| ناصر الملا |

قضيت سنوات طوال وأنا أداوم على الذهاب إلى مكتبة الفيحاء  العامة لقراءة الكتب بشكل عام والأدبية والمسرحية منها بشكل خاص، وكان يشاركني في بعض هذه القراءات وأيضاً في نقاشات بعض الاعمال الأدبية والمسرحية أصدقاء المكتبة الذين يداومون على القدوم اليها بشكل يومي لنستقر في آخر ساعة أو ساعتين من انتهاء الدوام عند السيد أمين المكتبة عبدالمجيد مندني. والحقيقة تقال ان هذا الرجل وهب عمره للمكتبة والمحافظة عليها، إذ لم يتزوج ولم يستقر وإنما تزوج المكتبة وهي بدورها أحبته كما أحببناه نحن ايضاً. كنا نجلس ومجموعة من الاصدقاء عند أمين المكتبة وأذكر من بينهم الشاعر فيصل السعد والمرحوم الدكتور محمد العلي وعبدالحميد الشرهان، وآخرون أرجو ان يعذروني اذا لم أذكر أسماءهم لأنهم موجودون في قلبي أساساً. كم كانت هذه الجلسات التي لا تخلو من الطرفة و«التنكيت» والتحدث في أمور المجتمع وكذلك الثقافة، لذلك كانت المكتبة عامرة بشتى أصناف العلوم والمعرفة... أجلت عن عيني هالة الاسترخاء والمكوث للقراءة وتدوين الملاحظات حول شتى الاستنتاجات التي خرجت منها وانا اتصفح وأقرأ مئات الكتب.كما  كنت شغوفاً وأكاد أبالغ اذا قلت اني كنت عاشقا ومتيماً بالمسرح وكل الفنون الأخرى التي ترتبط به، فأخذت أقرأ عشرات النصوص واحلل البعدين النفسي والفكري لشخصيات هذه المسرحيات لأصل إلى الهدف الذي أراد الكاتب به الخروج بفكرة المسرحية.كذلك حاولت التعرف على المذاهب المسرحية فهي في نهاية المطاف مذاهب ومدارس، لابد وان نعرف علاقتها بالفن المسرحي، كما انني طرحت على نفسي التساؤل تلو التساؤل عن دوام هذه المذاهب المسرحية وتأثيرها بالاوساط المسرحية منذ نشأتها والى وقتنا الحاضر، إذ لابد وان ثمة سراً جعلها تدوم لقرون!والسر هو الابداع والتكنيك المسرحي والارتقاء بعقل ووجدان محب الفن المسرحي إلى الدرجات العليا في سلم الإنسانية، فكل مذهب نشأ وناضل فنانوه لإيصاله إلى النور من اجل لفظ مكانة الإنسان الذي طمسته عجلة المجتمع المادي واستهتار السياسيين به، واستغلال الاقتصاديين لمص دمه! كل مذهب أنشئ من أجل ان يناضل الإنسان فكرياً وفنياً ويحفظ لروحه خاصيتها المجيدة في الحياة... فالمسرحية الاغريقية والرومانية ولدت عام 534 ق.م، حين تبنت أثينا المأساة الإنسانية وانشأت مسابقة على ضوئها يشارك المفكر والمؤلف المسرحي بعمله المعبر عن المأساة... مأساة الإنسان ليطرحها على الجمهور، لذلك اتصفت المأساة الاغريقية بالجدية والشاعرية والنزعة الفلسفية، كما استلهم معظمها من الاساطير، ويواجه فيها البطل خياراً أخلاقياً صعباً ويخوض صراعاً مع قوى عدائية ينتهي بهزيمتها وغالباً بموته!على  عكس المسرح الروماني الذي لم يهتم بالمأساة وفضل عليها رواج الملهاة فكانت أعمال «بلاتوس وترنسي وستكا» هي الاعمال المتميزة بالملهاة حيث تعتمد على الابتعاد عن التهريج والاهتمام بعمق الشخصية... لذلك كان لها اثر كبير على كتاب الملهاة الاوروبيين وبخاصة موليير... والرومان جنحوا عن المأساة إلى الملهاة من اجل اسعاد الشريحة الكبرى من شعوبهم الذين ينتمون إلى المعسكر الحربي... فالتفريغ النفسي مطلوب لذلك تم نجاحه وتأثيره أيضاً على المسرح العالمي، إلى أن جاء مسرح القرون الوسطى الذي اهتمت به الكنيسة وصار جزءا من القداس، ثم ازدهار المسرح في أوروبا من 1660 إلى 1800، وكانت انكلترا ميداناً لأكبر نشاط مسرحي في هذه الفترة، فمع عودة الملكية عام 1660 عادت المسارح إلى الظهور، لكن المسرحية لم تعد تستهوي الجمهور لأنها في الغالب نمط تقليدي كما السرك، وأولئك البهلوانات الذين «يتنططون» فيه، ولعل ظهور المسرح الاليزابيثي في مطلع القرن السابع عشر في انكلترا ايضا جسد للمسرح اعمال وليم شكسبير وقد حرص شكسبير لدى كتابة مسرحياته على ان تتناسب مع نوع خاص من الممثلين، وذوق جمهور محدد، ولجأ إلى العديد من الخدع المسرحية التي شاعت في عصره،  لكنها قلما تستخدم اليوم! والحديث عن القراءات في المسرح وأهم مذاهبه ومصطلحاته يطول سرحه «الا أنني آمنت بمدى تأثير المسرح على الناس وأن الفنان هو من بيده تحريك الناس وتوجيه الانظار إلى الوجهة التي يريدها متى ما أتقن نص المؤلف وفهم اتجاهه جيداً والمبتغى الذي يريد الوصول اليه فمسرح الدمى، المسرح الشرعي، ومسرح اللامعقول، ومسرح المجتمع وخيال الظل، ومسرح بريخت الملحمي، والواقعية الاشتراكية، وعشرات المذاهب المسرحية الاخرى ممن طبقت منهجيتها على خشبات المسرح... هل أثرت في وجدان وعقل المتفرج؟... نعم بل وصلت إلى التأثير وتبني مفاهيمها وادراجها في العمل المسرحي أياً كان لأن اثرها وعمق طرحها، الفن العظيم الذي يخرج منها قد فاق الوصف وحير الألباب، ومما لا شك فيه ان الكاتب المسرحي هو صاحب هذا الاسهام وهو دليل الإنسانية إلى خيارات التطور او الدمار، هو حاكم مجتمعه عن صدق بل وأثريمتد بامتداد الإنسانية ذاتها، لذلك جاء انتاجه عظيماً وراسخاً في الوقت ذاته بعمق الإنسان اينما كان، فمنذ الاغريق وإسخيليوس ورفيقيه يوربيديس، وسوفكليس، وإلى وليم شكسبير، وبن جونسون، ونيكولاي بوجول،ووليام جاسكيل، ولويجي بيراند يللو، وصامويل بيكيت، والعشرات من المبدعين المسرحيين الآخرين، لا تنفك صيحات الجماهير تنادي المسرح بتجديد اواصرهم معه، لذا استطاع المسرح بهيبته وأفضليته الثقافية والحوارية التي تتواجه مع الجمهور وجهاً لوجه من خلق فاعلية انسانية متماشية والطرح المسرحي المقدم له! كما ان المسرح يرفض السطوة الاستبدادية من كافة الشرائح المجتمعية الاخرى المعيقة لتقدمه، ولأنه - أي المسرح - صرخة فلا بد وان تكون تلك الصرخة مدوية وجمهورالحضور يسمعونها ويعون مداها من أي كان... لذلك كانت سنوات ما بعد تحرير الكويت من الجيش العراقي هي سنوات التحصيل المعرفي بالنسبة لي، ولأن الظروف التي كنت أعيش فيها في ذالك الوقت قاسية عليّ، حيث لم أكمل تعليمي،ولم أحصل على وظيفة أعيش من ورائها، كما واني كنت محرجاً أيما احراج من والدي - أطال الله في عمره - إذ إني وبالقياس إلى المحيط العائلي المنتمي له اعتبر الفاشل الحقيقي، وربما بامتياز اذاما قست نفسي والآخرين من اشقائي واقربائي! كما وان الغزو العراقي لبلدي شكل بي حالة من الانعزال عن الآخرين، وجاءت الظروف صعبة عليّ، كما ذكرت فكم الدمار الذي حدث بالكويت وبمناطقنا كبير للغاية، ولم تخل أحياء مناطقنا في العاصمة من شهيد او أسير، وإن كان جيلي قد ظهر إلى الحياة والحروب طاحنة من حوله وكأن الأقدار قد كتبت له ان يكون شاهداً على هذه الحروب.في ظل هذا الدمار، رحت أسائل نفسي من سبب كل هذا؟ أجنون سيئ الذكر الديكتاتور العراقي؟ أم ساستنا؟ ومع دنيا المسرح رحت أتعرف على الإنسان والقوى الشريرة التي تحيك به الدمار متى ما تهيأت الظروف، ولأن إيماني بالمسرح كان أكبر من أي إغراء مادي أو معنوي، ولأي وظيفة تلفت اليها الأنظار، فقد دخلت اول  ما دخلت عبر فرقة المسرح العربي والتقيت مع فنانيها الكبار منهم من مازال على قيد الحياة ومنهم من توفاه الله، وكم كنا عشاقاً للمسرح والفن ونحن نشاهد المرحومة عائشة ابراهيم والمرحوم خالد النفيسي والمرحوم كنعان حمد، والفنان حمد ناصر، والأستاذ سليمان الياسين وكثير من هؤلاء الفنانين الكبار ونشاركهم احاديث أملاً بأن نكون في يوم ما فنانين لامعين مثلهم، كما واني لا أنسى ديوانية «الكومبارس» التي كنت ومازلت أجلس فيها منذ أيام فقري وشقائي بالحياة، كم كانت تلك الأيام جميلة ومزهرة بالعطاء، وياليتها تعود لكن الماضي لا يعود!