في واحدة من أكثر الدراسات الطبية إثارة للجدل وإحياء للأمل في آن واحد، كشفت صحيفة «التلغراف» البريطانية حديثاً عن نتائج بحثية تشير إلى أن ممارسة رياضة التأمل لمرتين يومياً من شأنه أن يلعب دوراً حاسماً في تقليل احتمالات انتشار الخلايا السرطانية داخل الجسم.

ولا تقدم هذه الدراسة التأمل كبديل للعلاجات الطبية التقليدية، بل كعلاج تكميلي قوي يعمل على تحسين البيئة الحيوية المحيطة بالأورام.

تكمن الفكرة في أن الضغط النفسي المزمن يؤدي إلى إفراز مستويات عالية من هورمونات التوتر التي تضعف الجهاز المناعي وتخلق حالة التهابية تسهل حركة الخلايا الخبيثة، في ما يعمل التأمل ككابح لهذه العمليات المدمرة.

ومن الناحية البيولوجية، يؤثر التأمل المنتظم على التعبير الجيني للخلايا المناعية، ما يجعلها أكثر يقظة وقدرة على رصد وتدمير الخلايا الشاذة قبل أن تشكّل مستعمرات جديدة.

وبالإضافة إلى ذلك، أظهرت صور الرنين المغناطيسي أن الأشخاص الذين يمارسون التأمل يتمتعون بمستويات أقل من الالتهابات الجهازية، وهي التربة الخصبة التي ينمو فيها السرطان.

والواقع أن الحالة الذهنية المستقرة تساهم في تحسين جودة النوم والشهية لدى المرضى، ما يعزّز من قدرتهم على تحمل العلاج الكيميائي والإشعاعي بكفاءة أكبر، في ما لو تم دمج هذه الممارسة ضمن بروتوكولات الرعاية الشاملة في المستشفيات.

ولدمج هذه القوة الذهنية في رحلة التعافي أو الوقاية من الأمراض المزمنة، ينصح الخبراء بتبني منهج تدريجي يركز على النوعية والاستمرارية، وذلك لأن العقل الهادئ هو الحصن الأول للدفاع عن الجسد، حيث تتلخص خطوات البدء في ما يأتي:

• تخصيص جلستين مدة كل منهما عشرون دقيقة، واحدة في الصباح الباكر والأخرى قبل النوم، للتركيز التام على التنفس وإفراغ العقل من الأفكار السلبية.

• استخدام تقنيات «اليقظة الذهنية» (Mindfulness) لمراقبة الأحاسيس الجسدية دون إصدار أحكام، ما يساعد في اكتشاف مواضع التوتر وتحريرها بشكل طبيعي.

• البحث عن بيئة هادئة وبعيدة عن المشتتات الرقمية، مع إمكانية استخدام موسيقى ترددية هادئة تساعد في مزامنة موجات الدماغ وتحقيق الاسترخاء العميق.

• الانضمام إلى مجموعات دعم تمارس التأمل الجماعي، إذ أثبتت الدراسات أن الطاقة الجماعية تعزز من الالتزام وتزيد من الفوائد النفسية والجسدية للمشاركين.

ويؤكد أطباء مختصون أن العلم بدأ أخيراً في فهم الروابط الخفية بين العقل والجسد وتأثيرها على الأمراض المستعصية. إن التأمل ليس مجرد طقس روحي، بل هو ضرورة بيولوجية في عالم يعج بالمثيرات العصبية المنهكة.

وهكذا، فإن منح نفسك وقتاً للصمت والهدوء من شأنه أن يكون أعظم استثمار تقوم به لحماية مستقبلك الصحي، ما يثبت أن السيطرة على أفكارك هي الخطوة الأولى للسيطرة على عافيتك، ويجعل من التأمل سلاحاً صامتاً وفتّاكاً في المعركة ضد السرطان وضد كل ما يُهدد توازننا البشري الفطري.