العمل التجاري طريق سلكه كثير من الناس من اجل العيش الكريم يحدثنا ضيفنا اليوم عن ذلك الضرب من الحياة فيذكر لنا اول محل عمل به يوم كان في بلده ثم ينقلنا بالحديث إلى مجيئه للكويت حيث ادرك بعض اسواقها القديمة وتسلم اول راتب له بالروبية تلك العملة المتداولة في السابق، احاديث متنوعة يغلب عليها الطابع التجربة والخبرة في الحياة في مجال عمله فلنترك له ذلك:
انا من بلد حوارة وهي قرية بقرب نابلس وتتبع قضاءها يعتمد اهلها على الزراعة، فهو الدخل الاساسي لبلدنا حيث يزرع فيها الزيتون والشجر بأنواعه المختلفة وكذلك القمح والسمسم والحبوب وكان مصدر الحياة الوحيد للزراعة هو مياه الامطار مع بعض الاعتماد البسيط على مياه الآبار، اما مياة الشرب فكنا نتزود بها من عين صغيرة متوافر بها الماء تزيد في فصل الشتاء وتقل في الصيف واسم قريتنا «حوارة» وتعتمد ايضا على آبار اخرى حيث تقل نسبة المياه في الصيف.
التجارة
اشتغل اهل حوارة بالتجارة في مطلع القرن العشرين في الثلاثينات والاربعينات وخصيصا تجارة الماشية، فقد كان اهل البلد يشترون الماشية والاغنام ويقومون بتربيتها ثم بيعها مرة اخرى.
الوالد
كان والدي مزارعا في قرية الحوارة وقد تعلم القرآن في صغره وقد ولد والدي العام 1913 وعاش اثنين وسبعين عاما وتوفي العام 1985 ولكنه لم يمتهن التجارة يوما ما حيث عمل في الزراعة، ولكن كان يعرف القراءة والكتابة وكانت الوالدة لا تعرف القراءة والكتابة.
الدراسة
كان على ايامي قد ظهرت المدارس الرسمية فلم ألحق زمن الكتاتيب حيث دخلت المدرسة الابتدائية في حوارة وقد التحقت بها في العام 1949 وكان اسمها مدرسة حوارة الابتدائية وكانت في بدايتها تتبع نظام ست سنوات وكل ست سنوات يمضيها الطالب في المدرسة يحصل على ختمة «اي حفل تخرج بسيط» وكان مدير مدرستنا يسمى ابو نعيم وكان من اهل نابلس حيث انها اقرب بلد لنا وكانت حوارة تتبع قضاء نابلس، واذكر مدرس اللغة العربية وكان يسمى ابو طلال وكان من بلد اسمه دار عواجة ايضا من نابلس، ولم اكمل دراستي في المدرسة حيث توقفت عند الصف الاول الثانوي.
العمل
بعدما انتهيت من الصف الاول الثانوي توجهت للعمل في التجارة وكان والدي يريدني ان اكمل دراستي ولكني صممت على العمل بالتجارة، واول ما بدأت العمل بالتجارة ذهبت لمحل اقمشة تعلمت فيه وكان المحل يقع في نابلس حيث كانت تبعد عن حوارة بمقدار سبعة او ثمانية كيلو مترات وقد احببت هذه المهنة جدا حيث عملت بها من العام 1959 وكان صاحب المحل يدعى راشد فيضي وكان المحل اسمه معرفي فيضي للأقمشة وكان الدوام متصلا دواما واحدا من الصباح إلى المغرب وبعدها اعود إلى حوارة.
ولم اجد صعوبة في تعلم مهنة التجارة لأني كنت احبها من صغري حتى اني اذكر موقفا طريفا حين خروجي من المدرسة حيث اتى ناظر المدرسة مع مختار بلدتنا لكي يؤثروا علي حتى اكمل تعليمي حيث اني كنت اتمتع بنسبة عالية في الصف ولكني عندما رأيتهم قادمين إلى بيتنا هربت وصممت على العمل بالتجارة.
وقد استمرت بي الحال في التجارة في محل فيضي نحو عامين للتعلم فقط نظرا لأن الاجر الذي كنا نأخذه لم يكن ليوصلنا إلى البيت، وبعدها اتجهت مباشرة إلى السفر إلى الكويت.
الكويت
لقد اتيت إلى الكويت في 14/5/1960 عن طريق اخي رحمه الله حيث انه اتى إليها العام 1958 وكان يعمل بالكويت في شركة محمد رفيع وعبدالله عبدالسلام في الشارع الجديد وقد اخذت جواز السفر من الاردن من عمان ورجعت إلى فلسطين وخرجنا من مطار قلندية في رام الله في القدس وكانت تبعد عن نابلس ما يقرب 40 كم في يوم 14/5/1960 ونزلنا في مطار المنصورية وقد اخذت رحلتنا الى الكويت ما يقارب الساعتين وقد استقبلني اخي ابو حسن رحمه الله وابن عمي ابو سليمان واحد اقربائنا واسمه بلال، وذهبت مع اخي وكان يسكن عمارات شرق، وقد احضرت معي بعض الطعام الفلسطيني لنأكله معا وقد عملت اول ما عملت في سوق دعيج بالاقمشة، وقد استقر بي الامر عند حمد المضف في سوق المعجل وذلك في العام 1961 وكان اول راتب احصل عليه كان في حدود الثلاثين دينارا من صاحب محل سوري اسمه محمد ستوت رحمه الله اي ما يعادل ثلاثمئة روبية قبل انتشار الدينار وكان الدوام على فترتين، وظللت عند حمد المضف إلى العام 1963 إلى انهدم السوق، وكان سوق المعجل عند القيصرية وكان عبارة عن دور واحد وفوق فندق الجامعة وكان فندق الجامعة مؤجرا لشخص سوري، وكان من بين زبائننا اقرباء الحاج حمد المضف المرحوم عبدالله الروضان وخالد الروضان وكان بيننا صداقة.
الجهراء
بعد انهدام سوق المعجل انتقلنا إلى شارع الجهراء وبعد انتقالنا إلى شارع الجهراء لم ينجح محلنا لأننا كنا بالداخل فانتقلت إلى العمل مع عبدالوهاب العصفور واخو عبدالمحسن وكان محلهم في قيصرية دعيج وامضيت مع العصفور إلى العام 1969 وكنت اعمل فيه مديرا مسؤولا للمحل ووصل راتبي آنذاك إلى 50 دينارا.
السكن
سكنا اول ما سكنا في منطقة الشرق ثم انتقلنا بعدها إلى منطقة حولي وبعدها سكنا في عمارة كفيل اخي ابي حسن في شارع عمان وكان اسمه عبدالله عبدالسلام.
المشغل
بعد ان تركت العصفور ذهبت إلى السالمية واخذت مشغلا لنفسي ولحسابي الخاص وكان معي شريك.
المحل
وبعد العام 1971 اخذت هذا المحل الذي انا فيه الآن وقد كانت رخصته باسم محمد علي حبيب وكان صديقا كويتيا وقد استمرت الرخصة باسمه إلى العام 1979 وكان إيجار المحل مع السرداب 150 دينارا كويتيا. وبعد نقلنا الرخصة باسم الوالد واسمينا المحل باسمه الحسن.
الاستيراد
في العام 1979 انفتحت تجارتي وبدأت في فتح اكثر من محل وفتحت ايضا مكتب استيراد وتصدير، وقبل فتح هذا المكتب كنا نأتي ببضاعتنا عن طريق المكاتب ومناديب المكاتب، وقد اسميت مكتب الاستيراد هذا شركة حوارة للاقمشة والنوفتيه. وكان شريكي في الشركة عبدالرحمن ناصر مطلق الزايد.
المشاغل
عندما فتحت شركة حوارة للأقمشة كان عندي محلان للأقمشة ومشاغل وكانت تعمل هذه المشاغل بطريقة ان نحضر لها الاقمشة النسائية من المحلات ويصنعون منها الاثواب النسائية ونقوم بتوزيعها على محلات الكويت للملابس.
التوزيع
بعد فترة من توزيع الملابس على محلات الكويت فتحت محلات للملابس بمنطقة النقرة لبيع الملابس الجاهزة النسائية، وفتحنا محلات الملابس العرائس والسويرهات وقد ظلت هذه المحلات عندنا إلى العام 1990 اي إلى الغزو العراقي.
البابان
وصلت بي الحال في فترة من الفترات ان فتحت في وقت واحد ثلاثة عشر محلا وكان غالبيتها في منطقة النقرة حيث كنت اشتري المحلين بجوار بعضهما وافتحهما على بعض فكان عندي محلان في سوق النقرة في عمارة ابو رحمة محل له بابان، حتى في هذه الفترة كثرت لدي محلات الجملة للبيع للتجار في مناطق الكويت المختلفة.
الغزو
مثل حال كثيرين من الذين يعملون في الكويت تأثرنا بالغزو العراقي تأثرا كبيرا ويكفينا ذهاب جميع المحلات والفلوس فاضطر بنا الحال إلى بيع بعضها وترك الآخر وحاولنا التعويض والعمل مثل السابق ولكن لم يتيسر الحال ولكن كان هناك توازن.
الزبائن
هناك بعض الزبائن كنت ابيع لهم القديم ايام ما كنت اعمل عند حمد المضف مثل نائب رئيس مجلس الوزراء ناصر الروضان وكان يأتي مع والده رحمه الله عند حمد المضف وكان يصغرني سنا وكان يأخذ منا «الدشاديش» ويأتينا إلى الآن. وكان غيره من اولاد العتيفي والمعرفي.
الزواج
لقد تزوجت في العام 1971 وقد شغلني العمل والتجارة فلذلك تأخرت بالزواج قليلا وقد تزوجت في العام نفسه الذي فتحت فيه المحل وكانت زوجتي من حوارة من فلسطين.
الاولاد
لقد حباني الله بالاولاد منهم ولدان وست بنات وقد علمتهم معي بالتجارة ولكنهم اكملوا تعليمهم منهم من اخذ دكتوراه في الصيدلة والآخر اخذ ما يعادل الدكتوراه فقد اكمل بعد الماجستير ما يسمى بـ bm وقد تزوج الجميع ما عدا بنتين مازالتا صغارا، وعندي بنت دكتورة اسنان تعمل في مركز اسنان صباح السالم.
سفر
عندما فتحت المحلات احضرت اخوتي كلهم إلى الكويت للعمل معي في التجارة وظلوا يعملون معي إلى الغزو حيث اعطيت كل واحد منهم نسبة، ولكن بعد الغزو سافروا جميعا وبقيت وحيدا في الكويت وجميعهم سافروا إلى الاردن ما عدا اخ واحد في فلسطين ومن في الاردن يعملون في المجال نفسه.
ركائز
علمتني التجارة ركائز كثيرة من اهمها الصدق والامانة، وقد جمعت مجموع كلمة تجارة من خلال خبرتي وطول عملي بالتجارة حيث ان: «ت» تقي، و«ج» جريء، و«ا» امين، و«ر» رحيم، فمن اجتمعت فيه هذه الصفات كان تاجرا ناجحا لا محال.
الكلمة
كلمة التاجر هي مستند رسمي طالما تحلى بالصدق والامانة وقليل من التجار من يتحلى بتلك الصفات، واذكر من المواقف التي كلفتني فيه الكلمة مبالغ طائلة حيث اني كنت املك محلا في الضجيج للأثاث وجاءني مشتر له بعشرين الف دينار وتأخر في الحضور اربع او خمسة ايام فجاءني رجل آخر واراد ان يشتريه بعشرة آلاف فبعته اياه ولكن لم يسجل ولم نكتب حتى ورقة، في اليوم التالي راجعني المشتري الاول واراد ان يأخذ بعشرين فلم ابعه اياه وخسرت امام كلمتي عشرة آلاف دينار.
الزي المدرسي
جاءت علينا فترة من الفترات قبل الغزو ان اخذنا من وزارة التربية الزي المدرسي للطلاب فكان الخياطون يذهبون إلى المدارس لأخذ مقاسات الطلاب وعمل وتفصيل زيهم، وكانت وزارة التربية توزع الاقمشة ونقوم نحن بعملية التفصيل فقط.
العمال
لقد تعلم في محلاتي كثير من العمال من الجنسيات المختلفة حتى ان من بينهم من اصبح يملك محلا واثنين فهناك شباب كان يعمل عندي قبل الغزو وقد بعت المحل الذي يعمل هو به فذهب وعمل مع نفسه واصبح الآن يملك ثلاثة او اربعة محلات.
الأزمات
عندما يمر التاجر بأزمة من الازمات لا بد له من الصبر والاحتساب والتدبر والتدبير وان يجعل المال في يده لا في قلبه فمن التجار من يجعل المال في قلبه وعند اول ازمة يمر بها يمرض واغلبهم يتعرض لجلطات مختلفة فلا بد من الصبر والاحتساب.
واذكر من الازمات التي تعرضت لها ازمة مالية مع بيت التمويل الكويتي حيث كنت ادين للبنك بمبلغ ثلاثين الف دينار وكنت ملتزما بدفعات «اقساط» 6 آلاف دينار وبالصبر وجهود الاصدقاء اوصلتها لخمسمئة دينار شهريا وكانت هذه الازمة العام 1998.