لو قام أحدنا بزيارة إلى مدرسة ابتدائية في ساعة الراحة أو (الفرصة)، وراقب أساليب اللهو واللعب عند أطفالنا فليس هناك ضرورة ليُكمل قراءة هذا المقال، فمن المؤسف أن نتقن نحن العرب اتهام ولوْم شعوب العالم ونرفض الوقوف أمام المرآة! العنف على شاشات فضائياتنا العربية أصبح مشهداً متكرراً، وربما يُعدُّ المسلسل الخالي من مشاهد عنيفة مسلسلاً غير جذاب ولا يستهوي حديث العامة ولا حضورهم! وليس العنف هو الضرب وحمل السلاح أو غير ذلك مما نظن، إنما العنف حالة من الاندفاع نحو الذات ونحو الآخر يحركه نمط من التفكير يرتبط أحياناً بإملاء الآراء على الآخرين، ربما ينتج عنه في ظروف خاصة ممارسات لفظية أو حركية عنيفة؛ لستُ أدري أهُوَ تأثُّرُنا بما يروِّجُ الغرب في أسواقنا من أعماله السينمائية وفي نتاجه الإعلامي بشكل عام، أم هي حالة من اللا وعي نمضي فيها دون انتباه؟ إن العنف من حيث نشأته نابع من نمط تفكير سيطر على أدائنا في الشارع والحياة اليومية، وكثير من الفضائيات للأسف تساهم في تكريسه بدلاً من محاصرته للحد من نشاطه، فلو تتبعنا نتاج إعلامنا عامة، وما يقدم للأطفال خاصة، سنجد الأمر واضحاً في كثير من المسلسلات وربما البرامج أيضاً! وليس استضافة اثنين من وجهات نظر مختلفة إلا لإثراء الأفكار والخلوص إلى مزيد من النتائج بخصوص قضية ما، وليس لإعلان حالة من العنف وعلى الهواء مباشرة، ربما يتجلى ذلك في أساليب الحوار في برامجنا، بل صرنا نشعر بنشوة في أدائنا العنيف! والأمثلة كثيرة على عموم الفضائيات، إن هدوء النفس ورويَّة الأداء أمر ينبع من الذات، وفي الوقت نفسه يمكن للإنسان أن يخطو خطوات بنائية وتدريبية للوصول إلى سكون الأداء ونبذ العنف، إن اهتمامنا في الحديث عن العنف على الفضائيات لأنه ليس من ثقافة العرب وعاداتهم ممارسة ذلك العنف بصورته التي يعرضها لنا اليوم الإعلام العربي بعمومه، إن هذا العنف الذي نلمسُ آثاره في سلوك أبنائنا ليس متوفِّراً ببشاعته في الإعلام الأوروبي، وليس موجوداً بزخمه في الإعلام الموجَّه للشعب الأميركي، لذلك كان علينا أن نفرق بين ما يوجِّهه الأميركيون والأوروبيون لأبنائهم، رغم كل ما يشكون منه في هذا الجانب، وبين ما نتلقَّفُه نحن من نتاجهم السقيم، ونتعامل معه على أنه من متطلبات الترفيه عن النفس، أو للتسلية وشَغْل الوقت في المساء. ونركز أيضاً في كلامنا على ما تقدمه الفضائيات العربية لما لها من دور واضح في صياغة أفكار الجميع مع التفاوت، فلم يعد التلفاز باباً يمكن التحكم في إغلاقه ما دمنا نأخذ كل شيء من الفضاء دون انتقاء، ففي أوروبا لا تدخل القنوات على إطلاقها إلى البيوت عبر جهاز استقبال كما هو عندنا، فهناك يشترك الراغب في قناة بعينها فيوصَّلُ له خطٌ أرضيّ لهذه القناة أو تلك، إذا ما يفهمه عامة العرب عن الحرية في أوروبا أمر يحتاج لإعادة النظر، إنهم حريصون على بناء عقول أبنائهم كما يريدون وكما تقتضيه ثقافتهم ومصلحتهم، أما نحن حين مارسنا التعامل مع القنوات جعلناها فضائية بعيداً حتى عن رقابتنا الشخصية! والمشكلة ليست فقط في تربيتنا لأبنائنا وحرصنا عليهم، بل مشكلتنا تكمن في تجاهل عيوبنا الشخصية وفي نمط تفكيرنا المبني على انتقاد الآخر فحسب، مع نظرتنا الاستعلائية على شعوب الأرض خلافاً لما تمتع به العرب منذ وجودهم، وخلافاً لما حملوا من دين وقيم وأخلاق، ورحنا نرمي الآخرين بالحجارة ونسينا أن بيتنا من زجاج!
علي سويدان
كاتب وأكاديمي سوري
Swaidan8@hotmail.com
علي سويدان
كاتب وأكاديمي سوري
Swaidan8@hotmail.com