في حدث تاريخي يعكس مكانة الكويت كمنارة للحوار واحترام التنوّع الديني، شهدت البلاد ترقية كنيسة سيدة الجزيرة العربية في مدينة الأحمدي، إلى رتبة وكرامة «بازيليكا صغرى»، تزامناً مع الزيارة الرسمية والرعوية لأمين سرّ دولة الفاتيكان والممثّل الرسمي لقداسة البابا، الكاردينال بييترو بارولين.

لقب «بازيليكا صغرى» يمنحه البابا للكنائس ذات الأهمية التاريخية والروحية والرعوية المتميزة، ويعكس علاقة خاصة مع أسقف روما.

وفي هذا السياق، أكد مساعد وزير الخارجية لشؤون أوروبا السفير صادق محمد معرفي، أن زيارة أمين سر الفاتيكان الكاردينال بيترو بارولين تأتي في إطار العلاقات التاريخية المتميزة التي تجمع البلدين منذ عام 1968، مشيراً إلى أن الكويت كانت أول دولة في مجلس التعاون الخليجي تقيم علاقات دبلوماسية مع الفاتيكان.

جاء ذلك، في تصريح بمناسبة إعلان كنيسة «سيدة الجزيرة العربية» في منطقة الأحمدي كـ«بازيليكا صغرى»، خلال احتفالية دينية مهيبة ترأسها الكاردينال بارولين، بحضور محافظ الأحمدي الشيخ حمود الجابر، وعدد كبير من السفراء وممثلي السلك الدبلوماسي في البلاد، إلى جانب نحو 70 من رجال الدين المسيحيين الذين أتوا من مختلف الدول الخليجية، والمئات من المواطنين والمقيمين.

علاقات قوية

وأوضح معرفي أن «علاقات الكويت مع الفاتيكان شهدت، على مدى العقود الماضية، سلسلة من الزيارات رفيعة المستوى، جسّدت عمق التواصل والحوار بين الجانبين». ولفت إلى أن «من أبرز هذه المحطات زيارة الأمير الراحل، سمو الشيخ صباح الأحمد، طيب الله ثراه، إلى الكرسي الرسولي (الفاتيكان) في 6 مايو 2010، التي شكّلت منعطفاً مهماً في مسار العلاقات الثنائية، وسبقتها زيارة سمو الشيخ ناصر المحمد، عام 2009، فيما تلتها زيارة سمو رئيس مجلس الوزراء الأسبق الشيخ جابر المبارك، عام 2015، بما يعكس حرص القيادة السياسية الكويتية على تعزيز قنوات التواصل مع الفاتيكان».

وبيّن معرفي أن «زيارة الكاردينال بارولين تكتسب أهمية خاصة، كونها أول زيارة لمسؤول رفيع من الفاتيكان إلى الكويت منذ عام 1996، حيث التقى خلال زيارته سمو رئيس مجلس الوزراء الشيخ أحمد العبدالله، وسمو الشيخ ناصر المحمد، ووزير الخارجية عبدالله اليحيا، وتم خلالها تبادل وجهات النظر حول سبل تعزيز العلاقات الثنائية، إضافة إلى مناقشة عدد من القضايا ذات الاهتمام المشترك».

وأضاف أن برنامج الزيارة تضمن جولات ثقافية شملت متحف قصر السلام، ودار الآثار الإسلامية، والمسجد الكبير، بما يعكس اهتمام الجانبين بتعزيز الحوار الثقافي والحضاري.

وأكد معرفي أن هذه الزيارة تعكس الاهتمام المشترك بين دولة الكويت والكرسي الرسولي بالارتقاء بمستوى العلاقات الثنائية، ودفعها نحو آفاق أوسع وأكثر شمولاً، بما يخدم قيم الحوار والتعايش والانفتاح بين الشعوب.

وذكر أن كنيسة «سيدة الجزيرة العربية» في الأحمدي تُعتبر أقدم كنيسة كاثوليكية في الكويت والخليج، وأول كنيسة في المنطقة تنال لقب «بازيليكا صغرى».

بلد التسامح

وفي كلمة له خلال الاحتفال، عبّر أمين سر الفاتيكان الكاردينال بييترو بارولين عن سعادته بهذا «اليوم التاريخي المبارك»، مؤكداً أن ترفيع الكنيسة لا يقتصر على تكريم مبنى من حجر، بل يشكّل اعترافاً بمسيرة إيمان حيّة امتدت عبر عقود، وبالحضور الروحي للكنيسة ورسالتها في ربوع الجزيرة العربية.

وأشار الكاردينال بارولين إلى أن «الكنيسة ارتبطت منذ نشأتها بتاريخ جماعات المؤمنين، لاسيما من العمال الوافدين الذين قدموا إلى البلاد في منتصف القرن الماضي، وأسهموا في نهضتها، حاملين معهم إيمانهم وتعلّقهم بالعذراء مريم»، لافتاً إلى أن الكنيسة، التي كُرّست في الثامن عشر من ديسمبر، أصبحت على مر السنين ملاذاً روحياً وبيتاً للصلاة ومصدر رجاء وتعزية لعدد لا يُحصى من المؤمنين.

من ناحيته، عبر مدير مجموعة العلاقات العامة والإعلام في شركة نفط الكويت محمد البصري، عن سعادته لاحتضان الشركة أقدم كنيسة في الكويت، معتبراً اعتراف الفاتيكان بهذه الكنيسة وترفيعها إلى منزلة «بازيليكا صغرى»، يظهر أن الكويت بلد الأمان وبلد يتمتع بالتسامح بين الأديان.

نموذج فريد

بدوره، توجّه النائب الرسولي لشمال شبه الجزيرة العربية، المطران ألدو براردي بالشكر إلى الكويت أميراً وحكومة وشعباً، معبّراً عن امتنانه بهذا التكريم البابوي «الذي يشكّل مصدر فخر لجميع المسيحيين من المواطنين والمقيمين في الكويت، ويعكس التقدير العميق للحرية الدينية والحوار بين الأديان في هذه الأرض الطيبة».

أضاف أن «هذا القرار البابوي يشكّل علامة مضيئة في مسيرة الكنيسة الكاثوليكية في الكويت، ورسالة تقدير عالمية لما تمثله البلاد من نموذج فريد للتسامح والعيش المشترك بين الأديان».

وأكد أن «هذا التكريم البابوي يُعد حدثاً تاريخياً يضع الكويت على خريطة الكنائس العالمية، ويعكس تقدير الكنيسة الكاثوليكية للدور الكويتي في ترسيخ حرية العبادة وتعزيز قيم التسامح والعيش المشترك».

الأب سليمان حيفاوي: الكويت تسجّل محطة تاريخية

قال الناطق الرسمي للكنيسة الكاثوليكية في الكويت، الأب سليمان حيفاوي، إن الكويت تعيش لحظة استثنائية ذات أبعاد روحية وإنسانية عميقة، تعكس عمق العلاقات التاريخية والمتميزة التي تجمعها بالكرسي الرسولي، والتي تقوم على الاحترام المتبادل، والحوار البنّاء، وتعزيز قيم التعايش السلمي بين الأديان والثقافات.

وأوضح حيفاوي أن العلاقات الدبلوماسية بين دولة الكويت والفاتيكان تعود إلى عام 1965، حين كانت الكويت أول دولة في الخليج العربي تقيم علاقات رسمية مع الكرسي الرسولي، في خطوة رائدة جسّدت رؤيتها المنفتحة ونهجها القائم على احترام الآخر وتعزيز السلام. وقد تطوّرت هذه العلاقات على مدى العقود الماضية من خلال زيارات رسمية متبادلة، وتعاون إنساني مشترك، ما أكّد المكانة الخاصة التي تحتلها الكويت في نظر الفاتيكان.

وأشار إلى أن زيارة أمين سرّ دولة الفاتيكان تزامنت مع احتفال كنسي غير مسبوق، أُقيم يوم الجمعة 16 يناير 2026، تم خلاله الإعلان رسمياً عن ترقية كنيسة سيدة الجزيرة العربية إلى «بازيليكا صغرى»، بحضور رجال دين من مختلف الطوائف، وممثلين رسميين من دولة الكويت، ودبلوماسيين، وضيوف من داخل البلاد وخارجها، في مشهد عكس روح الانسجام الديني والاجتماعي الذي تتميز به الكويت.

وبيّن أن منح الكنيسة لقب «بازيليكا صغرى» يُعد تكريماً كنسياً رفيعاً يُمنح للكنائس ذات القيمة الروحية والتاريخية والليتورجية، ويعكس ارتباطها المباشر بالكرسي الرسولي ودورها الرسالي في تعزيز وحدة الكنيسة وخدمة المجتمع، إلى جانب ما يتيحه من امتيازات رمزية وليتورجية تعبّر عن الشركة مع قداسة البابا.

وأكد أن هذا الحدث يحمل أبعاداً حضارية وإنسانية، ويعكس صورة الكويت كدولة تحترم حرية العبادة، وتحتضن التنوّع الديني والثقافي، في ظل قيادتها الحكيمة ورؤيتها الإنسانية.