في ظل الغيبوبة السياسية الناتجة عن سوء ادارة الحكومات العربية لشعوبها والتي بلغ بها الزبى لحل العديد من مشاكلها المتفاقمة دون جدوى، اتضح جليا دور السينما والتي تعتبر مرآة للشعوب في تناول هذه القضايا المهمة والحيوية لتكون رسالة موجهة دون خوف لقضايا صمت عنها الشارع العربي طويلا وآن الأوان لمواجهتها وفك رموزها حتى  وأن كلفه الكثير.هي فوضي ؟؟؟ أحد الأفلام التي تبنتها السينما في التطرق لقضايا الفساد التي يعاني منها العديد من الدول العربية لتكون مصر الساحة التي تنطلق منها لحل هذه القضايا وابرازها بالشكل الذي يرغب أغلب الناس في معرفة أين تسير بهم الأمور، وأن كانوا يعرفون سلفا بتفاصيل القهر وطغيان القوي واستبداده في ظلمهم. ربما يكون هذا الفيلم الذي كتبه السيناريست ناصر عبد الرحمن وصوره المبدع رمسيس مرزوق وأخرجه يوسف شاهين وخالد يوسف من أهم أفلام يوسف شاهين بعد رحلة عطاء قاربت الخمسين عاما قدم خلالها رؤية سينمائية فرضت نفسها على الساحة العربية وقدمت تصورا للبنية الاجتماعية والسياسية، لايعجب السياسيين ولاأصحاب القرار في كشف المستور وتعريته، لذا قام العديد منهم بتقديم دعاوى قضائية لوقف عرض الفيلم وكأنهم يقولون اتركوا الشعوب تعيش في غيبوبتها وكبتها حتى  لاتتجرأ وتتطاول على أسيادها وتطالبهم بحقوقها، وان كان مايقوله أصحاب القرار في هذا الشأن مخالفا لكل القيم والشرائع الدنيوية والسماوية تبقى المصالح هي الغة التي لايعرف غيرها الفاسدون.

من لاخير فيه لحاتم لاخير فيه لمصرالشعار الذي يردده حاتم الشخصية المحورية في الفيلم والتي تدور حولها كل الأحداث أمين شرطة في حي شعبي يمارس نفوذه على فقراء الحي في أخذ الرشاوى والاتاوات لانجاز معاملاتهم البسيطة، جشعه ونهمه لايجعلانه يشبع أبدا فهو يريد كل شيئ يسير على هواه حتى  نور «منة شلبي «والتي تعمل بمدرسة تديرها وداد «هالة صدقي» والدة شريف وكيل النيابة الذي يصده ويقف في مواجهة طغيانه، يريدها زوجة له رغم رفضها وكرهها له فيقوم بمحاولة اغتصابها حتى  ترضخ له بعد عدة محاولات تلصص عليها من نافذة الحمام وفبركة صورة بالحجم الطبيعي لها، هذه الشخصية التي لاتحب أن يرفض لها طلب تحاول بشتى الطرق الوصول إلى غايتها ليبين مدى تصميمها على الفوز حتى وأن كلفه الخروج عن قناعاته كاللجوء للكنيسة والصوامع ومجالس الذكر لعمل حجاب محبة للحبيبة هذه التفاصيل تأخذك إلى أن هذه الشخصية ليس لديها أي مبادئ أوقيم أو حتى دين لذا هو يريد فقط مايريد بسطوته دون أي اعتبارات دينية أو أخلاقية لذا يكرر دائما من ليس له خير في حاتم ليس له خير في مصر، منة شلبي الفنانة التي أبدعت بدورها قدمت دور الفتاة من الوسط الشعبي وسرعان ما تتجانس بالطبقة المتوسطة بحلمها من الزواج من من تحبه وهو ابن ناظرة المدرسة شريف الذي يرفضها بالبداية ويرتبط بفتاة متحررة لابعد الحدود ليجد نفسه في مأزق بمجاراتها في تحررها فيتركها وشأنها دون رجعة، هذه الشخصية برزت في الاونة الاخيرة في مصر وركزت عليها السينما المصرية في العديد من الافلام،لتبين أن هناك طبقة تحررت على الكثير من القيود دون خوف أو رادع، قضايا طلاب الجامعات وتمردهم على الكثير من القوانين ومنها السياسية ليست بالشيء الجديد في السينما المصرية فقد أخذ هذا المنحني الكثير من المعالجات لصور القمع والقهر والظلم لكن دون الفساد الذي تطرق له شاهين في الفيلم، وان كنت أنا شخصيا لم أصدق مايجري على الساحة هناك والظلم الناتج عن قمع شباب يحاولون ابداء رأيهم في قضايا تهمهم بالضرب والتعذيب والسجن والمهانة دون أن يعبروا عن مايدور في خلدهم لظلم عظيم في هذا العصر.

هي فوضى ... والمرأة من الأمور الجميلة في الفيلم ابراز دور المرأة العظيم في قضايا تتعلق بحياتها وظروف معيشتها والمحافظة على شرفها ولقمة عيشها في ظل عدم وجود رجل يحميها، ودفاعها عن قناعاتها عندما برز دور الفنانة هالة صدقي في ازالة صور المرشح الذي تجرأ وتطاول بالدخول لمدرستها وتعليق الصور الخاصة به للعملية الانتخابية، كذلك دور الفنانة القديرة هالة فاخر وصدها المتكرر لحاتم في اقحامه لحياة ابنتها وخصوصيتها, هذه الادوار بالتأكيد تضيف للمرأة العربية صورة مشرفة لصمودها وكفاحها في وجه الفساد على جميع المستويات.وكما علمتنا السينما منذ عهدها لابد للخير أن ينتصر على الشر، وهذا مابينه لنا الفيلم بانتحارحاتم في النهاية لدليل ورسالة على أن الفساد لابد أن يزول أو ينتهي وأن الضعيف مهما بلغ لابد أن يتغلب على القوي سواء بالمواجهة أو بالعنف حتى وأن سلك طرق شائكة تؤدي به إلى الفوز لكن لابد أن يفوز في النهاية. ان كانت السينما قد قدمت شكلا من أشكال الفساد واعترض عليها أصحاب القرارلجرأة الطرح وتحفيز المظلومين على اتباع طرق شائكة لنيل متطلباتهم وحقوقهم، لكن يبقى أن من يدفعهم لذلك هي الحكومات الظالمة التي لاتريد أن تقضي على جميع أنواع الفساد لمصالحهم الشخصية.

الرقابة في الكويت ومقصها الظالملاشك أن الرقابة في الكويت تعتبر وصمة على جبين الثقافة بمختلف أنواعها سواء المرئية أو المسموعة أو المقروءة ففيروس الفوضى الرقابية مازال يعشعش في كيان الرقابة لدرجة المرض والشيخوخة دون أن تحاول أن تعالج نفسها أو حتى تتطور أسوة بتطور العصر الحديث، فمقص الرقابة العشوائي لايقص بقدر مايبتر الممنوع من وجهة نظره كما حصل في فيلم هي فوضى عندما قام الرقيب ببتر العديد من المشاهد المهمة والرئيسية دون رأفة ورحمة ليجعل المشاهد ينتقل بين مشهد وآخر ويربط الأحداث دون فهم، ما قاله خالد يوسف عن الرقابة ومنطقها في التعامل مع الفكر والحرية لكلام محرج للكويت وشعبها في ظل الحريات والديموقراطية التي تنتهجها دولة الكويت، ولا أنسى قبل عدة سنوات عندما تحدث خالد يوسف عن الرقابة عند عرض فيلم العاصفة وتم بتره بصورة مخزية ليتغير مضمون الفيلم ويصاب المخرج بأحباط شديد، وهاهو الان وبعد سنوات يعيد الكلام نفسه ويتذمر من مقص الرقيب الذي لايرحم، أذا كانت الرقابة تتعامل من منطلق حسابات شخصية فبالتأكيد حساباتها خاطئة وغير منطقية ويجب أن تجاري العصر بتطوره وتقدمه وتركز على المضمون ولاتحسب حساب للغير وتجامله على حساباً الثقافة التي هي اساس تطور الشعوب وتقدمها.