يستقبل العالم العربي والاسلامي ذكرى المولد النبوي الشريف، فكم هذه الذكرى هي عزيزة على قلوبنا جميعا، لما لرسولنا «محمد» صلى الله عليه وسلم مكانة عظيمة وكبيرة في قلوبنا، فالله سبحانه وتعالى قد عظّم شأنه وقدره، حينما خلق الله الخلق، واصطفى من الخلق الانبياء والرسل، واصطفى من الانبياء والرسل محمدا صلى الله عليه وسلم، فشرح صدره ورفع ذكره وأعلى قدره ووضع وزره وزكاه كله فقال له: «وإنك لعلى خلق عظيم»، بل يتجلى تكريم الله للحبيب في قسم الله جل وعلا بعمره صلى الله عليه وسلم، فلقد قال عبد الله بن عباس رضي الله عنه: «والله ما خلق الله ولا ذرا ولا يرى نفساً أكرم عليه من سيدنا «محمد» صلى الله عليه وسلم، وما سمعت الله أقسم بحياة احد غير «محمد»، فقال جلا وعلا «لعمرك انهم لفي سكرتهم يعمهون» الحجر 72، وقد جعل الله تعالى في آل ابراهيم جميع الانبياء الذين بعثوا من بعده لأنهم من ذريته، وخصهم بأنواع الفضائل ما كانوا به صفوة على العالمين، ومنهم سيدنا ولد آدم نبينا «محمد» صلى الله عليه وسلم، فإن الله تعالى قد جمع فيه الكمال ما تفرق في غيره، وفاق صلى الله عليه وسلم الاولين والآخرين فكان سيد المرسلين المصطفى من ولد ابراهيم، فالانبياء عليهم ان يؤمن بعضهم ببعض، ويصدق بعضهم بعضا، لأن جميع ما عندهم هو من عند الله تعالى وكل ما من عند الله يجب التصديق به والايمان، فهم كالشيء الواحد، فعلى هذا قد علم ان محمدا صلى الله عليه وسلم هو خاتمهم، فكل الانبياء عليهم الصلاة والسلام لو أدركوه لوجب عليهم الايمان به واتباعه ونصرته، وكان هو امامهم ومقدمهم ومتبوعهم، وان سورة «آل عمران» تدل على انه من اعظم الدلائل التي تعلو مرتبته وجلالة قدره، وانه افضل الانبياء وسيدهم صلى الله عليه وسلم لما قررهم تعالى فقالوا «أقررنا» اي قبلنا ما امرتنا به على الرأس والعين، قال الله لهم «فاشهدوا على أنفسكم وعلى أممكم بذلك»، قال «وأنا معكم من الشاهدين»، وقال الله سبحانه ايضا: «وأطيعوا الله والرسول» اي طاعة الله وطاعة الرسول «محمد» من اسباب حصول الرحمة والغفران للمؤمنين، ولعل ما حدث للرسول «محمد» وأتباعه في «واقعة بدر» في العام الثاني من الهجرة من نصر مبين لهو امتنان من الله على عباده المؤمنين بعدما كانوا أذلة في قلة عددهم وعُددهم مع كثرة عدد عدوهم وعُددهم، وهذا نصر من الله العزيز الحكيم، ويقول الله في كتابه الكريم «وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل»، أي ليس ببدع من الرسل بل هو من جنس الرسل الذين قبله، وظيفتهم تبليغ رسالات ربهم وتنفيذ أوامره، فقد مَنّ الله على عباده بهذا الرسول الكريم «محمد» الذي أنقذهم الله به من الضلالة، وعصمهم به من الهلكة، فقال سبحانه «لقد مَنّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم»، يعرفون نسبه وحاله ولسانه، من قومهم وقبيلتهم، ليكون ناصحا ومشفقا عليهم، يتلو عليهم آيات الله ويعلمهم ألفاظها ومعانيها، ويزكيهم من الشرك والمعاصي والرذائل وسائر مساوئ الاخلاق، ويعلمهم الكتاب اي القرآن الكريم وسنته.
كان النبي صلى الله عليه وسلم حريصا على الخلق العظيم، مجتهدا في هداية المؤمنين، فكان يحزن اذا لم يهتدوا، فقال تعالى «ولا يحزنك الذين يسارعون في الكفر»، من شدة رغبتهم فيه وحرصهم عليه، فإنهم لن يضروا الله شيئا، فالله ناصر دينه ومؤيد رسوله، ومنفذ أمره من دونهم، فلا تبالِ لهم، لأنهم يضرون ويسعون في ضرر أنفسهم بفوات الايمان في الدنيا وحصول العذاب الأليم في الأخرى.
لقد خاطب الله سبحانه وتعالى جميع الانبياء والمرسلين بأسمائهم المجردة إلا رسولنا المصطفى صلى الله عليه وسلم، فنادى عليه ربه: «يا أيها النبي، ويا أيها الرسول، ويا أيها المزّمل، ويا أيها المدثّر»، فالله قد خص المصطفى بأشياء منها انه جل وعلا خصه بالشفاعة العظمى في الآخرة وخصه بالوسيلة وهي اعلى منزلة في الجنة، وأيضا خصه بالكوثر وخصه بأخذ ميثاق جميع الانبياء والرسل إن بعث فيهم «محمد» صلى الله عليه وسلم ان يؤمنوا به وينصروه.
نعم، لقد مَنّ الله سبحانه على سيد البشر وسيد الاولين والآخرين «الجمال»، فجعله جميلا في احسن صورة، وأعطاه استواء البدن ووضاءة الوجه، ووهبه قوة العقل والتفكير، وسلامة القلب ودقة الفهم والتعبير... ومن هنا فإن من واجبنا ان نوقره ونعظم شأنه وأن نبجله ونحترمه احتراما كبيرا، وأن نسير على دربه وخطاه حتى بعد مماته لأن الله أعطاه كمال المحاسن «خَلقاً وخُلقاً».
حقاً، لقد أرسل الله تعالى رسوله «محمد» صلى الله عليه وسلم ليكون رحمة للعالمين، وليأخذ الناس بأيديهم الى الهدى والحق، وما يهتدي الا اولئك المتهيئون المستعدون وإن كانت الرحمة تتحقق للمؤمنين ولغير المؤمنين، فالمنهج الذي جاء مع نبينا «محمد» صلى الله عليه وسلم منهج يسعد البشرية كلها ليقودها الى الكمال المقدر لها في هذه الدنيا.
ومن أقوال المصطفى صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس، إن لكم معالم فانتهوا إلى معالمكم وإن لكم نهاية فقفوا عند نهايتكم، إن المؤمن بين غايتين: بين أجل قد مضى لا يدري ما الله صانع فيه، وبين أجل قد بقي لا يدري ما الله قاض فيه، فليأخذ امرؤ من نفسه لنفسه ومن دنياه لآخرته، ومن الشبيبة قبل الكبر، ومن الحياة قبل الموت، والذي نفس «محمد» بيده ما بعد الموت من مستعتب ولا بعد الدنيا من دار، إلا الجنة أو النار».
وقال بعض الحكماء في محاسن المصطفى: «لئن كان سليمان عليه السلام أعطي الريح غُدوّها شهر ورواحها شهر، فقد أُعطي نبينا صلى الله عليه وسلم «البُراق» الذي هو أسرع من الريح، ولئن كان موسى عليه السلام أُعطي حجراً تتفجّر منه 12 عيناً، فقد وضع أصابعه عليه وعلى آله الصلاة والسلام، في الإناء والماء ينبع من بين أصابعه حتى ارتوى اصحابه الكرام.
«اللهم انفعني بما علمتني، وعلمني ما ينفعني، وزدني علماً».
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين...


علي محمد الفيروز
كاتب وناشط سياسي
Alfairouz61_alri@yahoo.com