لم يَسْلَمْ لبنان من لعبةِ «الإشاراتِ المتناقضة» التي تكثّفت في الساعات الماضية على جبهة إيران، وسط صعوبة تقديرِ الاتجاه الذي ستسلكه المنطقة ومتى، وخصوصاً في ضوء ارتباط عمليات المحاكاة للاحتمالات الحربية وغير الحربية ببنك الأهداف المرسوم للإقليم وتحوّلاته الجيو - سياسية بامتداداتها الدولية.
وفيما كانت المنطقةُ تقيم فوق غموضٍ كبير بإزاء ما سيكون، ولا سيما مع تسريباتٍ عن أنّ أي هجوم على إيران ليس على الطاولة قبل أسبوعين وربما شهرين، وهو ما قابلتْه قراءاتٌ لم تُسْقِط أن مثل هذه الأجواء قد تَنْطوي على محاولةٍ لاستعادةِ «عنصر المباغتة» في أي ضربةٍ بعدما أتاح «دقُّ النفيرُ» سابِقاً إجراءَ «مسْحٍ» إضافي لقدرات طهران الدفاعية وتموضعاتها، لم يقلّ منسوبَ الرمادية التي تلفّ الواقعَ اللبناني، الذي انزلق الى عَيْنِ عواصف الاقليم منذ «طوفان الأقصى» وتَعَمَّق انكشافُه على ما يُخشى أنه الإعصارُ الأخطر الذي قد يضرب الشرق الأوسط مع تأكيد «حزب الله» أنه ليس على الحياد في أي عدوان على طهران.
وفي الوقت الذي كانت لغةُ «السلاح الأبيض» والدبلوماسية تتسابقان فوق «برميل البارود» في المنطقة، من دون أن يُفْهَم إذا كانت أي حربٍ قد عُلِّقت حتى تَبَلْوُرِ «نافذة التفاوض» ولا هل التفاهُم حول النووي فقط، كما تَقترح طهران، كافٍ وكفيل بأن يَنزع فتيل الانفجار الكبير، لم يكن عابراً مشهد «التطوير وإعادة التأهيل» الذي ارتسم من كريات شمونة، على بُعد نحو كيلومترين عن الحدود مع لبنان، في الوقت الذي تَمْضي إسرائيل بالاستعدادات للمواجهة في الإقليم كما مع «حزب الله».
ولم يكن عادياً أن يطلّ بنيامين نتنياهو، اليوم الأحد، من كريات شمونة حيث ترأس جلسة حكومية استثنائية أعلن خلالها عن خطة عاجلة لإعادة تأهيل وتطوير المنطقة الشمالية (تشمل مدن كريات شمونة وشلومي ومتولا)، مؤكداً التزام حكومته بضمان أمن السكان في المناطق الحدودية وذلك من ضمن «جهود تعزيز النمو الاقتصادي والديمغرافي والأمني في الشمال، وجعْل المنطقة قلباً مزدهراً للجليل».
وبدا من الصعب التكهّن بخلفياتِ هذه الخطوة وهل تَعكس اطمئناناً من تل أبيب إلى «قوةِ الردع» المستعادة والتي تطفي لإطلاق مسار التطوير وإلى أنّ احتمالات الحرب في المنطقة تراجعت، أم أن الأمر هو في سياق «مَخادَعَة» وإعطاء إشارةٍ عَكْس المسار الذي يُراد سلوكه، وتالياً أن «إعادة التأهيل» في مستوطنات الشمال يتطلب أن يمرّ قبْلها بمخاضٍ أخيرٍ، وسط كلام لافت لنتنياهو الذي نُقل عنه أن «الحكومة لا تلتزم فقط بتنمية الشمال، بل أيضاً بضمان أمن السكان، ولا مجال للاحتواء، ولا تنازلات، فنحن نعمل على مواجهة كل تهديد في الوقت الفعلي وبشكل مستمر - وسنواصل القيام بذلك».
اعتداءات إسرائيلية
وتزامنت جلسة الحكومة الإسرائيلية مع تكثيف الطلعات الجوية في سماء لبنان وجنوب الليطاني بالتَوازي مع استمرارِ الاعتداءات شمال النهر، حيث نُفذت غارة على بلدة عبا قضاء النبطية أدت الى سقوط شخص ووقوع ستة جرحى بينهم طفلة تبلغ من العمر 6 سنوات وفتاة وفتى كلاهما دون الثامنة عشرة.
وفيما أغارت طائرة مسيّرة على جرّافةً في بلدة قناريت في قضاء صيدا، بخمسة صواريخ، أثناء عملها على رفع الرّكام من مكان الغارة الأخيرة على البلدة في 21 يناير الماضي، أعلن الجيش الإسرائيلي أنه هاجم «آليات هندسية تابعة لحزب الله أثناء استخدامها في إعادة تأهيل بنى تحتية إرهابية في جنوب لبنان»، قبل أن يشير في منشور على «أكس» إلى أنه «خلال الأشهر الأخيرة، عملت قوات لواء 769 (في جنوب لبنان) على تدمير بنى تحتية إرهابية كانت تُستخدم من حزب الله وبينها: مخزن صواريخ مضادة للدروع ومستودعات أسلحة»، لافتاً إلى تدمير «مبنى في قرية الخيام كان قد استُعمل خلال الحرب من عناصر الحزب لإطلاق قذائف مضادة للدروع باتجاه أراضي دولة إسرائيل».
ولم تّقلّ دلالةً التهديدات التي تعرّضت لها العديد من مستشفيات الجنوب، وبينها مستشفى صلاح غندور في بنت جبيل، عبر مناشير إسرائيلية للأهالي زَعمت أنه يتم استخدامُها من «حزب الله» مع تحذير «أَوْقِفوا جهودَ إعادة بناء البنية التحتية للإرهاب»، وهو ما دانته وزارة الصحة اللبنانية معتبرة أن «هذه التهديدات اعتداء خطير وانتهاك صارخ للقوانين والمواثيق الدولية، ولا سيّما القانون الدولي الإنساني الذي يضمن الحماية الكاملة للمستشفيات والمنشآت الصحية والفرق الطبية في جميع الأوقات».
وتَرافَقَ هذا التصعيد اليومي مع مزيدٍ من المؤشرات إلى المَخاطر العالية التي تحوط بلبنان ربطاً بمآل ملف سلاح «حزب الله» وعملية سَحْبه التي تحاول بيروت، وبصعوبة بالغة، أن تديرها بتوازُن لا يوقع البلاد في البركان الاقليمي الذي يُغْلي ولا في أتون صراعٍ داخلي، وهي المَخاطر التي ترتفع حُكْماً في حال انفجرتْ المنطقة في ضوء تهديد الحزب بإسناد إيران ما يعني «حرق المراكب» في قضية ما بقي من ترسانته العسكرية التي يُخشى أن تصبح برسْم «النار الإسرائيلية».
وفي هذا السياق برز ما نقلته قناتا «العربية» و«الحدث» عن مصادر مطلعة على الرسائل الأميركية الإسرائيلية من أن تل أبيب «وفي اللحظة التي يبدأ «حزب الله» بضرب إسرائيل، ستشنّ حملة قصف واسعة على بنيته التحتية وأفراده، على غرار ما حصل في العام 2024».
وأكد أحد المصادر «أن الطائرات الإسرائيلية في الجوّ ولديهم لائحة أهداف جاهزة، إنهم الآن مكبَّلون باتفاق وقف النار، لكن إطلاق حزب الله أي هجمات على إسرائيل سيعطيها المبرّر للعودة إلى الحرب وتوجيه ضربات أكثر للحزب».
ورغم إشارة التقرير إلى أن لائحة الأهداف لا تشمل البنية التحتية للدولة اللبنانية، لكنه لفت إلى «ان لا شيء مؤكّدا بهذا الشأن»، ناقلاً عن ناشطين لبنانيين في العاصمة الأميركية أن «ثمة مشاكل عدة تواجه الدولة اللبنانية في تعاطيها مع الولايات المتحدة، وأولها هو تأخر الجيش اللبناني في عرْض خطته على الحكومة اللبنانية لمرحلة شمال الليطاني، المشكلة الثانية هي قناعة الأميركيين أن حزب الله ما زال يتلقّى المال والسلاح المهرّب».
وقال أحد الناطقين لـ «العربية/الحدث» ممن اطّلعوا على تقارير رسمية أميركية، إن الأمور أفضل قليلاً فقط مما كانت عليه من قبل «لكن حزب الله لديه 250 ممراً برّياً مع سوريا وهو يستعملها للتهريب، لأن لبنان وسوريا لم يتمكّنا من ضبط هذه الحدود»، كما أشار إلى بعض التهريب عبر المرافئ والشواطئ الجنوبية للبنان.
ووفق التقرير نفسه، فإن مسؤولين إسرائيليين نقلوا تكراراً لواشنطن خلال الأسابيع الماضية أن التهريب مستمرّ، كما أشاروا إلى أن حزب الله تمكّن أيضاً من تجنيد مجموعات جديدة من المقاتلين وأنه عوّض عن الخسائر البشرية التي أصيب بها خلال حرب العام 2024 لكن هذه الأرقام غير مؤكدة.
وتَشي هذه المعطيات بدقّة الزيارة التي بدأها قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل للولايات المتحدة، حيث يباشر غداً لقاءاته مع العديد من المسؤولين الأميركيين في واشنطن، من دون أن تكون في جعبته الخطة التي يُفترض أن يَعرضها على مجلس الوزراء بعد عودته حول المرحلة الثانية من حصر السلاح شمال الليطاني (بين نهري الليطاني والأولي) والتي باتت المعيار لأي دعم دولي فعلي للجيش (في مؤتمر باريس المقرَّر مبدئياً في 5 مارس) وتمويلٍ لنهوض لبنان، وسط رصْدٍ لِما سيبلغه الى مَن سيجتمع بهم حيال «الخطوة التالية» في ما خص تفكيك ترسانة «حزب الله» وإمكانات ممارسة إدارة الرئيس دونالد ترامب ضغوطاً على تل أبيب لتنفيذ التزاماتها بموجب اتفاق وقف النار (27 نوفمبر 2024)، هي التي «أَنقذت» آلية مراقبة تطبيقه، أي «الميكانيزم» التي ستعاود اجتماعاتها، أقلّه العسكرية، في 25 الجاري.
«الميكانيزم»
وفي حين تنشدّ الأنظار الى الزيارة التي بدأها الرئيس جوزف عون، لإسبانيا حيث يلتقي الإثنين الملك فيليب السادس ورئيس الوزراء بيدرو سانشيز وسيطلب من مدريد «أن تعمل داخل الاتحاد الأوروبي للدفع باتخاذ إجراءات حازمة تجاه إسرائيل لإلزامها بتطبيق بنود اتفاق وقف الأعمال العدائية، والالتزام الكامل بتنفيذ القرار 1701»، باغت «حزب الله» مجدداً «الميكانيزم» وتحديداً جناحَها «المدني» الذي استُحدث أوائل ديسمبر، وبات لبنان يتمثّل فيه برئيسٍ للوفد هو السفير السابق سيمون كرم.
وهاجم «حزب الله» عبر نائبه ابراهيم الموسوي السفير كرم، الذي يُعتبر بمثابة «الموفد الرئاسي» لعون، في تطورٍ عَكَس استمرارَ التوتّر في العلاقةِ مع رئيس الجمهورية بعد مواقفه الثابتة لجهة التمسك بحصر السلاح شمال الليطاني وانتقاده الحزب ودعوته اياه لـ «التعقل» وصولاً لما أعلنه الشيخ نعيم قاسم من أننا «لسنا على الحياد في أي عدوان على إيران».
كما تم التعاطي مع هجوم الموسوي على أنه تعبير عن رؤية «حزب الله» حيال الميكانيزم ونطاقها الجغرافي المحصور بجنوب الليطاني وتالياً لا صلاحية لها شمال النهر.
وقال الموسوي في بيان ردّ فيه على كلامٍ نُقل عن السفير كرم، إن «انزلاق السلطة اللبنانية إلى فخ تعيين دبلوماسي مدني رئيساً للوفد اللبناني إلى لجنة الميكانيزم كان خطيئة ثانية لا تقلّ خطورة عن خطيئة قرار حصر السلاح في ظل استمرار الاحتلال الصهيوني لأراض لبنانية ومواصلته الاعتداءات اليومية على السيادة والشعب والوطن».
وأضاف «أوردت بعض الصحف اللبنانية خبراً عن طرح جديد يحضّره السفير كرم ومفاده الربط بين خطوات يقدم عليها العدو لتسهيل السير في لبنان بالمرحلة الثانية من حصر السلاح، إضافة إلى كلام آخر نسب إليه يكشف عن دوره في التفاوض مع العدو الصهيوني على حساب أبناء لبنان المقاومين. وإزاء هذه التصريحات نؤكد أن لجنة الميكانيزم مهنتها تقنية بحت تهدف إلى تنفيذ التزام أطراف اتفاق 27 نوفمبر ببنوده المحددة التي تنحصر دائرة نطاقها ضمن جنوب الليطاني فقط لا غير.. وإن أي تمدد في الطروحات المرتجَلة التي تسهل للعدو الإسرائيلي التدخل في ما لا يعنيه الاتفاق خارج جنوب النهر، هو تجاوز للصلاحية المقررة للجنة ولأعضائها، وهي محل رفض قاطع وإدانة أيضاً».
وتابع «كما أن تبني السفير كرم لادعاءات العدو الصهيوني وسرديته الكاذبة استناداً إلى دقة تشخيصه لمكان السيد حسن نصرالله وتنفيذه جريمة الاغتيال، هو منطق يؤكد سوء تقدير صاحبه وقصوره عن فهم الوقائع والحيثيات».