في اختراق علمي يبعث على الأمل في قلوب الملايين حول العالم، نجح باحثون متعددو الجنسيات من خلال دراسة رائدة في ابتكار طريقة ثورية لعلاج الأورام السرطانية الخبيثة عن طريق إعادة برمجة الخلايا التي كان السرطان يستخدمها

كـ «حراس شخصيين» لحمايته من الجهاز المناعي.

وتركز هذه الدراسة المذهلة على نوع من خلايا الدم البيضاء يسمى «العدلات»، والتي يقوم السرطان عادة بتضليلها لتعمل كدرع واقية تمنع وصول الخلايا التائية المناعية القاتلة إلى قلب الورم. فالتمكن من كسر هذا الولاء المشبوه وتحويل هذه الخلايا من حلفاء للسرطان إلى أعداء شرسين له يمثل نقطة تحول تاريخية في الطب الحيوي، في ما من شأنه أن يؤدي إلى القضاء على الأورام الصلبة التي كانت تقاوم العلاج المناعي التقليدي.

ومن الناحية البيولوجية، يستخدم السرطان إشارات كيميائية معقدة لخداع الجهاز المناعي، لكن التقنية الجديدة تعتمد على جزيئات نانوية ذكية تقوم بتوصيل أوامر جينية مباشرة إلى داخل هذه الخلايا الحارسة.

وبالإضافة إلى ذلك، فإن هذه الأوامر تعيد تنشيط القدرات القتالية للعدلات وتجعلها تفرز مواد سامة تستهدف الخلايا السرطانية حصرياً دون المساس بالأنسجة السليمة.

والواقع أن هذا النوع من العلاج يتميز بقدرته على الوصول إلى أصعب المناطق داخل الجسم، ما يجعله مثالياً لعلاج حالات الانتشار السرطاني (الميتاستاز) التي كانت تعتبر في السابق حالات ميؤوساً من شفائها، في ما يمنح الأطباء سلاحاً دقيقاً وفعالاً.

ولفهم كيف يمكن لهذا الانقلاب المناعي أن يغير خريطة علاج السرطان في المستقبل القريب، ينبغي النظر في المميزات الفريدة التي يقدمها هذا النهج بالمقارنة مع العلاج الكيميائي أو الإشعاعي، وذلك لأن الهدف هو تدمير المرض من الداخل وبأقل قدر من الآثار الجانبية.

وتتجلى هذه المميزات في التالي:

• استهداف الخلايا السرطانية بدقة جراحية اعتماداً على الإشارات التي ترسلها الأورام نفسها، ما يقلل من تلف الخلايا الطبيعية ويسرع من عملية التعافي.

• تعزيز الذاكرة المناعية للجسم، بحيث تبقى الخلايا المعاد برمجتها يقظة لاكتشاف أي ظهور جديد للورم والقضاء عليه في مهدة، ما يمنع حدوث الانتكاسات.

• إمكانية دمج هذا العلاج مع الأدوية المناعية الموجودة حالياً لزيادة فاعليتها بنسبة تصل إلى ثمانين في المئة في حالات سرطان الرئة والبنكرياس المستعصية.

• تقليل الحاجة للجرعات العالية من المواد الكيميائية السامة، في ما يحسن من جودة حياة المريض أثناء فترة العلاج ويقلل من أعراض التعب وتساقط الشعر.

ويؤكد العلماء أننا لا نزال في المراحل الأولى من فهم الإمكانات الكاملة لهذا العلاج، لكن النتائج الأولية تبشر بعصر جديد يصبح فيه السرطان مرضاً قابلاً للسيطرة والشفاء التام.

والواقع أن تحويل نقاط القوة التي يمتلكها العدو إلى نقاط ضعف قاتلة هو قمة الذكاء العلمي، ما يثبت أن الطبيعة تمتلك دائماً الأدوات اللازمة للشفاء، شريطة أن نعرف كيف نوجهها.

وهكذا، فإن الاستثمار في أبحاث المناعة النانوية سيبقى الأولوية القصوى للمؤسسات الطبية العالمية، ما يضمن مستقبلاً يخلو من شبح السرطان القاتل بفضل هذه الثورات العلمية المتلاحقة.