في مشهدٍ تبدو خطوطه متداخلة بين عنف مؤسسي وإعلامٍ مسموم وأوهام سياسية تترنّح، يبرز خطابان متقاطعان في جرأتهما: الأول يفضح بقسوة أوهام التهجير والريفييرا والاستيطان المتجدد في غزة، والثاني يرصد تدجين المجتمع أمام «الطبيعي الجديد» الذي تروّجه حكومة بنيامين نتنياهو.

كلا الكاتبين وضعا إصبعه على الجرح ذاته: دولة تُمارس عنفاً منظّماً وعنصرية رهيبة ضد الفلسطينيين وتطبع الانحراف عن القانون الدولي وحقوق الانسان والاتفاقيات الموقعة مع الفلسطينيين كقاعدة سلوك.

أوري مسغاف يفتتح مقاله بصورة قاسية: «اليمين ليس فقط في ضائقة سياسية - بل في أزمة إيديولوجية».

ويقول إن «الأوهام حول الريفييرا والتهجير والاستيطان المتجدد في غزة، تم وضعها على الرف».

ويضيف ان أصحاب هذه الأوهام لم يجدوا أمامهم سوى «إحراق النادي» — أي التفريغ العنيف للغضب على مؤسسات الدولة، الإعلام، والقلة المتبقية من الأصوات المعارضة.

ويصف مسغاف أيضاً، كيف صارت أعمال العنف اليومية، ومنها اعتداءات المستوطنين على مزارعين وصحافيين الفلسطينيين، مادةً للاستهزاء التلفزيوني والسؤال عن دوافع المتطوعين لمجرد وجودهم بجانب الفلسطينيين حتى وصل الامر الى حرق المدارس والمساجد في الضفة.

«كيف كانت ستبدو الشاشات لو كانت موجودة في ثلاثينيات القرن الماضي»؟ يتساءل الكاتب، موضحاً أن الأسئلة التمهيدية والاتهامية تجاه الضحايا تشبه - في جذرها - آليات التحريض التي تقبل التبرير المسبق للعنف.

مهزلة السياسات: من الترانسفير إلى التجميل القانوني

مسغاف يشير إلى أن فكرة الترانسفير لم تُلغَ بالكامل من خيال بعض الأوساط، بل وُضعت جانباً موقتاً لأنها اصطدمت بواقع دولي وإقليمي - من إدارة أميركية أقل حماساً لخطط الضم المتهورة إلى معارضة داخلية وتشظٍّ شعبي. لكنه يؤكد أن «التهجير» لم يُمحَ من الطبخة السياسية اليمينية الصهيونية العنصرية، وأن خطوطها الاحتياطية بانتظار الشرارة التي تُعيدها إلى الطاولة.

في خضم ذلك، تتهم المصادر السياسية السلطة بأنها تستغل أدوات الدولة - الشرطة، القضاء، والجهاز الإداري - لإعادة تشكيل المشهد وفق مصالحها.

ويرى مسغاف أن «البيبيين والكهانيين لم يعودوا مفصولين»، وأن الحدود بين السياسي المتنفذ والبلطجي المشهر تتلاشى، مما يحوّل العنف المؤسسي إلى «سلوكٍ مألوف».

العادي الجديد... تطبيع الشذوذ

في زاوية أخرى، يوسي هدار في مقاله «اعتدنا»، يرصد ظاهرة تطبيع الفظائع: «عندما تخترق أنماط سلوك غير مكتوبة المرة تلو الأخرى، يكون للمجتمع ميل لتطبيع الانحراف والقبول بالعنصرية وتجاوز القانون الدولي وحقوق المواطن الفلسطيني والدوس على الاتفاقيات الموقعة مع السلطة الفلسطينية... هذا ما تفعله هندسة الوعي التي تمارسها حكومة نتنياهو».

ويضيف ان هناك «أفعالًا تشريعية لا تُحصى، تصريحات منفلتة العقال، وتعيينات تهدف إلى تحطيم ما تبقى من مؤسسات الضبط».

ويصف الكاتب، قضية النائبة العسكرية العامة وتداعياتها كقمة جبل الجليد: تدخل وزراء وملفات تُسحب وتُحوّل، وضغط علني على أجهزة التحقيق، حتى أن التردد القضائي يظهر في مواقف أعلى القضاة.

هدار يذهب أبعد من النقد السياسي فيحذر من أن سقوط «قلعة القضاء» يعني سقوط حماية المواطن المظلوم أمام سلطات مُستبدة.

إنسانٌ مسروق: من الحقوق إلى الوعي المتآكل كلا المحللين لا ينسى البعد الإنساني: احتقار الحقوق الفلسطينية، ومصادرة كرامة الإنسان، يصبحان في الخطاب الحكومي والسياسي «أمراً تقنياً» أو «توظيفاً أمنياً».

مسغاف استدعى مشاهد الاعتداء على قاطفي الزيتون من المزارعين الفلسطينيين بعنف وقتل بعضهم بحماية الجيش الإسرائيلي، كأمثلة على كيف يتحوّل العنف إلى روتين يومي، مقبول على الدولة والجيش الذي يزعم الأخلاقية، بينما ركّز هدار على أن المسار التشريعي والمؤسسي يعمل على تحويل الفضيحة إلى خبر يومي ثم إلى «أمر اعتيادي».

من أين يخرج الأمل؟

التقاطع بين المحللين: الأمل لا يأتي بالاستجداء للعنف والقتل، بل بالمقاومة المدنية المنظمة، استعادة خطاب العدالة، واستعادة الحصانات المؤسسية.

مسغاف يحضّ على استيقاظ الإعلام «الذي تطبع ويتعاون مع الفاشية والعنصرية ويغذي اليمين وجرائمه بحق الفلسطينيين»، بينما هدار يدعو القضاة والمؤسسات المتبقية إلى عدم الاستسلام لهذا «الأثر المبرد» الذي يخترقهم.