تشير مقابلات مع خمسة مصادر في «فتح» و«حماس»، إلى أن الانقسامات العميقة ستعوق إحراز تقدم في محادثات المصالحة المقررة بين الحركتين هذا الشهر، لكن الاجتماعات تنبئ بأنه من المرجح أن تحتفظ «حماس» بنفوذ بعد حرب إسرائيل على قطاع غزة.

ووفقاً لمسؤولين من الجانبين، من المقرر أن تعقد المحادثات بين«حماس» و«فتح»- التي يتزعمها الرئيس الفلسطيني محمود عباس - في الصين في منتصف يونيو، وذلك في أعقاب جولتين أجريتاً أخيراً لبحث المصالحة، إحداهما في الصين والأخرى في روسيا. وامتنعت وزارة الخارجية الصينية عن التعليق.

وسيعقد الاجتماع المقبل وسط محاولات من جانب وسطاء دوليين للتوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في قطاع غزة حيث تتمثل إحدى النقاط الشائكة الرئيسية في خطة «اليوم التالي» للحرب في: كيف سيتم حكم القطاع؟

فالحركة الإسلامية، تصنف كـ «منظمة إرهابية» في نظر العديد من الدول الغربية، وكانت منبوذة قبل فترة طويلة من الهجوم الذي قادته في السابع من أكتوبر الذي تسبب في إشعال فتيل الحرب في غزة.

ولكن حتى في ظل تعرضها للحملة العسكرية الإسرائيلية، فإن اجتماعات أعضاء المكتب السياسي لـ «حماس» مع مسؤولين من فتح التي تسيطر على المشهد السياسي الفلسطيني في الضفة الغربية المحتلة تشير إلى هدف الجماعة المتمثل في تشكيل النظام في الأراضي الفلسطينية بعد الحرب، وفقاً لما ذكره مصدر مطلع على المحادثات داخل حماس.

ورفض المصدر، مثل غيره من المسؤولين في هذا التقرير، نشر اسمه لأنهم غير مخولين بمناقشة الأمور الحساسة مع وسائل الإعلام.

وقال المصدر إن «حماس»، التي كانت تدير غزة قبل الحرب، تدرك أنها لا يمكن أن تكون جزءاً من أي حكومة جديدة معترف بها دولياً للأراضي الفلسطينية عندما ينتهي القتال في القطاع.

وذكر المصدر وكذلك القيادي الكبير في حماس باسم نعيم، أن الحركة تريد مع ذلك أن توافق «فتح» على تشكيل حكومة خبراء (تكنوقراط) جديدة للضفة الغربية وغزة في إطار اتفاق سياسي أوسع.

وتابع نعيم، الذي شارك في الجولة السابقة من محادثات المصالحة في الصين، في مقابلة «نتكلم عن مشاركة سياسية وعن مصالحة بالمفهوم السياسي لإعادة نظم الكينونة الفلسطينية».

وأضاف «أن تكون الحركة في الحكومة أو خارجها ليس هذا هو المطلب الأساسي للحركة أو الذي تصدره كشرط لأي مصالحة».

ويعمل نعيم، مثل الكثير من قادة «حماس» السياسيين، في المنفى خارج غزة.

واحتمال استمرار الحركة كلاعب سياسي مؤثر قضية شائكة بالنسبة للدول الغربية.

ورغم هدف رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المتمثل في القضاء على حماس المتحالفة مع إيران خلال الحرب الدائرة في غزة، فإن معظم المراقبين يتفقون على أن الحركة ستتواجد بشكل ما بعد وقف إطلاق النار.

و«حماس» فرع من جماعة الإخوان المسلمين ولها امتداد عميق وجذور أيديولوجية في المجتمع الفلسطيني.

وتعارض الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، أي دور للحركة في حكم قطاع غزة بعد الحرب التي أسفرت عن استشهاد أكثر من 36 ألف فلسطيني حتى الآن، بحسب وزارة الصحة الفلسطينية في غزة.

ومع ذلك، عبر بعض المسؤولين الأميركيين في أحاديث خاصة عن شكوكهم في قدرة إسرائيل على القضاء على«حماس». وقال مسؤول رفيع المستوى في 14 مايو، إن واشنطن تستبعد أن تتمكن إسرائيل من تحقيق «نصر كامل».

وأعلن بيتر ليرنر، الناطق باسم الجيش الإسرائيلي أن «قتل كل عضو في حماس أمر غير واقعي ولم يكن ذلك هدفاً» للجيش الإسرائيلي، لكن القضاء على الحركة كسلطة حاكمة«هدف عسكري يمكن تحقيقه وسهل المنال».

احتمالات ضعيفة

تؤيد الدول الغربية فكرة إدارة قطاع غزة بعد الحرب من قبل السلطة الفلسطينية بعد إعادة هيكلتها، وهي السلطة التي يقودها عباس وتتمتع بحكم ذاتي محدود في مناطق بالضفة الغربية.

وتتخذ السلطة الفلسطينية من رام الله مقراً لها، ويعتبرها كثيرون على مستوى العالم ممثلاً للفلسطينيين وتتلقى مساعدات أمنية من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي.

وهيمنت«فتح»، بقيادة عباس ومن قبله ياسر عرفات، بلا منازع على أوراق القضية الفلسطينية لعقود من الزمن حتى صعود «حماس».

وأدارت السلطة الفلسطينية قطاع غزة حتى عام 2007، عندما طردت «حماس»، «فتح»، من القطاع بعد اقتتال بينهما وذلك عقب عام من هزيمة فتح في الانتخابات البرلمانية، وهي المرة الأخيرة التي أدلى فيها الفلسطينيون بأصواتهم.

وعلى الرغم من المحادثات، فإن الخصومة والخلافات بين الحركتين تعني أن احتمالات التوصل إلى اتفاق لإعادة توحيد إدارة الأراضي الفلسطينية لا تزال ضعيفة، حسب ما أشارت المقابلات مع المصادر الخمسة، وهو رأي ردده أيضاً أربعة خبراء.

وقال يزيد صايغ، وهو باحث في مركز كارنيجي للشرق الأوسط «توقعاتي بالتقارب ضئيلة أو دون ذلك».

ويطمح الفلسطينيون إلى إقامة دولة على كل الأراضي التي احتلتها إسرائيل في حرب عام 1967، عندما استولت إسرائيل على الضفة الغربية - بما في ذلك القدس الشرقية - وقطاع غزة.

وعلى الرغم من اعتراف 144 دولة بفلسطين، بما في ذلك أيرلندا وإسبانيا والنرويج الأسبوع الماضي، وسلوفينيا، ليل الثلاثاء، تضاءلت الآمال في إقامة دولة ذات سيادة منذ سنوات في ظل توسيع إسرائيل للمستوطنات في الضفة الغربية ومعارضتها لإقامة دولة فلسطينية.

ويزيد الانقسام بين «حماس» و«فتح» من تعقيد هذا الهدف. والحركتان لديهما وجهات نظر متباينة للغاية في شأن الإستراتيجية، إذ تلتزم فتح بالمفاوضات مع إسرائيل لإقامة دولة مستقلة، بينما تدعم «حماس» الكفاح المسلح ولا تعترف بإسرائيل.

وخرجت الخلافات إلى العلن خلال القمة العربية التي انعقدت في مايو، عندما اتهم عباس «حماس»، بـ «توفير المزيد من الذرائع والمبررات»لإسرائيل لتدمير قطاع غزة من خلال هجوم السابع من أكتوبر.

واعتبرت «حماس» أن هذا التعليق مؤسف، ووصفت السابع من أكتوبر بأنه لحظة حاسمة في النضال الفلسطيني.

ودعا الميثاق التأسيسي لـ «حماس» عام 1988 إلى تدمير إسرائيل. وفي 2017، أعلنت الحركة أنها وافقت على إقامة دولة فلسطينية انتقالية داخل حدود ما قبل حرب عام 1967، رغم أنها لاتزال تعارض الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود.

وتؤكد الحركة على هذا الموقف منذ اندلاع الحرب في غزة.

حكومة جديدة؟

في مارس، شهد عباس مراسم أداء اليمين لحكومة جديدة تابعة للسلطة الفلسطينية برئاسة محمد مصطفى، وهو مساعد مقرب لعباس أشرف على إعادة إعمار غزة عندما كان نائباً لرئيس الوزراء في حكومة سابقة من 2013 إلى 2014.

ورغم أن الحكومة كانت تتألف من تكنوقراط، أثارت خطوة عباس غضب «حماس» التي اتهمته بالتصرف بشكل منفرد.

ووصف صبري صيدم، عضو اللجنة المركزية لحركة «فتح»، في مقابلة مع «رويترز»، تشكيل حكومة جديدة بأنه «إضاعة للوقت».

وقال «نحن بصراحة لسنا معنيين على الإطلاق بإضاعة المزيد من الوقت في تشكيل حكومة جديدة وبالتالي سندفع قدما أن تثبت أقدام هذه الحكومة حتى تستمر بعملها».

وذكر مسؤول رفيع المستوى آخر، مطلع على شروط «فتح» لمحادثات الصين، أنها تريد من «حماس» أن تعترف بدور منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي الوحيد للفلسطينيين، وأن تلتزم بالاتفاقات التي وقعتها منظمة التحرير.

ويشمل ذلك اتفاقيات أوسلو الموقعة قبل 30 عاماً والتي اعترفت بموجبها منظمة التحرير بإسرائيل والتي تعارضها «حماس» بشدة.

وتابع المسؤول أن «فتح» تريد أن«تتمتع الحكومة بسيطرة أمنية وإدارية كاملة في غزة وهو ما يمثل تحدياً لنفوذ حماس هناك».

و«حماس» على خلاف جوهري مع منظمة التحرير في شأن إسرائيل، ولم تنضم قط إلى المنظمة لكنها دعت منذ فترة طويلة إلى إجراء انتخابات لمؤسساتها الحاكمة بما في ذلك هيئتها التشريعية المعروفة باسم المجلس الوطني الفلسطيني.

ودعا رئيس المكتب السياسي لـ «حماس» إسماعيل هنية يوم الجمعة، إلى «تشكيل حكومة وفاق وطني في الضفة والقطاع بمرجعية وطنية متفق عليها».

وأكد أن الحركة تريد إجراء انتخابات عامة جديدة رئاسية وتشريعية وللمجلس الوطني.

وقال غسان الخطيب، المحاضر في جامعة بيرزيت بالضفة الغربية، إن «حماس» مهتمة «بالمصالحة فقط بشروطها والحفاظ على سياساتها وأجهزتها الأمنية وأيديولوجيتها»، مضيفاً أن «هذا قد يخاطر بإغراق منظمة التحرير الفلسطينية في عزلة دولية».

وتابع «عباس لا يمكنه القبول بسياساتها لأن ذلك سيعرض للخطر الإنجاز الوحيد لمنظمة التحرير الفلسطينية وهو الاعتراف الدولي».

جزء من النسيج الوطني والسياسي

على الرغم من ذلك، قال القيادي في «فتح» تيسير نصرالله، إن «فتح تعتبر حماس جزءاً من النسيج الوطني الفلسطيني وجزءاً من النسيج السياسي أيضاً كحركة وطنية فلسطينية".

وأكد صيدم أن «التوافق ضروري لإدارة المساعدات وإعادة الإعمار في غزة». وأضاف «قلنا إننا (فتح) لن نأتي على ظهر دبابة وإنما سنأتي بالتوافق مع الجميع فنحن شركاء في هذه المسيرة».

واعتبرت الناطقة باسم الحكومة الإسرائيلية تال هاينريش، أن "استعداد السلطة للعمل مع حماس، أمر مؤسف».

وأظهر استطلاع للرأي أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في الضفة وغزة في مارس الماضي، أن «حماس» تتمتع بدعم أكبر من «فتح»، وأن شعبيتها أعلى مما كانت عليه قبل الحرب.

وتمثل استضافة الصين لـ «حماس» دفعة ديبلوماسية للحركة المتحالفة مع إيران.

وقال أشرف أبوالهول، مدير تحرير صحيفة «الأهرام» المصرية والمتخصص في الشؤون الفلسطينية، إن «حماس» مهتمة بالتوصل إلى اتفاق أكثر من «فتح» لأن المصالحة يمكن أن تمنح الحركة التي أنهكتها الحرب «غطاء لإعادة بناء قدراتها».

وذكر مهند الحاج علي، من مركز كارنيجي للشرق الأوسط، أن من الصعب تصور قيام «حماس» بأي عمل عسكري من شأنه أن يؤدي إلى انتقام إسرائيلي واسع النطاق في المستقبل المنظور.

لكنه أضاف أن المصالحة ستكون «مرحلة انتقالية من شأنها أن تسمح لحماس بإعادة تسليح نفسها ببطء».