ذكرت مجلة فورتشن في تقرير موسع نشرته حديثاً، أن طموحات الإدارة الأميركية لتحويل جزيرة غرينلاند إلى منجم عالمي للمعادن الإستراتيجية تواجه واقعاً اقتصادياً «مرعباً».
وأوضحت المجلة، نقلاً عن خبراء في قطاع المعادن، أن بناء صناعة تعدين حقيقية في الجزيرة ليس مجرد مسألة سياسية، بل تحدٍ لوجستي يتطلب استثمارات تُقدر بـ «مليارات المليارات» من الدولارات، وقد يستغرق عقوداً طويلة من الزمن قبل رؤية أي عائد ملموس.
وأضافت «فورتشن» أن الخبراء الفنيين يؤكدون أن «غرينلاند، رغم غناها النظري بالعناصر الأرضية النادرة الضرورية للتقنيات المتقدمة، تفتقر حرفياً إلى كل شيء؛ فلا توجد طرق تربط بين المواقع المحتملة، ولا موانئ قادرة على شحن كميات ضخمة من الخام، كما أن شبكة الطاقة الحالية لا تكفي لتشغيل آلات تعدين ثقيلة.
وأشار التقرير إلى أن المناخ القطبي القاسي يجعل العمليات التشغيلية تقتصر على فترات زمنية قصيرة خلال العام، ما يرفع الكلفة إلى مستويات قد لا تتحملها ميزانيات الدول، ناهيك عن الشركات الخاصة.
وعلى مستوى الجدوى، لفتت «فورتشن» إلى أن الهيمنة الصينية المطلقة على سلاسل توريد المعادن النادرة المحرك الرئيسي للطموحات الأميركية، لكنها استدركت بأن الخبراء يرون أن الاعتماد على غرينلاند كبديل للصين هو «خطة لعقود عدة» وليس حلاً سريعاً للأزمة الحالية.
ومن الجانب الشعبي، ذكرت صحيفة «ذي غارديان» أن استطلاعات الرأي 2025 أظهرت رفضاً كاسحاً من سكان الجزيرة بنسبة 85 في المئة للانضمام للولايات المتحدة، بينما تفتقر فكرة التدخل العسكري لأي دعم شعبي داخل أميركا نفسها، حيث لا يؤيدها سوى 7 في المئة من المواطنين.
وخلص التقرير المشترك للمصدرين إلى أنه بينما ترى الإدارة الأميركية في غرينلاند «جائزة جيوستراتيجية» لا غنى عنها، يرى المتخصصون الاقتصاديون أنها «ثقب أسود» للاستثمارات يحتاج نصف قرن ليؤتي ثماره، في حين يراها الحلفاء الأوروبيون تهديداً مباشراً لسيادة القانون الدولي واستقرار القارة العجوز.
ما أهمية غرينلاند
جيوستراتيجياً واقتصادياً؟
تتمتع جزيرة غرينلاند بأهمية جيوستراتيجية واقتصادية فائقة في العصر الحديث، فهي تضم احتياطيات ضخمة من المعادن الأرضية النادرة والنفط والغاز التي كشف عنها ذوبان الجليد، ما جعلها محوراً للصراع بين القوى العظمى الساعية لتأمين سلاسل توريد التكنولوجيا المتقدمة بعيداً عن الهيمنة الصينية.
علاوة على ذلك، يمنحها موقعها الفريد في القطب الشمالي دوراً عسكرياً حيوياً كخط دفاع أول ومقر لأنظمة الإنذار المبكر الأميركية، فضلاً عن كونها بوابة للممرات الملاحية القطبية الجديدة التي تعد بتغيير خارطة التجارة العالمية عبر اختصار المسافات بين القارات.
وتاريخياً، بدأت حكاية الجزيرة باستيطان شعوب«الإنويت»قبل آلاف السنين، ثم وصلها البحار الإسكندنافي«إريك الأحمر» في القرن العاشر وأطلق عليها اسمها الحالي لجذب المستوطنين، قبل أن تصبح مستعمرة دنماركية رسمياً في القرن 18.
وبعد تحولات سياسية طويلة، انتقلت غرينلاند من وضع المستعمرة إلى جزء من مملكة الدنمارك 1953، وصولاً إلى نيلها حكماً ذاتياً واسع النطاق 2009، مع بقاء شؤون الدفاع والسياسة الخارجية في عهدة كوبنهاغن، وهو الوضع القانوني الذي يصطدم حالياً بالطموحات الأميركية المتزايدة للاستحواذ عليها.