بدت بيروت، عيْناً على التأثيرات المستمرّة لـ «عاصفة» الزيادة الضريبية على البنزين ورفْع الـ tva، واحد في المئة لتمويل دفع 6 رواتب إضافية للعاملين في القطاع العام والمتقاعدين (مدنيين وعسكريين)، وعيْناً أخرى على ما إذا كانت رياح مؤتمر دعم القوات المسلحة اللبنانية الذي سيُعقد في باريس بعد أسبوعين ستَجْري كما تَشتهي سفن «بلاد الأرز» التي يتأكّد تباعاً المؤكد لجهة الترابط الوثيق بين النهوض المالي - الاقتصادي وبين استنهاض «الحال السيادية» التي يشكل عَصَبها ملف سلاح «حزب الله» وبسط الدولة سيطرتها على كامل أراضيها بقواها الذاتية حصراً.
وفي وقت بات واضحاً أن ضريبةَ 300 ألف ليرة لبنانية على صفيحة البنزين، ومفعولها الفوري، والـ 1 في المئة زيادة على الـ tva (تحتاج لقانون في البرلمان) باتت بمثابة فتيلٍ داخل الحكومة اللبنانية وحولها في ضوء اعتراضاتِ غالبيةِ مكوّناتها الحزبية على القرار وتحضيرات الشارعِ لمزيد من التحركات الاحتجاجية، فإنّ هذا الملف «الحارق» استوجب اتصالاتٍ سياسيةً لمحاولة تطويقه ومنْع تحوّله لغماً ينفجر أو يُفجَّر بحكومةٍ محاصَرةٍ بنيران حرب إسرائيلية لم تنتهِ ومخاطر تصعيد أكبر قد يحصل في حال فشل المفاوضات الأميركية - الإيرانية كما إذا أفضت إلى حلّ، وهي التحديات الموصولة بمسارٍ شديدِ الحساسية يمثّله استكمال سحب سلاح «حزب الله».
وإذ تبرز معطيات تشير إلى أن التصدّي للزيادة الضريبية سيسلك مساراً مزدوجاً عبر مجلس شورى الدولة كما في البرلمان، تبرز خشيةٌ من أن يتغذّى مناخ الاعتراض المتدحرج من دخول البلاد ولو نظرياً مدار الانتخابات النيابية بعد أقلّ من 3 أشهر وتالياً من تنافُسٍ على «الصوت الأعلى» في محاكاة غضبة قسم كبير من اللبنانيين على تكبيدهم عبء تمويل تحسين أوضاع أكثر من 300 ألف موظف ومتقاعد من جيوبهم شبه الخاوية في ضوء استمرار تداعيات الانهيار المالي وواقع «السلة المثقوبة» في المعالجات الترقيعية.
وتَحضر في خلفيات المواكبة اللصيقة لارتدادات «الهزة الضريبية» ضرورة محاذرة تقديم «هدايا مجانية» مثل تكبيل الحكومة أو حشرها في زواية دفاعية أو تحويلها كيس ملاكمة بما يُثْقلها ويُلْهيها عن العنوان – القاطرة للوضع اللبناني الذي يشكله «السلاح»، وتالياً حمايتها «ولو من نفسها» ومن أي سيناريواتٍ يخشى خصومٌ لـ «حزب الله» أنها ربما تحاك للإطاحة بها ظناً أن مثل هذا الأمر قد يوقف «القطار السيادي» ويجعل من الحزب صاحب كلمة في معاودة تشكيل الواقع السياسي – الحكومي ومن ضمنه عنوان السلاح بموازين مازالت تتيح له وزناً مؤثّراً وبما يسمح بتكريس أطر ناظمة له «محلية» أي خارج مندرجات اتفاق 27 نوفمبر 2024 والمسار الدولي الراعي لهذا الملف الكبير.
ومن هنا اعتبرت أوساط سياسية أن الملف الضريبي على تَوَهُّجه ودقته يجب ألا يحرف الأنظار عن مسار سحب السلاح الذي خطا خطوة إضافية في الجلسة الأخيرة للحكومة عبر تثبيت قرار المضي بتفكيك الترسانة العسكرية لـ«حزب الله» شمال الليطاني وتحديداً، وإن من دون إعلان رسمي، بين نهريْ الليطاني والأولي ولو على قاعدة التأنّي وتَفادي صِدامٍ مع الحزب واستمرار إستراتيجية البحْث والتحرّك حيث يُبلغ بوجودِ مخزن أو أسلحة والقائمة منذ مرحلة جنوب الليطاني.
وإذ تنطوي هذه الإستراتيجية على عملية تَكَيُّفٍ ضمنية مع إعلاء «حزب الله» عدم التعاون في شمال الليطاني، على عكس ما كان عليه الوضع جنوب النهر، وسط اعتقاد دوائر متابعة أنّ إسرائيل حاضرة ضمناً في هذه البقعة عبر ضرباتها التي لم تتوقّف والتي تربطها أحياناً بتبليغاتٍ عن مستودعات أسلحة أو صواريخ فإذا لم يسمح الحزب بتفتيشها تتصرف بالقوة تجاهها، لم تكن عابرة الأجواء التي تحدثت عن مناخٍ عربي ودولي قابَل تثبيت الحكومة تمدُّد سحب السلاح خارج جنوب الليطاني بمزيج من الترحيب والإيجابية والرضى رغم عدم الوضوح الكامل في ما خص المهلة الزمنية التي حُددت بين 4 و8 أشهر ورُبطت بمعطياتٍ ميدانية ولوجستية.
وسيشكّل الاجتماع التحضيري لمؤتمر دعم الجيش وسائر القوى المسلحة (مقرر في 5 مارس في باريس) والذي تستضيفه القاهرة في 24 الجاري المؤشر الأول لقياس الصدى الفعلي للصيغة التي اعتمدتها الحكومة كإطارٍ لمرحلة ما بين النهرين، وسط تقارير تحدثت عن لقاءٍ تمهيدي عُقد في السفارة المصرية في بيروت وضم أعضاء مجموعة الخمس حول لبنان (تضم الولايات المتحدة وفرنسا والسعودية ومصر وقطر).
وبرز ما نقلته صحيفة «النهار» من باريس عن أن الاجتماع التحضيري في القاهرة سيمثّل فرنسا فيه المبعوث الرئاسي الوزير جان إيف لودريان، وأن مؤتمر باريس من المتوقع أن يخرج بمستوى جيّد من الدعم للجيش اللبناني، ليس فقط مالياً بل أيضاً بالمعدات وأن مواقف الدول من هذا الدعم ستعلن في 5 مارس «وخصوصاً أنه تم الإعلان من جانب الجيش عن تنفيذ خطة جنوب الليطاني ونيّته استكمالها في الشمال خلال أربعة إلى ثمانية أشهر».
وفي موازاة ذلك، وعلى وقع إعلان وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس «أن بقاءنا في النقاط الخمس في جنوب لبنان لم يكن جزءاً من اتفاق وقف إطلاق النار، لكنّنا فرضناه على أرض الواقع وقبِل به الأميركيون، ولن ننسحب من لبنان طالما يملك حزب الله سلاحاً»، تقاطعت معطيات عند استمرار المساعي الأميركية لإطلاق مفاوضات لبنانية - إسرائيلية خارج إطار لجنة الميكانيزم (المولجة الإشراف على تنفيذ اتفاق وقف النار - 27 نوفمبر)، وأن واشنطن قد تتمثل فيها، بصفتها الراعي، بسفيريها في بيروت وتل أبيب ميشال عيسى ومايك هاكابي، وإسرائيل بوزير، في حين يحاذر لبنان الانزلاق لمثل هذا المسار من التفاوض المباشر أقله من دون خريطة طريق واضحة بالأهداف النهائية والخطوات التمهيدية الضرورية وليس أقلها بدء الانسحاب من النقاط المحتلة.