الساعات المقبلة قوة نارية أضخم بما يعني أن النظام الإيراني أمام معادلة إما يتغيّر أو يغيّر سلوكه.

وفي رأي أصحاب هذه القراءة أن الحزب لعب بالنار واقعياً بتمرده على الإجماع اللبناني على رفض زج البلاد في محرقةٍ لا ناقة له فيها ولا جمل وبتظهير نفسه محكوماً بأولويات طهران على حساب المصلحة الوطنية، رغم محاولته التدارُك بإعلائه طابع «اللبننة» على خيار دخول الحرب عبر إعلانه أن فتح الجبهة هو من باب دفاعي عن لبنان ونيابة عن الدولة المقصّرة في حماية البلاد من اعتداءات اسرائيل وخروقها لاتفاق 27 نوفمبر، بعدما كان استهلّ «البلاغ رقم واحد» الذي تبنّى فيه إطلاق الرشقة الافتتاحية للمواجهة فجر الاثنين بـ «ثأرا» للسيد خامنئي.

عودة الاحتلال... فرصة؟

ووفق أوساط مطلعة، فإن «حزب الله» بدا في قرار دخول المعركة واقتياد البلاد إلى الخندق الإيراني وكأنه يلعب كل أوراقه بعدما شعر بأن the game is over في ما خصّ سلاحه المُحاصَر داخلياً بقرار حصر السلاح بيد الدولة والمغطى من الغالبية الساحقة من اللبنانيين، فاختار التزام قرار إيراني بتوسيع الجبهات وتوزيع نقاط تلقي الضغط العسكري بما يخدم هدف طهران بتحويل الحرب عنكبوتية من جهة، ومعتقداً من جهة أخرى أن مثل هذا الانخراط يضيف طبقة من التعقيدات على ملفّ سحب سلاحه، وخصوصاً إذا انزلقت اسرائيل نحو إنشاء منطقة عازلة أو خط دفاعي داخل الأراضي اللبنانية، وهو ما سيجد فيه الحزب «فرصةً ذهبية» لتجديد سردية «المقاومة بوجه الاحتلال» ومخاطبة الدولة التي وضعت «الأنيابَ» لقرار تفكيك ترسانته عبر قرار حظْر نشاطه الأمني والعسكري فوراً وإلزامه بتسليم سلاحه، بأن الانسحاب الاسرائيلي أولاً.

الخماسية على الخط

من هنا، وعلى وقع الخشية من أن تكون حرب «حزب الله» لإسناد غزة انتهت باحتلال اسرائيل النقاط الخمس على الحافة الحدودية، لتتسبّب حربُ إسناده لإيران باحتلال شريط يمتدّ من الناقورة الى شبعا - ما لم يحصل توغل محتمل من جبل الشيخ في اتجاه البقاع الغربي أيضاً - فإن قرار حكومة الرئيس نواف سلام بدا أمام اختبارٍ صعب لقدرة الدولة على تنفيذه، لاسيما أن صدورَه اعتُبر بمثابة ورقة سلّفها لبنان للمجتمع الدولي و«بوليصة تأمين» لمطار رفيق الحريري الدولي والبنى التحتية اللبنانية من استهدافاتٍ إسرائيلية كانت على الطاولة، وتكريساً لقطْع نهائي لحبل السرة بين حزب الله والدولة، وسط رصد لترجماتِ ما كُشف عن أن قائد الجيش العماد رودولف هيكل وخلال مداولات مجلس الوزراء الإثنين ربط التطبيق بتنسيقٍ مع الحزب تحت عنوان «الحاجة إلى الإجماع» وهو النقاش الذي احتدم مع اعتراض سلام بالصوت العالي عليه.

وفي الإطار ووسط التوقف عند كيفية صوغ الحكومة القرار التاريخي متفادية صيغةَ حلّ الجناح العسكري لحزب الله ومعتمدةً خيار تطوير قرار احتواء السلاح شمال الليطاني ومنْع نقله، عبر منْحه بُعداً تنفيذياً إلزامياً تحت سقف خطة حصر السلاح مع تسريعها واعتبار الأنشطة العسكرية والأمنية للحزب «خارجة عن القانون»، فإنّ هذا القرار سرعان ما أحدث دينامية سياسية داخلية ودبلوماسية في اتجاه بيروت عَكَستْ للمرة الأولى تقاطعاً كبيراً واصطفافاً خلف حزم الدولة أمرها على أن تبقى... العبرة في التنفيذ.

وبعدما كان نُقل عن السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى أن «موقف الحكومة جاء متأخّراً بعض الشيء» وأن «إصدار البيانات سهل أما اتخاذ الإجراءات فهو أكثر صعوبة»، أكدت «مجموعة الخمس حول لبنان» «دعم الدولة اللبنانية في هذه المرحلة والدعم الكامل لمقررات مجلس الوزراء»، مشددة على «رفض أي عمل خارج الشرعية اللبنانية وان العمل الدبلوماسي هو الملاذ الآمن لحماية أمن واستقرار لبنان والحفاظ على سيادته».

وقال السفير المصري علاء موسى باسم «الخماسية» بعد زيارة ممثلي دولها للرئيس جوزف عون: «الجميع مؤيّدون لقرار الدولة اللبنانية، أمّا في ما يتعلق باستمرار حزب الله في إطلاق الصواريخ فالمطلوب من الجيش اللبناني التصرّف حيال هذا الأمر، وقد أكد الرئيس عون لنا استمرار تنفيذ الجيش للخطة (سحب السلاح) في مرحلتها الثانية ولا تَراجُع عنها».

عون... لا تراجُع

من جهته، أكد عون أمام أعضاء «الخماسية»، أن «القرار الذي اتخذه مجلس الوزراء بحفظ حق الدولة اللبنانية وحدها دون غيرها في حصر قرار السلم والحرب بيدها وحظْر النشاطات العسكرية والأمنية الخارجة عن القانون، هو قرارٌ سيادي ونهائي لا رجوع عنه»، موضحاً «أن ⁠مجلس الوزراء أوكل إلى الجيش والقوى الأمنية تنفيذه في كل المناطق اللبنانية».

‏ وإذ أعلن أن «⁠اطلاق الصواريخ في اتجاه الأراضي المحتلة كان من خارج منطقة جنوب الليطاني التي ينتشر فيها الجيش اللبناني الذي يقوم بدوره كاملاً في هذه المنطقة وفي غيرها من المناطق»، قال:«نطلب من دول اللجنة الخماسية الضغط على إسرائيل لوقف اعتداءاتها على لبنان، ونؤكد على ما اتخذه مجلس الوزراء من التزام لبنان التام والنهائي بمندرجات الإعلان عن وقف الاعمال العدائية بما يصون السلم والاستقرار، بالإضافة إلى الاستعداد الكامل لاستئناف المفاوضات في هذا الشأن بمشاركة مدنية ورعاية دولية».

الإمارات تدعم قرار الحكومة

في موازاة ذلك، رحّب نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان «بقرار الحكومة اللبنانية القاضي بحظر الأنشطة الأمنية والعسكرية لحزب الله، واعتباره تنظيماً خارجاً عن إطار الشرعية، مع إلزامه بتسليم سلاحه إلى الدولة اللبنانية».

وأكد خلال اتصال أجراه برئيس الحكومة نواف سلام «أن هذا القرار يشكل محطة محورية في مسار ترسيخ الأمن والاستقرار الوطني في لبنان، وخطوة أساسية لتعزيز سيادة الدولة وبسط سلطتها على كامل أراضيها، وتقوية مؤسساتها الوطنية، استناداً إلى اتفاق الطائف والقرارات الدولية ذات الصلة».

بري... في فمه ماء

في المقابل، مضى «حزب الله» في مكاسَرةٍ سياسية مع الدولة يوازيها في الميدان كسْرُ قرارِها بحظر نشاطه العسكري ورفض إقحام لبنان في حربٍ لا يريدها، وهو القرار الذي اتّسم صدوره بتغطيةٍ بالغة الدلالات من شريك الحزب في الثنائية الشيعية رئيس البرلمان نبيه بري عبر وزيريه في الحكومة، قبل أن يعلن (بري) رداً على سؤال حول التطورات «لا تعليق»، في موقف على طريقة «في فمي ماء».

وتم التعاطي مع صوم بري عن الكلام على أنه انعكاس لغضبٍ مكتوم وإحباط من «انقلابٍ» في ليلة ليلاء على تطميناتٍ كانت تلقاها من حزب الله، ونقلها الى كبار المَسؤولين اللبنانيين، بأنّ الله لن ينخرط في الحرب، فإذ بقرار دخولها يشكّل عنصرَ مباغتةٍ متعدّد الاتجاه: أولاً لـ «الأخ الأكبر» (بري) الذي لطالما كان بمثابة «الساحر» في اللعبة السياسية اللبنانية وألاعيبها قبل أن يقلب الحزب «السحرَ عليه».

وثانياً للدولة غير المجهّزة ولا الجاهزة لتداعيات طوفان نار ولا لإيواءِ موجاتِ نازحين بعشرات الآلاف. وثالثاً للبيئة الحاضنة التي وَجَدَتْ نفسَها فجأة في قلب حربٍ لم تكن تتصوّر أنها وشيكة وظهّر البعض بإزائها غضبةً عبر مواقع التواصل الاجتماعي تلاقي غضباً لبنانياً عاماً وعارماً من استخدام لبنان وشعبه حطباً في معارك إيران.

«حزب الله» والعنتريات

وقد أعلن نائب رئيس المجلس السياسي في حزب الله، محمود قماطي، أنّ «سياق الصبر انتهى، ولم يبقَ أمامنا سوى العودة إلى المقاومة».

وتابع: «الحكومة هي الخارجة عن القانون الدولي الذي يُجيز للشعوب مقاومة الاحتلال، وهو قانون يعلو على كل السلطات المحلية وقراراتها وقوانينها».

الميدان اللاهب

وفي الميدان، ارتسمت معالم مطاحنةً تَصاعُدية بين «حزب الله» وتل ابيب، عبر رفع الحزب منسوب رشقاته الصاروخية وإطلاق المسيرات على شمال اسرائيل وغالبيتها ضد مواقع عسكرية، فيما أدى استهداف مستوطنات في اصبع الجليل بـ 3 صواريخ الى سقوط أحدها على منزل وجرح 4 بداخله.

في المقابل، كثّفت اسرائيل هجماتها المروّعة جنوباً وبقاعاً، وفي قلب الضاحية الجنوبية لبيروت، وعلى امتداد نحو 100 قرية باشرت تهجير سكانها بالكامل عبر إنذارات بإخلائها ومغادرتها، وسط طلائع دخول بري لإقامةِ منطقة عازلة تحت عنوان «تعزيز الدفاع الأمامي» على طول الحدود مع لبنان وتلاقي شريطاً مماثلاً جنوب سورية.

وعلى وهج الإعلان في اسرائيل عن عمليات قد تستمر لأيام أو اسابيع في لبنان وسط توقعات بأن الهجمات على شخصيات وبنى تحتية وقدرات عسكرية لحزب الله ربما تمتدّ لما بعد انتهاء الحرب على إيران، أفادت أفادت الإذاعة الاسرائيلية الرسمية أن قوات برية دخلتْ إلى الجنوب اللبناني.

وفيما ذكرت صحيفة «هآرتس» أن «الجيش يعتزم مواصلة إخلاء خط القرى الأول والثاني في جنوب لبنان»، نقلت «رويترز» عن مسؤول ‌لبناني «إن القوات الإسرائيلية تقوم ⁠بعمليات توغل عبر أجزاء من الحدود اللبنانية».

وفي حين أوردت «الوكالة الوطنية للإعلام» الرسمية «أن الجيش اللبناني يخلي عددا من مواقعه المتقدمة عند الحافة الحدودية مع فلسطين المحتلة إلى نقاط أخرى للتمركز فيها»، نُفل عن شهود أن الجيش انسحب ‌من ⁠سبعة على الأقل من مواقع العمليات ⁠الأمامية على طول الحدود مع اسرائيل.