في مشهد يجمع بين القلق الإستراتيجي العميق والطموحات الشخصية، تتصاعد داخل إسرائيل تحذيرات من أن الدعم الأميركي غير المحدود، الذي تزعمه دونالد ترامب، قد يكون على حافة الانهيار.

هذه المخاوف تأتي في وقت يُظهر فيه الرئيس الأميركي نفسه حماسةً غير مسبوقة للحصول على جائزة نوبل للسلام، وهي سعيّ قد يصطدم مع سياساته الداعمة لحرب الإبادة التي تقوم بها إسرائيل في قطاع غزة.

ويصف الكاتب البارز بن درور يميني في صحيفة «يديعوت أحرونوت» المأزق الإسرائيلي بعبارة قاسية «محقون لكننا أغبياء». ويؤكد أن «شرعية الحرب ضد حماس كمنظمة إرهابية في الغرب وفي بعض الأنظمة العربية، هي أمر لا جدال فيه، لكن الطريقة التي تدير بها إسرائيل هذه الحرب تؤدي إلى هزيمة ذاتية وفضيحة تعكس الصورة البشعة لإسرائيل».

ويشير يميني إلى حادثة قصف مستشفى ناصر في خان يونس، التي هيمنت على عناوين الأخبار العالمية، كمثال صارخ على كيفية تحول التعاطف الدولي الأولي مع إسرائيل في 7 أكتوبر 2023 إلى استنكار شامل، ووصف إسرائيل بأصعب الأوصاف منها «النازية والابادة الجماعية».

ويحذر من أن استمرار العمليات العسكرية، خصوصاً الاجتياح البري المتوقع لمدينة غزة المليونية، سينتج عدداً لا يحصى من القتلى والجرحى من الأبرياء الفلسطينيين، ما سيعزز صورة «الفظاعة» الإسرائيلية عالمياً.

ويخلص إلى أن «الطوق يشتد حول عنق إسرائيل» وليس حول غزة، وأن المقاطعة الاقتصادية الشاملة لإسرائيل على غرار جنوب أفريقيا هي «مجرد مسألة وقت».

ويرى يميني أن «اليد الحرة» التي منحها ترامب لرئيس الوزراء بنيامين نتنياهو كانت مبنية على توقع «حرب خاطفة» تنتهي سريعاً. لكن مع استمرار الحرب لأشهر طويلة وتصاعد الخسائر في الأرواح من المدنيين والصحافيين والعاملين في المؤسسات الدولية، بدأت بوادر «نفاد الصبر» تظهر على ترامب.

السؤال الذي يطرحه يميني، هو ليس «هل سينقلب علينا؟» بل «متى سينقلب علينا»؟

نوبل للسلام

ويلتقي التحليل مع تقرير صحيفة «هآرتس» للكاتب «الوف بن»، الذي يسلط الضوء على الطموح الشخصي الهائل لترامب: الحصول على جائزة نوبل للسلام.

وفقاً للتقرير، فإن ترامب «يتلهف» على الجائزة، ويغار من سلفه باراك أوباما الذي حصل عليها، ووصل به الأمر إلى التذمر من أنه «يستحقها لكنهم لن يمنحوها إياه».

ولتحقيق هذا الهدف، انخرط في حملة ضغط مكثفة، حيث جمع توصيات من قادة مثل نتنياهو، ومن باكستان وكمبوديا، وتفاخر بـ «حل» سبعة نزاعات حول العالم بمعدل «حرب كل شهر» منذ توليه منصبه.

التناقض

يكمن التناقض الرئيسي، وفقاً لتحليل «هآرتس»، في فشل ترامب الذريع في تحقيق أي تقدم في القضية المركزية في الشرق الأوسط الصراع الإسرائيلي - الفلسطيني، الذي وصفه بأنه «يجب ويجبي عدداً كبيراً من الضحايا».

فبدلاً من الدفع نحو السلام وحل الدولتين، منح ترامب نتنياهو «اليد الحرة» لتصعيد حرب الإبادة في غزة وتعميق الاحتلال والاستيطان في الضفة، متغاضياً عن تقارير «الجوع الفظيع» ومحو المدن وخطة تهجير الفلسطينيين من وطنهم.

هذا الدعم غير المحدود، الذي وصفه التقرير بأنه «وصمة سوداء على صورته كمحب للسلام»، هو بالضبط ما قد يحول بينه وبين جائزة نوبل التي يحلم بها.

لجنة الجائزة، كما يشير المحلل الإسرائيلي، قد تفضل أن تمنحها هذا العام «للأطباء الفلسطينيين والأجانب الذين، تحت القصف الإسرائيلي، يناضلون في ظروف غير محتملة لإنقاذ أطفال غزة».

سباق ضد الزمن

تخلق هذه العوامل معاً سيناريو شديد الخطورة لإسرائيل. فمن ناحية، حكومة نتنياهو تواصل سياسة يرى محللون أنها تدفع البلاد نحو العزلة الدولية والعقوبات الاقتصادية والسياسية.

ومن ناحية أخرى، الحليف الرئيسي الذي يعتمد عليه قد يضطر، بدافع من طموحه الشخصي في نيل شرعية دولية (جائزة نوبل) والضغط المتصاعد، إلى تغيير سياسته والانقلاب على الدعم غير المشروط، ما قد يفاجئ القيادة الإسرائيلية في لحظة حرجة.

في المحصلة هي سباق ضد الزمن: إما أن تنجح إسرائيل في إنهاء الحرب وتحقيق أهدافها بشكل سريع وحاسم قبل أن ينفد صبر ترامب والمجتمع الدولي، وإما أنها ستجد نفسها قريباً في مواجهة عواصف من عقوبات دولية وربما حتى انسحاب الدعم الأميركي، مع زعيم في البيت الأبيض يبحث عن إرث السلام الذي دمرته حرب غزة.