بين «بازل» التحقيق الذي مازالت أجزاؤه مبعثرةً و«ممنوعةً» من الترابط، وصوامع الإهراءات التي مع سقوط كل قطعةٍ منها يشعر أهالي ضحايا «إبادة» 4 اغسطس 2020 بأنها «قطعة من روحهم» تتناثر، أحيا لبنان أمس الذكرى الثانية للانفجار الهيروشيمي الذي حوّل العاصمةَ...«محرقةً».

«بيروتشيما»، وهو العنوان الذي تصدَّر الصفحة الأولى من عدد «الراي» 5 أغسطس 2020 وجال الصحافةَ العربية والأجنبية بوصْفه الأكثر تعبيراً عما أصاب «ست الدنيا» في ذاك الثلاثاء المُرْعِب، استُعيد أمس في ذكرى إعصار الدم والدمار الذي مازال جرحاً مفتوحاً لن يندمل إلا حين تُقرع أجراس عدالةٍ «احتُجزت» خلف قضبان السياسة وحساباتها، لتغيب الحقيقة والمحاسبة عن «جريمة ضد الإنسانية» سقط فيها أكثر من 220 ضحية و6500 جريح وصار معه نصف بيروت حُطاماً.

«4 أغسطس... انفجارٌ بحجم وطن»، شعارٌ لم يأتِ وليد الصدفة واختير لذكرى انفجار أكثر من 500 طن من نيترات الأمونيوم من أصل 2700 طن كانت مخزَّنة منذ 2013 في العنبر رقم 12 في مرفأ بيروت ومازال تهريبها على دفعات جزءاً من «الصندوق الأسود» لجريمةٍ هزّت حين وقوعها «الكرة الأرضية» التي صُعقت بالزلزال المدمّر الذي يُخشى أن يحال على... القضاء والقدَر.

أهالي الضحايا، الذين لا يُخْفون خوفَهم من أن تتحوّل قضية الحقيقة والعدالة «عائلية» عوض أن تكون «وطنيةً» والذين لم يتجاوزوا بعد صدمة مذبحة 4 أغسطس 2020 ولا «قتْل التحقيق» فيها عن سابق تَصَوُّر وتصميم، استعادوا قبيل وصول مسيراتهم إلى قبالة المرفأ بعضاً من لحظات اليوم الأسود الذي أطلّت ومضاتُه من خلف غبار 3 صوامع إضافية سقطت كأنها «أمام عيونهم»، هي التي بقيت من آخِر «آثار» تلك المجزرة وفيها بعضٌ من أثَر مَن تناثروا أشلاء مازال قسم منها في محيط الإهراءات - الشاهدة والتي تعانِد تحويلها... شهيدة.

عنوانان رُفعا في المسيرات الثلاث التي انطلقت من أمام قصر العدل في بيروت ومبنى صحيفة «النهار» ومقر فوج إطفاء بيروت، وحُملت خلالها نعوش بيض ملطخة بالدماء وصور الضحايا ومشانق «لمَن أعدموا أبناءنا ولن نهدأ قبل أن يتم إعدامهم وإلا سنأخذ حقنا بأيدينا، وسنلاحقهم إلى منازلهم... سنزرع السكاكين في قلوبهم، وأولادهم مش أغلى من أولادنا»، وهما:

* المطالبة بلجنة تقصي حقائق دولية، ودعوة مجلس الأمن «للتدخل في القضية إن لم يصدر القرار الظني، وتشكيل لجنة موثوق بها لمتابعة التحقيق، وللجنة تحقيق دولية مستقلة وعلى الحكومة اللبنانيّة والمعنيين تسليمها المستندات المتعلقة بالتفجير»، وذلك في الوقت الذي تَعطّل منذ نهاية 2021 عمل المحقّق العدلي القاضي طارق بيطار الذي تم إغراقُه بدعاوى كف يدٍ ومخاصمة رَفَعَها تباعاً مُدعى عليهم بينهم نواب حاليون ووزراء سابقون، مع توجيه الأهالي لوماً للرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون من أمام سفارة بلاده لعدم وفائه بوعدِ دعمِ قرارٍ في مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة لتشكيل بعثة تقصي حقائق دولية، وهو المطلب الذي كررته أمس 11 منظمة حقوقية، من ضمنها «هيومان رايتس ووتش»، وذلك «كي تحدد البعثة الحقائق والملابسات، بما في ذلك الأسباب الجذرية للانفجار، بغية تحديد مسؤولية الدولة والأفراد ودعم تحقيق العدالة للضحايا».

* والثاني رفْض «هدْر دم أبنائنا» مرة ثانية عبر جعْل الإهراءات «تموت على البطيء» بحرائق اعتبروا أنها بالحد الأدنى تُركت «تأكلها» بهدف «التخلص منها»، متمسكين بأن يبقى الجزء الجنوبي منها، الذي يُرجح أن «ينجو» من الانهيار، معْلماً لتخليد ذكرى مَن قضوا «إعداماً» كما قالوا، ومتوعّدين «لن نسمح مهما كان الثمن لأي كان بدخول موقع سقوط الصوامع، إذ فيها بعدُ أشلاء لأبنائنا».

وفيما كانت مسيرات الأهالي الذين ارتدوا قمصانا بيض ملطّخة بالدماء تشهد مواجهة مع عناصر حماية مجلس النواب بعدما عمد بعض المشاركين إلى رميهم بالتوابيت فردوا بقنابل صوتية لتفريقهم، فإن المواقف التي أطلقت دولياً ومحلياً في هذه الذكرى عكست أمرين:

* الأول أن الخارج مازال يكتفي بـ «تسجيل موقف» من دون أي دفْع نحو ترجماتٍ تتيح بلوغ العدالة التي سبق أن اعتُبرت من عواصم القرار أول مؤشراتِ الإصلاحات (عبر ضمان استقلالية القضاء) التي تعكس جدية لبنانية في تنفيذ دفتر الشروط الإصلاحي التقني المطلوب لحصول «بلاد الأرز» على دعم مالي «على حمّالة» اتفاق مع صندوق النقد الدولي والدول المانحة، وهو ما يغذّي شكوك مَن يعتبرون أن وراء «بيروتشيما» لغزاً كبيراً قد لا يُفك أبداً.

* والثاني استمرار «التصدعات» الداخلية حيال قضيةٍ تحوّل التحقيق فيها «شرارةَ» أزمة سياسية كبرى عطّلت عمل الحكومة لنحو 3 أشهر بفعل «فيتو» حزب الله والرئيس نبيه بري على عمل القاضي بيطار (يلاحق نواباً ووزراء سابقين محسوبين في غالبيتهم عليهما) وإصرارهما على «قبْعه»، وكادت أن تنزلق إلى فوضى أمنية وفتْنوية.

وكان ماكرون، استذكر 4 أغسطس بتصريح نُشر على مواقع التواصل الاجتماعي أمس، وقال فيه «بعد عامين من الانفجار الذي وقع في مرفأ بيروت، يصادف اليوم يوم حداد وطني في لبنان.

بتأثر كبير أتذكر الذهول الذي استحوذ عليّ في أغسطس 2020 عندما علمتُ بهذه المأساة»، مضيفاً: «في اليوم التالي للانفجار، كنتُ هناك، إلى جانب الرجال والنساء اللبنانيين، في شوارع الجميزة المدمرة، شاهدا على كرامة السكان وشجاعتهم رغم الألم».

وإذ شدد على أنه «يجب تحقيق العدالة»، اعتبر أن «هذه المأساة كانت مؤشراً للأزمة متعددة الأوجه التي يعيشها لبنان»، مؤكداً أنه «يجب الاستجابة للتوقعات المشروعة للعدالة والإصلاح لدى اللبنانيين».

ومعلوم أن الرئيس الفرنسي زار بيروت بعد يومين من «هيروشيما لبنان» ليعود مطلع سبتمبر من العام نفسه محاولاً الدفْع نحو حلّ سياسي للأزمة اللبنانية (بعد استقالة حكومة الرئيس حسان دياب) التي كان انفجر بُعدها المالي قبل أشهرٍ، والشعبيّ عبر انتفاضة 17 اكتوبر 2019 نتيجة عوامل تشابَك فيها التقني بالسياسي المتصل باقتياد البلاد إلى المحور الإيراني.

وفي حين توقفت «مجموعة الدعم الدولية من أجل لبنان» بقلق عند «عدم إحراز تقدم حتى الآن في المسار القضائي المتعلق بالانفجار»، داعية «السلطات اللبنانية إلى بذل كل ما بوسعها لإزالة كافة العقبات التي تحول دون إجراء تحقيق محايد وشامل وشفاف»، ومعتبرة «أن متابعة المسار القضائي يُعد متطلّباً ضرورياً لاستعادة صدقية مؤسسات الدولة اللبنانية وضمان احترام سيادة القانون وإرساء مبادئ المساءلة وإنهاء ظاهرة الإفلات من العقاب»، شددت بعثة الاتحاد الأوروبي في بيروت على «تأكيد ضرورة متابعة التحقيق في الانفجار دون عوائق وبعيداً من التدخل السياسي.

ويجب أن يكون التحقيق نزيهاً وموثوقاً وشفافاً ومستقلاً. وينبغي أن يتوصل إلى نتائج دون مزيد من التأخير من أجل الكشف عن أسباب المأساة ومحاسبة المسؤولين عنها».

وذكر عدد من أهالي الضحايا أن عشرات السفراء التقوا بهم أمس «وعرضنا مطلبنا لجهة قيام لجنة تقصي حقائق دولية تدعم المحقق العدلي، وهدفنا الوصول إلى نتيجة في التحقيق».

وفي المقلب اللبناني، غرّد رئيس الجمهورية ميشال عون عبر «تويتر»: «بعد عامين على فاجعة 4 أغسطس أشارك أهالي الضحايا والجرحى حزنهم، وعائلات الموقوفين معاناتهم. وأؤكد لهم التزامي بإحقاق العدالة المستندة إلى حقيقة كاملة، يكشفها مسار قضائي نزيه يذهب حتى النهاية، بعيداً عن أي تزوير أو استنسابية أو ظلم، لمحاسبة كل من يثبت تورّطه، لأن لا أحد فوق القانون».

كما غرّد رئيس الحكومة المكلّف نجيب ميقاتي انه «يوم حزين لن ينجلي سواده قبل معرفة الحقيقة الكاملة لترقد أرواح الضحايا بسلام وتتبلسم قلوب ذويهم. لن يستقيم ميزان العدالة من دون معاقبة المجرمين وتبرئة المظلومين، ولا قيامة للبنان من دون العدالة الناجزة، مهما طال الزمن».

كذلك كتب الرئيس السابق للحكومة سعد الحريري على صفحته على «تويتر»: «انفجار 4 اغسطس: جرح عميق في قلب بيروت لن يلتئم إلا بسقوط اهراءات التعطيل والاستقواء على الدولة والقانون وتصدّع صوامع الاهتراء السياسي والاقتصادي وعروش الكراهية والتعصب الطائفي. العدالة لبيروت وأهلها وتخليد ذكرى الضحايا فوق كل اعتبار. لن ننسى».

من جهته، اعتبر بري أن «شهداء الرابع من أغسطس هم شهداء كل لبنان»، معلناً «مجدداً ودائماً المسار الذي يوصل حتماً الى العدالة وكشف الحقيقة تطبيق الدستور والقانون، ونحن اليوم جميعاً بأمس الحاجة الى تحمل المسؤولية الوطنية»، في حين استحضر «حزب الله» ما شهدناه «خلال العامين المنصرمين من موجة هائلة من الحملات السياسية والاعلامية المكثفة والتي تضمنت اتهامات باطلة وزائفة وقدراً كبيراً من التحريض أدى الى توتر داخلي في غاية الخطورة كاد أن يطيح بأمن البلد واستقراره».

وطالب الحزب «بتحقيق نزيه وعادل وشفاف وفق الاصول القانونية ومراعاة وحدة المعايير بعيداً من الاستثمار السياسي والتحريض الطائفي والمزايدات الشعبوية».

الراعي يرفع الغضب

وفي موازاة ذلك، رفع البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي خلال ترؤسه قداساً لراحة نفس ضحايا انفجار المرفأ «صوت الغضب بوجه كلّ المسؤولين أيًّا كانوا وأينما كانوا ومهما كانوا، أولئك الذين يعرقلون التحقيق، كأنّ ما جرى مجرّد حادث تافه وعابر لا يستحقّ التوقف عنده ويمكن معالجته بالهروب أو بتسوية أو مقايضة كما يفعلون عادةً في السياسة».

وقال: «نسأل المسؤولين في الدولة ماذا يريدون أكثر من هذه الجريمة كي يتحرّكوا؟ وماذا يريد القضاء أكثر من هذا كي ينتفض لكرامته ويستعيد دوره ويعود قبلة المظلومين؟».

ورأى «أنّنا اليوم أمام جريمتين، هما جريمة تفجير المرفأ وجريمة تجميد التحقيق»، معتبراً أنّ «تجميد التحقيق لا يقلّ فداحةً عن التفجير لأنّه فعلٌ متعمّد وإراديّ بلغ حدّ زرع الفتنة بين أهالي الضحايا»، ولافتاً إلى أنّ «هناك من اتبع الحلّ المريح كي يتهرّب من مسؤولية حسم مرجعية التحقيق، فإنّها لعبة توزيع الأدوار بين عددٍ من المسؤولين على مختلف المستويات الدستورية والسياسية والأمنية والقضائية».

وشدّد على أنّ «المطلوب أن يستأنف قاضي التحقيق العدلي عمله وصولاً إلى الحقيقة في تفجير المرفأ»، لافتاً إلى «أنّنا لا نتّهم أحداً ولا نبرئ أحداً، فالمواطنون يُريدون العدالة ونرفض أن يكون بعض المتهمين طليقين وبعضهم الآخر أبرياء ومعتقلين».

وتابع: «نعرف من الخبرة عن القضاء المسيّس في لبنان، وطالبنا منذ اليوم الأول لتفجير المرفأ بتحقيقٍ دوليّ إذ إنّ الجريمة قد تكون ضدّ الإنسانية في حال تبيّن أنّها عملٌ مدبّر، وأتت تعقيدات التحقيق المحلي والعراقيل السياسية لتعطي الأحقية في تجديد المطالبات بالتحقيق الدولي»، مؤكّداً أنّه «لا يحقّ للدولة أن تمتنع عن إجراء تحقيقٍ محلي وتُعرقل في المقابل إجراء تحقيقٍ دولي، والمستغرب أنّ جريمة تفجير المرفأ غريبة عن اهتمامات الحكومة قبل استقالتها وبعدها لا بل أنّ بعض وزرائها يتغافل عنها وبعضهم الآخر يُعرقل سير العدالة من دون وجه حقّ».

وقال الراعي: «لا تعرقلوا التحقيق بالضغط السياسي على القضاة وبعدم إعطاء أذونات ملاحقة بحقّ مطلوبين للتحقيق ولا تعطّلوا التشكيلات القضائية للهيئة العامة لمحكمة التمييز بالامتناع عن توقيعها بقوّة النافذين السياسيين، ولا تتعرّضوا لأهالي الشهداء بالضرب والتوقيف والتحقيق على خلفية المطالبة بالعدالة».

كما لفت إلى أنّ «جميع الكوارث التي تحصل في العالم يُحفَظ جزءٌ منها لذاكرة التاريخ كشاهد لما حصل، وهذا ما فتئ يطالب به أهالي الشهداء بالنسبة إلى حماية الإهراءات من السقوط وهي الشاهد الناطق لجريمة تفجير المرفأ المسماة بجريمة العصر»، متسائلاً «لماذا لم تستعينوا بمؤازرة الدول المجاورة والصديقة لإطفاء النيران في الإهراءات وكأنّ المقصود تدميرها ومحو الذاكرة؟!».