الجعجعة الكبرى التي رافقت قرار المجلس البلدي برفضه تخصيص أرض لمسجد خاص بطائفة البهرة، وانقسام الشارع إلى مؤيد ومعارض، وتخمة الصحف اليومية بتوابع القرار بما خطته الكثير من الأقلام، وتراشق الآراء والفتاوى ومحاسبة النوايا والتشكيك بالملل والعقائد، هذا كله مر في أسبوع واحد، وربما في أقل من أسبوع، ليبرهن عن هذا التطاحن العجيب واليومي على أي قضية تثار وتخرج عن نطاقها المفترض أن يكون إطار الحدث والسبب، مما يدل أيضاً على حال الاحتقان المستمرة بين فئات المجتمع الكويتي، وحساسية الجميع من القضايا المثارة، والغلو في تناولها بصورة غير عقلانية ولا منطقية، فسحت المجال لكل ما هو مدفون لأن يظهر على السطح بصورة واضحة وقاطعة من دون ريب، لا سيما أن هناك من حاول خلط الأوراق بخبث ومكر، وضرب الجميع ببعض، واقتباس الفتاوى عن مذاهب مختلفة، وما يراه حقائق، وسيلته العوجاء فضحت غايته المسمومة، وهي المطوية تحت راية «كلمة حق يراد بها باطل»!موضوع المسجد كان كغيره من المواضيع الأخرى، محل نقاش لجنة فنية داخل مؤسسة يفترض أن تتحمل مسؤولية ما حدث من إثارة وتحريض على الموضوع، وكأن الهدف هو الإقناع بردة فعل الشارع، وليس تنفيذاً للقانون، مما يدل على هشاشة ما قد يتخذ لاحقاً من قرارات، يفتقر فيها صناع القرار ومشرعوه لأهم خطوات التنفيذ وهو القدرة على اتخاذه وتحمل مسؤوليته، مادامت هواجس المصالح الشخصية والحزبية مسيطرة على ظروف اتخاذ القرار، إلى جانب عدم وجود الوعي الناضج أو الخبرة الكافية لمعالجة القضايا في أروقة المؤسسة وحسب قوانينها، بعيداً عن إثارتها وتحريض الشارع على ذلك.القضية ليست محصورة في المجلس البلدي وطبيعة عمله وقوانينه، وإنما يمتد إلى سائر القطاعات الحكومية التي تشرف على تنفيذ سياسة وقانون الدولة، والتي أصبحت عادة غير طبيعية وخارجة عن العمل المؤسساتي، بأن تصبح المعاملات الشخصية والقضايا الخاصة محل العامة منها على حساب مصالح المواطن والوطن، فتدخل الجميع في أتون صراع وخلاف وتراشق وعناد ومكابرة واستجداء للتأييد بأي وسيلة كانت. وعندما نتساءل عن دور الحكماء في الأطراف المتنازعة كلها، سنجد أنهم نأوا عن ذلك كله، بسبب بح أصواتهم ونداءاتهم بضرورة تحكيم العقل والمنطق والحوار، والاتفاق على أن القانون هو السائد فوق الجميع، وليست الأهواء والآراء الشخصية التي تحركها الطائفية والمصالح الحزبية والانتخابية.لهذا، لم يكن مستغرباً أبداً أن يتسابق البعض لتقديم استجوابات عند مثل هذه الفرص العابرة وغير الواردة على الخاطر، كما حدث من وزيرة الصحة السابقة، لاعتلاء الموجة وتبييض الصورة، بعدما ركن الفشل طويلاً في دورهم التشريعي في سن القوانين وحمايتها من الاختراق والتعطيل من قبل قوى الفساد ومحركات الطائفية والحزبية.إنها مأساة بحق هذا الوطن وأبنائه، وبحق مسيرة الدستور، التي جاءت بعد مخاض تاريخي عسير وصعب، قدمت في السابق نموذجاً رائعاً للتجربة الديموقراطية في المنطقة. ويبدو أننا على أعتاب مرحلة جديدة وخطيرة!والعاقبة لمن يعقل ويتدبر.

فهد توفيق الهندال

إعلامي وكاتب كويتيKwt1972@gmail.com