تشهد الأسواق النفطية حالة من الازدحام والفوضى، وسط مؤشرات تقترب من شبه انهيار في الأسعار، حيث تراجع سعر برميل النفط إلى حدود 60 دولاراً لخام برنت، بينما بلغ سعر الخام الأميركي نحو 58 دولاراً للبرميل. ويطرح هذا الواقع تساؤلات جوهرية حول مستقبل الأسعار: هل سيواصل النفط مساره الهبوطي أم سيستقر عند مستوياته الحالية؟ يأتي ذلك في ظل التدخل الأميركي في فنزويلا، والذي يهدف – في ما يبدو – إلى الحفاظ على سعر النفط الأميركي عند مستويات تقل عن 60 دولاراً للبرميل، مستفيداً من الحاجة الماسة إلى النفط الفنزويلي. ويُتوقع أن يصاحب هذا التدخل إدخال تقنيات نفطية أميركية متقدمة لتحسين وزيادة الإنتاج، إلى جانب السماح بدخول شركات نفطية أخرى، إضافة إلى شركة «شيفرون» الأميركية التي تُعد حالياً الشركة الوحيدة العاملة في فنزويلا.

في المقابل، لا تظهر منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) أي مؤشرات إيجابية بشأن الدعوة إلى اجتماع طارئ لمراجعة الأسعار، حيث يبدو أن المنظمة تفضل ترك تحديد الأسعار لقوى السوق. ويُطرح هنا تساؤل مهم: هل تراجعت «أوبك» عن دورها التدخلي، أم أنها باتت ترى أن التدخل لم يعد مجدياً؟

تشير التجارب السابقة للمنظمة إلى محدودية فعالية سياسة تحديد الإنتاج وتوزيع الحصص (الكوتا)، إذ إن غالبية الدول الأعضاء لا تلتزم فعلياً بتلك الحصص، سعياً إلى تحقيق أكبر استفادة ممكنة من أي ارتفاع في أسعار النفط، وهو ما أفقد هذه السياسة جدواها العملية.

وعلى صعيد الأرقام، يبلغ متوسط الاستهلاك العالمي للنفط ما بين 103 و104 ملايين برميل يومياً، في حين يتراوح الإنتاج العالمي بين 105 و107 ملايين برميل يومياً، ما يعني وجود فائض نفطي يُقدَّر بنحو 4 ملايين برميل يومياً. وتتصدر الولايات المتحدة الأميركية قائمة أكبر منتجي النفط الخام في العالم بإنتاج يقارب 13.8 مليون برميل يومياً، متقدمة بفارق يقارب 4 ملايين برميل يومياً عن أقرب منافسيها.

وعند مقارنة هذا الرقم بإنتاج كل من المملكة العربية السعودية وروسيا، والبالغ نحو 10 ملايين برميل يومياً لكل منهما، تتضح الفجوة المتسعة في الإنتاج. ويُعزى ذلك جزئياً إلى التزامات خفض الإنتاج التي تفرضها اتفاقيات «أوبك+»، والتي تحد من قدرة بعض الدول على استغلال كامل طاقتها الإنتاجية، ما يؤثر سلباً على العائدات المالية واستثمارات قطاع النفط لديها.

ويعكس هذا الواقع تراجع قدرة المنظمة على تحقيق أحد أهم أهداف إنشائها، وهو استقرار أسعار النفط والحفاظ على نطاق سعري مقبول. فقد أدى اشتداد المنافسة ودخول منتجين كبار جدد – مثل الولايات المتحدة والبرازيل – إلى تعقيد مهمة «أوبك» بشكل غير مسبوق. إذ يبلغ مجموع إنتاج الولايات المتحدة والبرازيل نحو 20 مليون برميل يومياً، أي ما يعادل تقريباً إنتاج السعودية وروسيا مجتمعين، ما يجعل الدعوة إلى خفض الإنتاج أو الالتزام بالحصص أكثر صعوبة.

وتزداد الصورة تعقيداً مع احتمالات عودة الإنتاج الفنزويلي إلى الارتفاع نتيجة التدخل الأميركي المباشر في قطاع النفط هناك. فمن المتوقع تحسين البنية التحتية ورفع الإنتاج من مستوياته الحالية المتدنية – التي تقارب مليون برميل يومياً – مقارنة بإنتاج سابق بلغ نحو 4 ملايين برميل يومياً. وقد يشمل ذلك دخول شركات نفطية أميركية أخرى، إلى جانب «شيفرون»، وتقديم أحدث التقنيات اللازمة لتطوير النفط الفنزويلي الثقيل والمعقد.

ومن شأن هذه التطورات أن تُربك الأسواق النفطية مستقبلاً، مع زيادة المعروض وارتفاع التخمة النفطية، وهو ما يصب في مصلحة مستهلكي النفط عالمياً، لكنه يضغط على أسعار الخام. كما أن التطورات الأخيرة في فنزويلا قد تُعقّد قرارات «أوبك+» وتزيد المخاوف من انخفاض جديد في سعر البرميل، خاصة في ظل ضعف احتمالات تدخل المنظمة وعدم تجاوب فنزويلا مع سياساتها.

وفي ضوء هذه المعطيات، يظل السؤال مفتوحاً: هل يتجه سعر خام برنت إلى الانخفاض دون مستوى 60 دولاراً للبرميل، في ظل فائض المعروض وتراجع تأثير «أوبك» على الأسواق النفطية العالمية؟

كاتب ومحلل نفطي مستقل

naftikuwaiti@yahoo.com