في عالم يتسم بتسارع الأزمات في النظام الدولي القائم جاءت مبادرة الحوكمة العالمية التي طرحها الرئيس الصيني شي جين بينغ، خلال قمة منظمة شانغهاي للتعاون في مدينة تيانجين لتعبر عن تحول نوعي في الدور الصيني على الساحة الدولية، من قوة بالنظام العالمي إلى فاعل دولي يسعى إلى طرح تصور متكامل لإدارته وإعادة ضبط قواعده.

المبادرة، وهي ضمن حزمة المبادرات العالمية التي أطلقتها الصين خلال السنوات الأخيرة لا يمكن قراءتها كخطاب سياسي عابر أو موقف فقط، بل كجزء من مشروع إستراتيجي طويل المدى يستهدف إعادة تشكيل قواعد الحوكمة العالمية في لحظة تاريخية تشهد اضطراباً غير مسبوق في موازين القوة الدولية، وتصاعداً واضحاً في إستراتيجية إعادة التوازن، وتراجعاً في فاعلية المؤسسات الدولية التقليدية.

اللافت في مبادرة الحوكمة العالمية أنها لا تكتفي بما وصفته بـ«عقلية الحرب الباردة» وازدواجية المعايير في النظام الدولي بل تقدم مجموعة من المبادئ الحاكمة تقوم على المساواة في السيادة، والتمسك بالقانون الدولي، وتعزيز التعددية، والتركيز على مصالح الشعوب، والانتقال من الخطاب إلى الفعل.

وهي مبادئ تعبر عن استجابة مباشرة لشعور متزايد لدى العديد من دول الجنوب بأن النظام الدولي لم يعد يعكس توازنات القوة الفعلية ولا يحقق العدالة في توزيع الفرص والمسؤوليات.

ومن خلال هذا الطرح تسعى الصين إلى إعادة تعريف مفاهيم أساسية في العلاقات الدولية، مثل الشرعية الدولية، والتدخل، والديمقراطية، من منظور يركز على الاستقرار والتنمية واحترام الخصوصيات الوطنية بعيداً عن فرض نماذج جاهزة أو معايير أحادية، كما تحرص بكين على تقديم مبادرتها باعتبارها مكملة للنظام الدولي القائم لا بديلاً صدامياً عنه، وهو ما يفسر تأكيدها المتكرر على دور الأمم المتحدة وأهميتها في إدارة الشؤون العالمية.

اختيار منظمة شانغهاي للتعاون منصة لإطلاق المبادرة يحمل دلالات سياسية واضحة، فالمنظمة تمثل نموذجاً عملياً للتعددية التي تراها لها الصين بتركيبتها المتنوعة وامتدادها الجغرافي الواسع وبحجم التعاون الاقتصادي والتنموي بين أعضائها، هذه المعطيات تعزز فكرة أن المبادرة ليست مجرد طرح نظري، بل تستند إلى أدوات واقعية وقدرة على التنفيذ التدريجي.

وتبرز في هذا السياق أهمية البعد التكنولوجي لا سيما في ما يتعلق بالذكاء الاصطناعي حيث تدرك الصين أن مستقبل الحوكمة العالمية لن يحسم فقط في القاعات السياسية بل في القدرة على وضع قواعد عادلة لإدارة التكنولوجيا والمعرفة. ومن هنا، تبدو الدعوة إلى تقاسم ثمار التقدم التكنولوجي محاولة استباقية لمنع احتكار صياغة القواعد من قبل عدد محدود من الدول.

بالنسبة لدول الخليج، يفتح هذا الطرح مساحة أوسع لتوجهات التنويع في الشراكات الدولية ومع الرغبة في نظام عالمي أكثر توازناً وأقل استقطاباً، كما يتيح فرصة للمشاركة الفاعلة في نقاشات الحوكمة العالمية خصوصاً في مجالات الطاقة والتكنولوجيا والتنمية المستدامة، دون الانخراط في اصطفافات حادة.

قد لا تكون مبادرة الحوكمة العالمية حلاً شاملاً لأزمات النظام الدولي، لكنها تعكس إدراكاً صينياً متقدماً لحجم التحولات الجارية وسعياً جاداً لإعادة فتح نقاش حول شكل الحوكمة العالمية في مرحلة ما بعد الأحادية، وبينما ستبقى الآراء متباينة حول فرص نجاح هذا الطرح فإن المؤكد أن الطريق الصيني نحو حوكمة عالمية أكثر توازناً بات جزءاً لا يمكن تجاهله في معادلات السياسة الدولية المعاصرة.

مبادرة الحوكمة العالمية التي طرحتها الصين ليست مبادرة تقنية بل هي بيان سياسي يعكس طموح الصين لقيادة مرحلة جديدة من التعددية الدولية، نجاحها سيعتمد على قدرتها على تحويل المبادئ إلى ممارسات وعلى مدى استعداد المجتمع الدولي لتقبل نموذج حوكمة لا تديره قوة واحدة بل مجموعة قوى تتشارك القرار والمسؤولية.