في الوسط الفني والإعلامي، كثيرون يظنون أن الطيبة وحدها تكفي، وأن حسن النية والخلق الرفيع يفتحان الأبواب ويضمنان الاحترام، لكن الواقع مختلف، فالطيبة الزائدة تتحول بسرعة إلى سذاجة، والسذاجة تجعل صاحبها لقمة سائغة في ميدان مليء بالمنافسة والصراع.
الطيب يتعامل مع الزملاء وكأنهم أصدقاء العمر، فيسمح باستغلال أفكاره أو جهده أو حتى اسمه من غير أن ينتبه، ويظن أن الصمت نوع من الكرم، بينما هو في الحقيقة تنازل يضعفه ويهمشه. يضحك لخصومه ويصمت أمام من يتجاوزه، فيُحسب ضعيفاً لا طيباً، ويُستغل أكثر مما يُقدَّر.
الصداقات في هذا الوسط ليست مثل صداقات الطفولة أو الفريج، بل تقوم على المصالح التي قد تتغير بين يوم وليلة، ولهذا فالكشف الزائد عن الخصوصيات وتسليم الأسرار هو أول الطريق إلى الخذلان، ولا بد أن تكون العلاقة ودودة لكن محسوبة، ابتسامة حاضرة لكن بقلب محتاط وعقل حذر، وحتى في مواجهة النقد أو الغيرة، يظن الطيب أن الرد قسوة وأن السكوت فضيلة، فيترك الساحة لغيره كي يشوه صورته، بينما الموقف الصحيح أن يكون الرد حاضراً، ولكن بذكاء وحزم، فاسمك وسمعتك لا يحميهما صمتك، بل قوتك.
أما مع الإدارات والمنتجين، فكم من طيّب وقع ضحية وعود جوفاء أو عقود مجحفة، لأنه وثق أكثر مما يجب، بينما المطلوب أن يحافظ على أسلوبه الراقي لكن لا يوقّع على شيء إلا بعد أن يعرف حقوقه كاملة، فالطيبة لا تعني التنازل، بل أن تطالب بحقك بأدب. حتى مع الجمهور، الصورة لا تكتمل بالبساطة وحدها، فالناس يحبون الفنان والإعلامي المتواضع، لكنهم لا يحترمون من لا موقف له ولا حدود، الشخصية المتوازنة بين اللطف والحزم هي التي تكسب القلوب وتحافظ على مكانتها.
الحقيقة أن الوسط لا يحتاج إلى ملائكة تمشي على الأرض، بقدر ما يحتاج إلى أناس محترمين يعرفون قيمة أنفسهم ويضعون خطوطاً حمراء واضحة، فالطيبة وحدها لا تكفي، والاحترام مطلوب، لكن الحدود أهم، وفي النهاية الطيب لا يعيش إلا إذا كان ذكياً، يعرف متى يكون ليناً ومتى يكون صلباً.
نهاية المطاف: ليس العيب في الطيبة... بل في أن تتركها بلا سياج يحميها.