تشهد العلاقات الأميركية - الإسرائيلية حالة من التقارب الإستراتيجي غير المسبوق تجاه الملف الإيراني، لكنها تقوم على أساس هش: فالولايات المتحدة تنظر إلى إيران كأحد تحديات السياسة الخارجية المتعددة، بينما تراها إسرائيل تهديداً وجودياً مباشراً يفرض حلولاً عسكرية فورية وحاسمة.
وفي السياق، استعرض معظم دوائر صنع القرار في تل أبيب وواشنطن، إضافة إلى عسكريين إسرائيليين الآليات التي تدفع بها إسرائيل لإقناع الإدارة الأميركية بضرورة شن حرب شاملة على إيران، متجاوزة منطق الاحتواء إلى منطق تغيير النظام. كما استعرضوا السيناريوهات العسكرية المحتملة وانعكاساتها على جبهتي لبنان وقطاع غزة.
الأسس الفكرية والإستراتيجية للدفع الإسرائيلي
1 - تجاوز «عقيدة بيغن»: من العمل الانفرادي إلى التحالف الإجباري
لطالما اعتمدت إسرائيل على «عقيدة بيغن» (سميت باسم رئيس الوزراء مناحيم بيغن) التي تنص على أن إسرائيل لن تسمح لدول المنطقة أن تمتلك سلاحا نووياً، وستعمل بشكل أحادي إذا لزم الأمر لضمان ذلك، كما حدث في ضرب مفاعل أوزيراك العراقي عام 1981 والمفاعل السوري عام 2007.
لكن تعقيد البرنامج النووي الإيراني وتوزعه الجغرافي تحت الأرض، بالإضافة إلى قدرات طهران الصاروخية بعيدة المدى، جعلت الهجوم الإسرائيلي المنفرد غير كافٍ بل وخطير. لذلك، تحولت الإستراتيجية الإسرائيلية إلى «إجبار الحليف الأميركي على تبني العقيدة نفسها»، عبر تصوير التهديد الإيراني ليس كخطر إقليمي فحسب، بل كخطر على النظام العالمي بقيادة الولايات المتحدة.
2 - توظيف الذاكرة التاريخية: «درس ميونيخ» و«فخ التفاوض»
تُصرّ الأوساط الاستخباراتية الإسرائيلية، وفقاً لتقارير من معهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي (INSS)، على تقديم سردية مفادها بأن التفاوض مع إيران هو مضيعة للوقت ويمنح النظام غطاءً لتطوير قدراته النووية تحت غطاء دبلوماسي.
ويشير الباحث ديفيد مايكلز في دراسة لمركز بيغن-السادات للدراسات الاستراتيجية (BESA) إلى أن إسرائيل تذكر واشنطن بـ «فشل سياسة الاحتواء» في حالات مثل كوريا الشمالية، حيث أدت المفاوضات إلى امتلاك بيونغ يانغ ترسانة نووية كاملة.
بل إن بعض المحللين الإسرائيليين، مثل إيلاي شترونك من معهد دراسات الأمن القومي (INSS)، يقارنون الموقف مع «مؤتمر ميونيخ 1938»، حيث أدى الاسترضاء إلى حرب أوسع.
آليات الضغط الإسرائيلي المباشرة وغير المباشرة
1 - التنسيق الاستخباراتي المصمم لإثبات «نقطة اللاعودة»
تعمل أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية (الموساد، الشاباك، وأمان) على إغراق الشركاء الأميركيين بمعلومات سرية تثبت تقدم إيران نحو عتبة صنع القنبلة النووية.
ووفقاً لتقرير نشرته مجلة «فورين بوليسي» في يناير 2026، نقلت إسرائيل للبنتاغون ووكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (سي آي إي) أدلة على أن إيران اختصرت زمن الانتقال إلى سلاح نووي من 12 شهراً إلى أقل من 6 أشهر، وذلك بفضل تقدم في تخصيب اليورانيوم بنسبة 90 في المئة في منشأتي ناتانز وفوردو تحت الأرض.
هذا الاستنتاج يتوافق مع تقديرات معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، لكن الإسرائيليين يضيفون عليه عنصر «النوايا العدوانية» عبر تسريبات عن خطط إيرانية لهجمات ضد القواعد الأميركية في المنطقة.
2 - الاستغلال السياسي للتحول في الإدارة الأميركية: من بايدن إلى ترامب
استفادت إسرائيل بشكل كبير من العودة الثانية لدونالد ترامب للبيت الأبيض في يناير 2025، والذي يُنظر إليه في تل أبيب كإدارة أكثر ميلاً للخيار العسكري وأقل تعلقاً بالاتفاقيات الدولية مقارنة بسلفه جو بايدن. تشير تحليلات في مجلة «ناشيونال إنترست» إلى أن فريق ترامب الجديد، أكثر تقبلاً لرواية إسرائيل عن «خداع إيران» واستحالة التعايش معها.
3 - الضغط عبر الكونغرس والرأي العام
تمتلك إسرائيل نفوذاً قويا داخل الكونغرس، عبر مجموعات الضغط مثل اللجنة الأميركية الإسرائيلية للشؤون العامة (AIPAC) والتحالف الثنائي الحزبي. بعد خطاب نتنياهو التاريخي أمام الكونغرس في 2015 ضد الاتفاق النووي، عاد وكرّس هذه الآلية. تقارير من مركز البحوث «بيو» تشير إلى أن 75 في المئة من أعضاء الكونغرس الحاليين يدعمون «اتخاذ جميع الخيارات، بما فيها العسكرية، لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي». إسرائيل تعمل على تحويل هذا الدعم السياسي إلى التزام عملي عبر زيارات مكثفة لمسؤولين إسرائيليين رفيعي المستوى لواشنطن.
المخاوف والقيود الأميركية: لماذا قد تتردد واشنطن؟
1 - التقدير الاستخباراتي الأميركي: أكثر تشاؤماً من الإسرائيلي
رغم تشارك الكثير من المعلومات، فإن التقدير الاستخباراتي الوطني الأميركي (NIE) لايزال، وفقاً لمصادر في مجلس المخابرات الوطني، أكثر تحفظاً في شأن توقيت قدرة إيران على صنع سلاح نووي.
ويشير تقرير سري في ديسمبر 2025 إلى أن إيران لم تتخذ بعد قراراً سياسياً نهائياً بتصنيع قنبلة، وأن برنامجها مازال يخضع لاعتبارات اقتصادية وسياسية. هذا الاختلاف يشكل عائقاً أمام أي قرار عسكري سريع.
2 - التكاليف العسكرية والاستنزاف: دروس من العراق وأفغانستان
يُظهر البنتاغون، بحسب تحليل لمعهد بروكينغز، قلقاً عميقاً من تكلفة حرب شاملة مع إيران، والتي قد تتطلب حشداً يصل إلى 500,000 جندي أميركي وتكلفة مالية تتجاوز تريليوني دولار، مع خسائر بشرية محتملة في الآلاف. هذا دون ضمان النجاح في تحقيق تغيير نظام مستقر، بل ربما يؤدي إلى تفكك إيران وفوضى إقليمية أكبر، كما حذرت دراسة لمؤسسة راند عام 2025.
3 - سيناريوهات الحرب وانعكاساتها
السيناريو الأول: الضربة الجوية الشاملة الأميركية - الإسرائيلية المتزامنة (الأكثر ترجيحاً).
الهدف: تدمير البنية التحتية النووية (منشآت ناتانز، فوردو، وأراك)، والصواريخ البالستية (شهاب وسجيل)، ومراكز القيادة التابعة للحرس الثوري.
الدور الإسرائيلي:
وفق خطط كشفها موقع «دبيكا» العسكري الإسرائيلي، ستقوم إسرائيل بـ:
- ضربات بمقاتلات «إف - 35 آي أدير» ضد أهداف في غرب إيران (مثل منشأة أصفهان).
- إطلاق صواريخ أرض - أرض (كروز) من غواصات «دولفين - 2».
- تنشيط الدفاعات الجوية (سهم 3 وحيتس 3) لاعتراض أي صواريخ إيرانية.
رد الفعل الإيراني المباشر
- قصف صاروخي مكثف على قواعد أميركية ومحاولة إغلاق مضيق هرمز عبر ألغام وسفن سريعة.
- انعكاسات على لبنان:
سينفذ «حزب الله» خطة الرد الموازي، بإطلاق ما بين 1500 - 2000 صاروخ يومياً في الأيام الأولى، مستهدفاً البنية التحتية الحيوية الإسرائيلية (مطار بن غوريون، منشآت الغاز، ومراكز صناعية).
- ستشن إسرائيل عملية برية محدودة في جنوب لبنان لخلق منطقة عازلة، مع قصف مكثف لمواقع الحزب في وادي البقاع وبيروت الجنوبية. ووفق تقديرات معهد واشنطن، قد تصل خسائر لبنان إلى مستوى تدمير يشبه حرب 2006، لكن بضعف الضرر.
انعكاسات على غزة
- ستنفذ «حماس» و«الجهاد الإسلامي» هجمات تنسيقية مع حزب الله، لكن بقدرات أقل.
- ستستغل إسرائيل الفرصة لشن عملية برية شاملة في غزة (مشابهة لعملية «الحديد الصلب» ولكن أوسع) بهدف اقتلاع القدرات العسكرية للفصائل نهائياً، مع تداعيات إنسانية كارثية قد تدفع بمئات الآلاف من اللاجئين إلى الخارج.
السيناريو الثاني: الحرب الإقليمية الشاملة (الأسوأ)
الهدف: تغيير النظام عبر حرب متعددة الجبهة تشمل العراق وسوريا ولبنان واليمن.
الدور الأميركي: ضربات جوية مكثفة مع عمليات خاصة داخل إيران، وحصار بحري كامل.
انعكاسات على لبنان: تحول لبنان إلى ساحة قتال مباشرة بين إسرائيل والحرس الثوري، مع احتمالية انهيار الدولة وحدوث حرب أهلية طائفية جديدة... قد تتدخل سوريا بشكل محدود.
انعكاسات على غزة: ضم فعلي من قبل إسرائيل أو إعادة احتلال عسكري كامل تحت ذريعة منع تحولها إلى قاعدة إيرانية، مع مقاومة مسلحة شرسة تؤدي إلى خسائر كبيرة في الجانبين.
السيناريو الثالث: الصفقة الأخيرة والحرب المحدودة (الأقل ضرراً ولكن غير مرجح)
الهدف: ضربة أميركية «تحذيرية» على منشأة نووية واحدة، تليها مفاوضات مكثفة تحت التهديد.
الانعكاسات: رد إيراني محدود عبر الميليشيات، ورد إسرائيلي مقيد على حزب الله في لبنان، وتصعيد متحكم به في غزة ينتهي بتهدئة سريعة.
تقديرات استخباراتية
التقدير الإسرائيلي (حسب معهد INSS): احتمال الحرب في الأشهر الثلاثة المقبلة يصل إلى 70 في المئة إذا فشلت مفاوضات إسطنبول. إسرائيل مستعدة لخسائر تصل إلى 300 قتيل و2000 جريح من الشعب، مع أضرار بنيوية كبيرة، لكنها تعتبر ذلك ثمناً مقبولاً لإزالة التهديد النووي.
التقدير الأميركي (حسب مصادر في مجلس العلاقات الخارجية CFR): إدارة ترامب تقدر أن فرص نجاح الضربة الجوية في تعطيل البرنامج النووي لمدة 5 - 7 سنوات تصل إلى 80 في المئة، لكن فرص تغيير النظام من دون غزو بري لا تتعدى 30 في المئة.
والخوف الأكبر هو استنزاف القوة الأميركية عالمياً لصالح الصين وروسيا.
حافة الهاوية
تقف المنطقة على حافة مواجهة مصيرية، حيث تدفع إسرائيل بكل ثقلها الاستخباراتي والسياسي نحو حرب تعتبرها ضرورة وجودية. لكن القرار النهائي في واشنطن سيخضع لحسابات تكلفة-منفعة معقدة، تتجاوز الشرق الأوسط إلى المنافسة العالمية.
في كل الأحوال، سيكون لبنان وغزة ضحية حتمية لأي تصعيد، حيث سيتحولان إلى ساحات لتصفية الحسابات الإقليمية بثمن بشري واقتصادي فادح، ما يهدد بزعزعة استقرارهما لعقود مقبلة.